صفقة القرن : البيئة والجذور – ج٤


 

٢-
يستمر الوزير الصهيوني يعلون بعرض رؤيته للمنطقة فيذكر انها شهدت تحولاً جوهرياً بظهور تنظيم الدولة الاسلامية وانتشار الفوضى في ظل غياب الدولة في ليبيا واندلاع الحروب الأهلية في العراق وسوريا واليمن . هذا الوضع الجديد دفع الدول العربية ” الپراغماتية كثيراً ” ، التي اصبحت تنوء تحت اعباء هذا الوضع ، الى التوقف عن اعتبار القضية الفلسطينية الاولوية الاولى في المنطقة { ملاحظة : توصيف ” الپراغماتية كثيراً ” مُلفت للنظر ولم يسبق لي ان قراته في اي مكان ، خصوصاً وان قضية الپراغماتية ليست قضية كمية محسوبة وتزيد او تنقص ، ولكنها موقف نسبي مائع الى حد كبير بحيث يختلط أحياناً مع مايسميه البعض بالانبطاح او التخاذل وربما الخيانة بالنسبة لبعض اخر ، ولكن التشويش والسيولة في التعبير من سمات الخطاب الصهيوني } .

تنشغل السعودية بصراعها الاقليمي مع ايران وتشتبك في حرب بالنيابة في اليمن وتعمل على تقليص النفوذ الايراني وعرقلة مساعي ايران النووية . اما مصر فانها تنشغل في حرب قاسية واسعة مع تنظيم الدولة في سيناء ، كما تعمل على تثبيت الوضع لمنع انتشار الفوضى الليبية في مناطقها الحدودية . اما النظام الأردني فانه منشغل بالحفاظ على استقراره الداخلي ؛ ورغم ان تنظيم الدولة قد هُزم لكنه مازال موجوداً ولديه خلايا نائمة منتشرة في الاْردن وتنوء البلاد بعبأ حوالى مليون لاجئ سوري .

على المستوى الشعبي يَرَى العرب ان القضية الفلسطينية اقل الحاحاً من ذي قبل وان هنالك استطلاعات للراي تظهر ان الشباب العرب يعتقدون ان تنظيم الدولة يمثل التهديد الاول للمنطقة اضافة الى البطالة ، وان هنالك تبادلاً طردياً بين التهديدين حيث يشكل الثاني عامل نمو للأول ، كما يمثل الاسلام غير السلفي الممثل بالاخوان المسلمين الذين تدعمهم تركيا التهديد الأكبر التالي من حيث التسلسل ، وانخفض ترتيب الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الى المرتبة الثامنة { ملاحظة : شكراً لانظمة الطغيان العربي والدكتاتوريات العسكرية التي قادت الأمة مع ” العُگل ” الخليجية فأصبحت ثروات الأمة موارد تصنع الوظائف في امريكا واوروپا وغيرها والشباب العربي يغرق في البطالة ويتحول للاسلام الراديكالي ؛ ثم يقال لنا …… } .

لقد أصيب العرب بالاحباط جراء عجز الفلسطنيين عن حل خلافاتهم الداخلية حول السلطة حيث تغرق فتح وحماس في النزاع حول من يحكم الاراضي الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٧ { ملاحظة : يستخدم يعلون كلمة Territory للإشارة الى فلسطين المحتلة التي تخضع للسلطة الفلسطينية } . لقد اصيبت كل من السعودية ومصر بالاحباط جاء عجز الفلسطينيين عن تنفيذ اتفاقات المصالحة التي عقدت برعايتهما ، وتراود الدول العربية السنية شكوكاً حول جدوى اتفاق المصالحة الذي تم توقيعه في العام الماضي ؛ ان اغلب الدول العربية تعتبر حماس حركة راديكالية وقد كان ميثاقها الجديد الذي أعلنته في مايس / مايو عام ٢٠١٧ موضع انتقاد من قبل الصحافة المصرية والسعودية والاردنية لما احتواه من المبادئ العدوانية اضافة الى تناقض مضامينه وغموض لغته .

ان قيادة فتح وخاصة محمود عباس لايحظيان بشعبية في اوساط الدول العربية السنية وبعضها أعلن دعمه لمناهضيه داخل منظمة التحرير الفلسطينية . لقد حاولت كل من مصر والسعودية والأردن والإمارات اجراء مصالحة بين عباس ومحمد دحلان وكان ذلك في اطار جهود لتوحيد الصف الفلسطيني يشمل حتى حماس مما يمهد الطريق لاحتمال اجراء تسوية شاملة مع اسرائيل (!!!!!!!! ) ، لكن عباس رفض ذلك وانخرط فيما يعتبر مساساً بالمصالح المصرية مثل العمل على زعزعة استقرار قطاع غزة من خلال تقليص موارد تمويل الطاقة الكهربائية في محاولة للضغط على حماس ، وهذا الموقف دفع الأقطار العربية الاربعة الى دعم دحلان على حساب عباس ، كما تعتبره مصر وحماس الجسر الوحيد بينهما مما يزيد حظوظه في خلافة عباس .

جراء الاحباط الذي تشعر به الدول العربية المموِلة ازاء القيادة الفلسطينية فقد قامت بتقليص مساعداتها المقدمة للأراضي الفلسطينية { ملاحظة : يستخدم يعلون كلمة Territory } حيث تراجعت المساعدات الدولية الى مايقرب النصف مقارنة لماكانت عليه عام ٢٠٠٧ والتي تشكل المساعدات العربية جزءاً رئيسياً فيها .

لكن ، يقول الوزير يعلون ، ينبغي الاعتراف بان القضية الفلسطينية مازالت تحظى بمكانة خاصة في العالم العربي رغم تراجعها في قائمة الاولويات ؛ هي القضية الوحيدة التي تظهر حولها ” الوحدة العربية ” { ملاحظة : الأقواس الصغيرة من يعلون . الاسرائيليون يعترفون بان العرب أمة واحدة حين يطلبون من العرب احتواء الفلسطينيين وإدماجهم في الشعوب العربية المحيطة بفلسطين ، وما عدا ذلك فان العرب طوائف وقبائل وإثنيات لاسبيل لتوحيدها وفقاً لهم } ؛ لقد اظهرت اجتماعات الجامعة العربية خلافات عربية كثيرة بشأن العديد من القضايا لكن القضية الفلسطينية مازالت تحظى بموقع محترم في اطار مناقشات الجامعة { ملاحظة : الخبث والرياء واضح . من جهة فان العرب اصيبوا بالاحباط من الفلسطينيين ولكن القضية الفلسطينية تحظى بالاحترام …. ينسى السيد يعلون انه يعتبر في هذه المقالة ان مواقف الأنظمة غير الشرعية هي مواقف الأمة ، لكنه لايتردد في أماكن اخرى من الطعن بشرعية الأنظمة العربية ؛ وهذا موقف صهيوني ثابت لان اسرائيل تحتفظ لنفسها بالحق الحصري في الزعم انها دولة ديمقراطية } .

في الوقت الذي يتراجع فيه اهتمام الدول العربية بالقضية الفلسطينية فان مصالحهم الستراتيجية مع اسرائيل تتشابك بسرعة ، وهذه فرص تظهر في الميدان الأمني . تتعاون اسرائيل حالياً مع كل من الاْردن ومصر ، من بين عدد اخر من الدول ، لمواجهة العناصر المتطرفة مثل تنظيم الدولة . لقد ناشد الرئيس السيسي اسرائيل عام ٢٠١٣ بالسماح له لزيادة قواته في سيناء بما يتجاوز القيود المفروضة بموجب اتفاقيات السلام لمواجهة التنظيم . وتمثل عملية اعادة مصر جزيرتي تيران وصنافير الى السعودية مثالاً اخر على الشراكة العربية – الاسرائيلية ، حيث ان هذه الإعادة تتطلب موافقة إسرائيلية . كانت اسرائيل قد عارضت هذه الخطوة لعدة سنوات ولكنها منحت موافقتها عام ٢٠١٦ بعد ان تعهد المصريون والسعوديون وبوساطة امريكية بالمحافظة على حرية المرور البحري الاسرائيلي عبر مضائق تيران .

هنالك فرص اخرى للتعاون في الميدان الاقتصادي . يمكن للدول السنية ان تحقق منافع كثيرة من خلال اتفاقات للتعاون في مجالات الطاقة وتأسيس الكتل الاقتصادية وزيادة الاستثمارات المتبادلة . لقد وقعت اسرائيل عام ٢٠١٦ اتفاقاً للغاز مع الاْردن بقيمة عشرة مليارات دولار كما زار وفد اسرائيلي القاهرة في ٢٠١٧ يمثل حقل غاز ( تامار ) لبحث إمكانيات توريد الغاز لمصر .

تمثل قضية التغيرات المناخية فرصة اخرى للتعاون العربي – الاسرائيلي هنالك مشكلة تراجع موارد المياه في كل من منطقة الهلال الخصيب وإفريقيا . في هذا المجال تنغمس مصر في صراع عميق حول قضية توزيع مياه نهر النيل . وفي سوريا اندلعت احداث الربيع العربي وسط أزمة شحة المياه .

تتمتع اسرائيل بالخبرة في ادارةٍ الموارد المائية والزراعة الصحراوية وتعزيز الامن الغذائي ممايمكنها من ان تكون عوناً لجميع دول المنطقة المحيطة بما يعزز الاستقرار . بالاستفادة من خبرات اسرائيل في مجال تحلية التربة تقوم على سبيل المثال بتجهيز الاْردن بكميات وفيرة من المياه الى الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية { ملاحظة : يستخدم يعلون تعبير يهوداً والسامرة بدلاً من الضفة الغربية . كما انه لايشير الى ان جميع موارد المياه التي يشير اليها تقع في أراضي محتلة اضافة الى الاستحواذ على المياه الوفيرة في الجولان المحتل ثم يعتبر ذلك ميداناً لإمكانات التعاون } .

نتيجة لذلك فأن العالم العربي الپراغماتي ( ؟!! ) أخذ يحول اسرائيل من مشكلة الى مقدمٍ للحلول لازمات المنطقة المختلفة . وأول الإشارات على تحويل الدول السنية وجهة نظرها بشكل جدي حول اسرائيل قد ظهر خلال الربيع العربي عام ٢٠١١ حينما بدأت الأصوات ترتفع لاعادة الزخم الى عملية تطبيع العلاقات مع اسرائيل { ملاحظة : هذا من احلام اليقظة بامتياز عند يعلون اذ نعرف ان القضية الفلسطينية كانت في جوهر ثورات الربيع العربي ، وفي مصر تحديداً كانت مشاعر الاهانة والتقزز من منظر سيڤي ليفني وهي تعلن الحرب على غزة عام ٢٠٠٨ من قلب القاهرة احد الاسباب الرئيسية لخروج شباب التحرير وقد ذكرت قيادات الشباب المختلفة ذلك الامر } . سرعان ماحصل بعد ذلك ان قنوات عديدة للاتصال مع اسرائيل قد افتتحت { ملاحظة : اعتراف ضمني بان العبارة الاولى تمت صياغتها بشكل خبيث لأننا نعرف ان الربيع العربي قد احبط على يد الثورات المضادة التي سرقته وامتطت السلطة على الدبابات ثم قامت مع الدول الممولة للثورات المضادة بتاسيس قنوات الاتصال مع اسرائيل ، او من خلال تمويل حروب أهلية بالوكالة في بلدان الثورة عدا تونس } . بدا الحديث بعد ذلك عن اجراءات لبناء الثقة كالسماح للخطوط الجوية الاسرائيلية بالمرور في اجواء دول الخليج العربي والشروع في علاقات اقتصادية . لقد بادر رئيس الوزراء القطري السابق بطرح بديل عن قضية عودة اسرائيل الى خطوط الرابع من حزيران ١٩٦٧ باعتماد مبدأ تبادل الاراضي على نطاق ضيق بالاتفاق مع الفلسطينيين { ملاحظة : اما ان يعلون غبي او انه يستغبي القارئ وهو القارئ الغربي لان المقال موجه الى هذا النوع من القرّاء ؛ تبادل الاراضي مبدأ قبلت به القيادة الرسمية الفلسطينية التي يتهمها بعدم الجدية في السعي نحو السلام . مبدأ تبادل الاراضي ترفضه القيادة الاسرائيلية اليمينية وهي تعتمد مبدأ استمرار السيطرة الاسرائيلية على كامل فلسطين التاريخية – وربما الجولان ايضاً – تحت اي صيغة بما في ذلك اقتطاع اجزاء كبيرة من الضفة الغربية وضمها للأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ ثم الاعتراف بالسيادة الفلسطينية الاسمية على بعض المعازل المتفرقة للفلسطينيين دون تسميتهم شعباً بل سكان طارئون يتوجب عليهم الاعتراف بيهودية فلسطين } .

خلال العام المنصرم قدم الوفد المصري الى القمة العربية مبادرة شجاعة لجعل المبادرة العربية اكثر مناسبة ًمن خلال اقتراح ابدال عبارة ” اعادة تأكيد مبادرة السلام العربية ” بعبارة ” مع ملاحظة مبادرة السلام العربية ” ، وهو تعديل يشير الى محدودية هذه المبادرة والى الرغبة في المضي قدماً نحو مباحثات اكثر فاعلية . لقد تمت مساندة الاقتراح من قبل وزير الخارجية المصري والامين العام للجامعة العربية الذي قال ” ان عملية السلام في الشرق الاوسط تواجه جموداً ” ودعا الى ” أفكار جديدة من اجل معالجة أزمات المنطقة ” { ملاحظة : ولو اكمل يعلون نص حديث ابو الغيط لوجد ان فيه ادانة صريحة لاسرائيل باعتبارها المسؤولة عن جمود عملية السلام ، ومن الواضح ان الرجل يستثمر المقال لزرع الاوهام في عقول قرائه الغربيين ، واغلب ظني انه هو ذاته أسير هذه الاوهام لانه يعيش في حلم اليقظة الصهيوني . لقد تم احباط محاولة زرع الصيغة التي يرحب بها يعلون وتم اعتماد النص الأصلي } .

هنالك إشارات اخرى ظهرت قبل حوالى شهر حيث نشرت صحيفة ( المصري اليوم ) حوارات مطولاً بين مالكها صلاح ذئاب مع طبيب مصري اسمه يحيى نور الدين حول ماذا كان يمكن لاسرائيل ان تكون عضواً في الجامعة العربية اذا ماتم حل ” النزاع الفلسطيني ” { هكذا في الأصل } ، وفي شهر مايس / مايو ٢٠١٧ نشرت صحيفة وول ستريت جورنال ان مذكرة محادثات داخلية تم تداولها بين بعض الدول الخليجية تضمنت عرضاً سعودياً اماراتياً حول خارطة طريق للتطبيع تلتزم بموجبها اسرائيل بحل ” النزاع الفلسطيني ” من خلال تجميد بناء المستوطنات في مناطق معينة في الضفة الغربية ( خارج الكتل الاستيطانية ) وتخفيف العقوبات الاقتصادية مع قطاع غزة { ملاحظة : تتناقض هذه المعلومات مع ماذكره يعلون سابقاً من ان حماس تصنف من قبل الخليجيين على انها حركة ارهابية .. مامعنى تخفيف العقوبات على القطاع سوى انها تخفيف عن حماس اضافة للسكان } .

وفقاً ليعلون فان هذه نماذج الزخم الجديد في العالم العربي بهدف تطوير الحوار الاقليمي مع امكانية مقاربة مع اسرائيل .

{ ملاحظة : يحاول يعلون بعد ذلك اضفاء قدر من الموضوعية الى مقالته بعد ان اظهر العالم العربي وكانه قد تحول بالكامل نحو اسرائيل واتضح تهافت ادعاءاته حين قدم مايراه مؤشرات على ذلك فإذا هي عبارة عن افتراضات او آراء شخصية او مواقف لبعض الحكومات التي أقامت علاقات مع اسرائيل منذ وقت طويل ، في الوقت الذي اصطدم مسير التطبيع بالرفض الشعبي العارم بل لعل بعض القرارات الحكومية للدول التي اختارت السلام المنفرد مع العدو التاريخي اصطدمت بموجة من الرفض الشعبي العارم مما اجبر تلك الحكومات الى اعادة النظر في قراراتها لتبقى القضية الفلسطينية ومدى الالتزام بها واحداً من اهم عناصر الشرعية لاي نظام رسمي عربي } … يعترف يعلون بذلك ويشرح …..

رغم تنامي الاستعداد وتشابك المصالح وبعض مناسبات التعاون على المستوى الشخصي فان الأنظمة العربية ذات التوجه الپراغماتي ماتزال تخشى الظهور علناً بمظهر الساعي الى التطبيع مع اسرائيل قبل ان يتم حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني لان مواطنيهم يعارضون مثل هذا التوجه ويعتبرونه خيانة لاخوانهم الفلسطينيين . حتى الدول التي ارتبطت بعلاقات رسمية مع اسرائيل مثل مصر والأردن تفضل كتمان التعاون ولو كان واسعاً فيما يخص القضايا الامنية والاستخبارية وانطلاقاً من ذلك نرى الملك عبدالله الثاني يؤكد في القمة العربية ( اذار / مارس ٢٠١٧ ) انه لاسلام ولااستقرار دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية . من خلال حل الدولتين .

مامن دولة عربية تريد اغضاب مواطنيها في هذا الشأن او ان توفر لايران الساعية للهيمنة في المنطقة للاستثمار في هذه القضية . تستغل ايران هذا الموضوع للتشكيك في شرعية الحكومات السنية القائمة وتتهمها بترك الفلسطينيين ، ويصل الامر الى حد تكفيرهم بالإسلام . ان هذه الحكومات وخاصة السعودية تحرص على عدم منح ايران وتركيا { سنية !! } فرصة الاستثمار في الموضوع .

هنا تكمن المفارقة ، وفق يعلون ، في الوقت الذي تستفيد اسرائيل من اي تقارب معلن فان ذلك يضر بالحكومات العربية ولعلهم يستفيدون اكثر بالحفاظ على التعاون تحت الطاولة .

{ ملاحظة : هذا الجزء من المقال يتناقض بالكامل مع الفرضيات التي قدمها يعلون في بداية المقال حول توجهات العرب على المستوى الشعبي ، وحتى القارئ الغربي الذي يجهل الكثير من اساسيات او حيثيات الموضوع يمكنه لو امعن التفكير ان يكتشف التناقض . الامرالذي يحيرني هو عجز الاعلام العربي عن استثمار مثل هذا المقال لسحب البساط من تحت اقدام الدعاية الاسرائيلية التي مازالت تتحدث عن خطر عربي يتهدد وجودها ويعلون يتحدث لغة مختلفة . نفهم ان الاعلام الحكومي مرتبط بالانظمة التي تقيم اتصالات مع العدو فوق وتحت الطاولة ولكن لم يسكت الاعلام الخاص او الاعلام الالكتروني المستقل ؟! } .

ثم يتسائل يعلون عما يمكن عمله ازاء هذه المفارقة ؟

جوهر المفارقة هو ان الرأي العام العربي يريد الحل قبل التطبيع ويلزم الحكومات بذلك . هذا الموقف يمكن حله بأحد طريقين : اما من خلال حل النوازع او من خلال إقناع الحكومات العربية انه ينبغي الفصل بين الامرين ، اي بين الحل والتطبيع .

ان تعقيدات النزاع والفجوات الكبيرة بين الموقفين فانه من غير الممكن الاعتقاد بان هنالك مايكفي من الزخم لدى الجانبين يمَكِّن من الوصول الى انهاء للنزاع . ان الإصرار على الربط بين الحل والتطبيع يجعل الحل بعيداً عن المتناول اكثر فاكثر لانه يحمل اسرائيل العبأ الأكبر من الضغط فيما يسحب من الفلسطينيين الإحساس بالمسؤولية بل أنه يدفعهم نحو المزيد من التشدد في موقفهم خاصة وان الوقت في صالحهم ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يدفع الفلسطينيين للالتزام بعدم التطبيع قبل الحل رغم ان هذا الربط بين الامرين قد ابعد امكانية انهاء النزاع اكثر فاكثر .

{ ملاحظة : الحل في منتهى البساطة وهو تطبيق القرارات الدولية ، لكن يعلون لايستطيع الحديث في ذلك لان الموقف الاسرائيلي هو الرفض الدائم للشرعية الدولية واعتبار القرارات الدولية التي لايستجيب للمطالب الاسرائيلية ثمار هيمنة الأغلبية اللاأخلاقية على الامم المتحدة وفق تصريح موثق للمثل اسرائيل في الامم المتحدة . } .

لاينبغي ان تراودنا الاوهام ، كما يقول يعلون ، بخصوص ان التطبيع يحرر اسرائيل من حتمية التعامل مع القضية الفلسطينية . ذلك امر غير ممكن وغير مرغوب فيه ولكن اعتباره العائق امام آية امكانية للتعامل مع العالم العربي امر غير مجدٍ ، كما انه يعرض موقف المعسكر الپراغماتي في الشرق الاوسط للخطر . ينبغي التوقف واعادة تقييم الأمور والتعامل مع قضيتي التطبيع والتسوية بشكل منفصل .

ان النظر الى الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني على انه عائق امام التطبيع هو تصور مصطنع يخدم مصالح ستراتيجية معينة لكن الظروف الجيوپوليتيكية قد أوجدت قدراً كبيراً من تشابك المصالح بين اسرائيل والبلدان العربية ؛ تتوفر حالياً فرصة تاريخية من اجل تطوير عملية تطبيع . ان مبادرة كهذه ستكون معقدة ولكنها اذا ما أطلقت بعناية وحكمة فانها ستجلب الفائدة للمنطقة كلها بضمن ذلك الفلسطينيين .

ان تطبيع العلاقات مع اسرائيل سيؤمن المصالح الحقيقية للپراغماتيين في العالم العربي ، وهذا امر يفهمه قادة هذه البلدان كما ان ذلك قد حقق تقارباً خلف الستار ، ومن اجل زيادة المنافع الامنية والاقتصادية والثقافية لجميع الاطراف فان العلاقات يجب ان تبرز الى العلن . ان من مصلحة المعسكر الپراغماتي الاستفادة من ” حليف وفي ” لمواجهة التهديدات الاقليمية كما ان ذلك من شأنه تعزيز مكانتهم الدولية في الوقت الذي ستحظى فيه اسرائيل باعترافٍ وشرعية واسعين باعتبارها عضواً بناءاً مندمجاً في الاقليم { ملاحظة : لاتفوت اسرائيل فرصة دون ذكر انها دولة غربية } . اضافة لذلك فان التطبيع سيعزز العلاقات القائمة اصلاً بين اسرائيل والدول التي ترتبط معها باتفاقيات سلام . ستحقق المنطقة ككل استقراراً اكبر وسينمو اقتصادها من خلال تعزيز التجارة والاستثمار الأجنبي ، خاصة وان الرفاه الاقتصادي يشكل عامل استقرار بحد ذاته { ملاحظة : وكأن يعلون يقول هنا ان من مصلحة من يتعرض للسرقة ان يعين السارق على استثمار عوائد سرقته لتحقيق رفاه اكبر في المحلة التي يقع فيها المنزل المسروق } .

من الواضح ان رفض التطبيع لن يجلب نهاية للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني ولكن تقارباً تدريجيا بين العالم العربي واسرائيل من شانه ان يساعد على بناء الثقة بين اسرائيل والفلسطينيين وإيجاد مساحات من المصالح المشتركة تقود الى مباحثات صادقة وجادة وأكثر فاعلية . ان الهدف من علاقات اقرب مع العالم العربي لايهدف الى فرض اتفاق سلام من فوق رؤوس الفلسطينيين بل تأسيس قنوات من اجل اعادة توجيه الطاقات الوطنية والموارد نحو اهداف مشتركة { ملاحظة : ماهو المشترك بين اللص والضحية باستثناء ماهو مسروق ؟! } .

من الناحية الظاهرية تبدو القضية الفلسطينية وكانها ألقضية الوحيدة التي توحد العالم العربي ، لكن ذلك لايتعدى المظاهر وسرعان مايتبدد . على البلدان العربية ان تدرك ان بوسعهم الاستفادة من اسرائيل في موضوعات كثيرة مثل معالجة المياه والزراعة الصحراوية والاٌمن الغذائي وتحسين مستويات المعيشة { ملاحظة : اذا كان العرب رغم ثرواتهم قد أهملوا العمل في كل هذه الجوانب رغم توفرها في أماكن عديدة من العالم المتقدم بسبب فساد انظمتهم ، فهل ان لدى اسرائيل عصا سحرية ستجعل هذه الأنظمة الفاسدة ، التي تحظى بدعمها ومباركتها ومباركة حليفتها الكبرى ، قادرة على قلب الفساد الى إصلاح … مزاعم تافهة مضحكة ولكنها للأسف تمر على عقول الغربيين !!! } .

ان مثل هذه البيئة من التعاون ستجعل من الممكن على المدى الطويل تحقيق اختراق على صعيد النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ، واذا ماتم هذا فان علاقات أوثق ستنشأ بين اسرائيل والعالم السني لكي يتمكن من مواجهة خطر ايران وهذا سيلحق الاذى بحلفاء ايران ايضاً في معسكر المتشددين كما سيعزز موقف المعسكر الپراغماتي على الصعيد الدولي .

ينبغي لهذا التقييم المتفائل ان يتجاوز مرحلة الأحلام وتحويله الى واقع لكن ذلك يعتمد على قدرة العالم العربي على تغيير رؤيته لاسرائيل وتجاوز العائق المزيف الذي يشكله النزاع الفلسطيني . ذلك يتطلب قيادة ذات رؤية { ملاحظة : ذات رؤية ملونة لاتنظر الى الاحتلال وقضم الاراضي والتهويد المستمر والتصفية اليومية للفلسطينيين وتتلهف فقط لزراعة الصحراء التي لم تزرعها الحكومات منذ ان ابتلاها الله بداء النفط } . على الأنظمة العربية ان تبدأ عملية طويلة المدى لانهاء المقاطعة مع اسرائيل من خلال تطوير منظومات الاتصالات المباشرة والسماح بفتح الأجواء امام الطيران وتبادل الزيارات الرياضية وتنظيم المناسبات الرياضية والثقافية { ملاحظة : حيث يمكن للجانب الاسرائيلي تقديم الفلافل والباباغنوج والحمص بطحينة والجلابية الفلسطينية التي ترتديها مضيفات طيران العال الاسرائيلي باعتبارها تراثاً يهودياً كما يفعلون اليوم في المعارض والمهرجانات التجارية والثقافية العالمية } ، في المقابل يمكن لاسرائيل ان تقوم بتطوير مشاريع البنى التحتية والاقتصادية للفلسطينيين في يهوداً والسامرة { ملاحظة : يستخدم يعلون هذا التعبير تاكيدأ لوجهة النظر الاسرائيلية بانها أراضي يهودية وليست محتلة … ومع ذلك يتحدث عن بناء ثقة وتطبيع } .

هذه ، وفقاً ليعلون ، عملية معقدة وصعبة إلا انها ممكنة ويقدم الاْردن نموذجاً لذلك ، حيث قام بتغيير مناهجه المدرسية وسمح بنشر خارطة اسرائيل فيها { ملاحظة : لايذكر يعلون نوع الخارطة التي قدمها الاْردن لان اسرائيل لاتقدم اي خارطة رسمية عن نفسها } ، كما يشيد المواطنون السوريون بالمساعدات الطبية والإنسانية الي قدمتها اسرائيل للاجئين السوريين { ملاحظة : لكنها تواصل احتلال الجولان واعلنت ضمها الى اسرائيل رسمياً وأصدر الكنيست قانوناً يمنع التفاوض حول الجولان } .

ان للعرب مصلحة في تأسيس علاقات ومساحات جديدة للتعاون وتحسين العلاقات القائمة فعلاً رغم ان القضية الفلسطينية ستبقى معرقلاً لذلك ، لكن اذا ماكان القادة الفلسطينيون مستعدون للمشاركة في الجهود الاقليمية ولديهم من حسن النية مايكفي لتجديد المحادثات الهادفة لانهاء النزاع فأن ذلك ممكناً . اما اذا استمر الإصرار على تعليق قضية التطبيع على حل النزاع فان المنطقة ستبقى بعيدة عن اي حل . ( انتهى عرض المقال )

هذه المقالة قدمت نموذجاً للنمط الذي يفكر القادة الاسرائيليون في إطاره . التطبيع اولاً ثم البحث في الحل . لم ترد كلمة ” دولة فلسطينية مستقلة ” او ” احتلال ” مرة واحدة على لسان اي مسؤول اسرائيلي ولم يقبل اي قائد اسرائيلي بقرارات الامم المتحدة مرجعية للحل فضلاً عن استمرار ضم الاراضي بعد مصادرتها وتتزايد وتائر الاستيطان ، والاهم من كل ذلك يجري العمل على إلغاء بنود الحل من خلال إلغاء بنود التفاوض فلايتبقى في واقع الحال اي موضوع للتفاوض : سحبت القدس من التفاوض وفق تعبير ترامب كما يجري الان تفكيك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الاونروا ) تمهيداً لالغاء صفة لاجئ عن الفلسطينيين في مخيمات اللجوء فضلاً عن ابعاد المرجعيات الدولية عن آية محادثات للسلام وهذا من شانه إلغاء توصيف الاحتلال عن الاراضي المحتلة وتحويلها الى أراضي متنازع عليها يتم حلها بالتفاوض ومعروف ان كل مايمكن ان يترتب عن المفاوضات هو انعكاس لموازين القوى على الارض ، ويتم ذلك تحت ذريعة متطلبات البيئة الاقليمية الجديدة التي تتمثل في الخطر الايراني ويفوت البعض مراجعة التاريخ القريب الذي يعلمنا ان ايران لم تكن قادرة على على التمدد في الاقليم وتشكيل تهديد قبل احتلال العراق وتدميره كما لاننسى حجم المساعدات الاسرائيلية الى ايران خلال الحرب العراقية – الايرانية ، ورغم ان اللجنة الرباعية التي تم اعتمادها دولياً كآلية لمعالجة القضية الفلسطينية الا انه تم تجميدها عملياً لان ثلاثة من أعضائها وهم روسيا واوروپا والامم المتحدة تتمسك بالقرارات الدولية كمرجعية للحل وتفردت الولايات المتحدة بإدارة ملف القضية .

في مجال اخر تجري ترتيبات اقليمية بين اسرائيل والولايات المتحدة من جهة وبعض الأنظمة العربية المهتزة من جهة اخرى لتمهيد الارضيّة لغرض تمرير عملية تسوية جذرية للقضية الفلسطينية بترتيب وطن بديل للفلسطينيين وتوطين الموجود منهم في البلدان العربية حيث يوجدون . لكن من الذي سيدفع الثمن ؟!

لاشك ان الفلسطينيين سيكونوا الضحية الاولى ومن المؤكد ان الاْردن سيختفي من الخارطة وستتحول سيناء الى غزة كبرى خاصة وان يعلون يبدي استعداد اسرائيل لتطوير الزراعة الصحراوية … سيكون ذلك هو المضحك المبكي وهو من ثمار خواء النظام الرسمي العربي الفاقد للشرعية والذي انكشفت عوراته بعد موجة الربيع العربي التي اظهرت ان حشوداً من الشباب الاعزل المعتصم في الساحات العامة قادر على هز أركان اعتى الأنظمة الطغيانية التي لم يتصور احد ان بالإمكان إزاحتها .. لقد تهاوت مثل أوراق الدومينو لولا الاموال التي تم ضخها لتمويل الثورات المضادة التي رفعت العسكر مجدداً الى السلطة او احالت الثورات الى حروب أهلية بما يسيء الى سمعة اي حركة باتجاه الاصلاح وإزاحة هذه الأنظمة التي قادت الأمة الى حالها المزري الذي هي عليه .

رغم كل ذلك فان هذا المشروع لن يمر ويقيني ان العروش ستهتز وسوف تسقط أنظمة ورؤس خارج كل التوقعات .. التاريخ يعلمنا ان قدرة الاحتمال لدى هذه الأمة كبير ولكن فتيل اشتعال ثوراتها يبدأ من القدس والاقصى .. هذه قضية الأجيال وستُقطع اليد العربية التي تمتد للتلاعب بها . من شاء ان يطبع فليطبع ولكن لاشأن له بفلسطين فهي ملك اَهلها وشبابها وشاباتها وحتى اطفالها ممن ولدوا في ظل الاحتلال ويدفعون فواتير الدم يوميا. لقد ذاقوا مرارة العيش في ظل الاحتلال وعلى المحتل ان يتحمل نتائج احتلاله .

شارك
المقال السابقالسادة الموظفون
المقال التالىمن مذكرات كارلوس الألماني – الجزء الأخير
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد