قراءة في رواية ذاكرة ملعونة


 

تحوم بنا الرواية حول مجموعة متشرذمة من البشر يجتمعون بدعوة من أحد الأصدقاء، في ليلة من ليالي دمشق يبدأ نقاشهم أو بالأحرى تبدأ اعترافاتهم، فهذه الجلسة والتي تبدو سرية وغامضة في بدايتها تتحول لكرسي بل لكراسي اعتراف، حيث يروي لنا كل منهم قصته مع الحرب الطائفية والتي جرتأحداثها في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين.

في البداية لا يمكنك كقارئ أنّ تحدد العلاقة بين الموجودين، فهم مجموعة من الكائنات البشرية الغامضة، والتي تحيط بها ضبابية مُحبّبة، تجعلك شغوف لاكتشاف كينونة كل فرد منهم وعلاقته بالأخرين.

تدور بدايات الرواية في الظلام، كما أنّ الشخصيات يخفون الكثير من الأسرار في ظلمات نفوسهم، ومع أنّهم غير مجبورين على هذا الظلام الخارجي إلا إنّهم وجميعًا يريدون التخلص من ظلامهم الداخلي.

أول من يبدأ الحكي أو الأعتراف هو صاحب البيت “عبد الله” حيث يصف كيف أجبرته الظروف على الرحيل من وطنه (سوريا) إلى (لبنان)، ورغم أنّ الظروف التي دفعت هذا الشاب الغض للرحيل مأسوية إلا أنّ ما حدث له هناك أكثر مأسوية مما يمكن لأي منا أن يتخيله، كما يروي لنا قصة عودته لموطنه ولحضن أمه الرافض له أكثر الأمر الذي يدهشك غرابةً وشذوذًا.

يتوالى الأبطال قص حكاياتهم وذكرياتهم عن فترة الحرب.
الجميل في هذه الرواية أنّ الحكايين مختلفين تمامًا عن بعضهم البعض، بينهم تباين واضح جلي، وهنا أعتقد أنّ الكاتب يقصده تمامًا؛ ليقول لنا أنّ الحروب لا تفرق بين مسلم ومسيحي ولا بين غني وفقير أو ذكر وأنثى، فالكل سواسية أمام الحرب، والجميع خاسر مهما كانت مكانته أو قيمته أو قوته.

الرواية إنسانية من الدرجة الأولى، ولعل هذا هو السبب الحقيقي لنجاح مثل هذا العمل رغم أنّ هناك مآخذ على هذا العمل إلا أن القصص التي يحكيها الأبطال تصيبك بالدهشة والعجب، ولقد نجح الكاتب نافذ سمان في أنّ يجعلك تتعاطف معهم جميعًا رغم اعترافهم بعفوية بأفعالهم التي أقل ما توصف به أنّها شاذة أو ضد فطرة الإنسان السوية، لكنك تشعر لسبب ما غرسه بك الكاتب في غفاة منك؛ بأنّ ما قاموا به كنت ستقوم به أنت شخصيًا دون أنّ تشعر بأي تأنيب ضمير، لكن وكما قولت من قبل لأنّ هذه الأفعال ضد الفطرة السوية للإنسان جعلهم هذا الأجتماع السري الغامض قادرون على التقيؤ النفسي للتخلص من ذكريات ملعونة تتعبهم وتؤرق نومهم وصحوهم.

من الأشياء التي لم تعجبني في هذه الرواية هو اعتماد الكاتب على اللهجة السورية واللبنانية والفلسطينية العامية والتي وجدت صعوبة كقارئ مصري في بعض الأحيان لفهمها. العيب الثاني في هذا العمل الذي أقل ما يوصف به هو أنه جيد هو أفراط الكاتب في الحوارات الطويلة، وبالطبع كل هذا كان على حساب السرد الذي يجيده الكاتب ولكنه تخلى عنه لسبب ما، مما أفقد هذه الرواية الكثير من بريقها الذي كانت تستحقه وعن جدارة. النهاية أيضًا على غير هدى وكأن المؤلف اراد ان ينهيها فجأة أو دون وعي منه لاحت له فكرة النهاية فأستخدمها دون هدى أو تفكير أو تأمل قبل أن يضع النهاية الأشد مأسوية من حياة أبطال القصة.
في النهاية أود أنّ أشكر الكاتب نافذ سمان على هذا العمل متمنيًا له التوفيق في كل أعماله القادمة راجيًا أنّ يكون كلامي في محله وأن يكون الصواب في صفي، لكن إنّ كنت قد أخطأت فأرجو المعذرة لانه بكل تاكيد خطأ غير مقصود.

المقال السابقالمعركة على مستقبل سوريا
المقال التالىاللمّبجي
خالد النجار.. كاتب مصر يعمل ككبير معلمين في وزارة التربية والتعليم المصرية.. صدر له: رواية ولاد شديد (دار الوليد) مسرحية بخيل جدي: فرقة تياترو مصر وشوشة آصم (العبيكان الإلكتروني) نبضات عشق (العبيكان الإلكتروني) رواية آمورزاو (دار الكنزي) رواية نائب السلطان (تحت الإعداد)....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد