ابنتي


 

أضاءت أنوار الصباح بلطف لذيذ .. تسللت عبر النوافذ برقة .. مشوبة بالحذر والعطر المنبعث من ورد الحدائق المبللة بالندى لصباح ربيعي جميل متعطش للحياة ..
لاتريد هي أن تزعج ابنة قلبي هذا الصباح .. تعلم أنه اليوم المنتظر في حياتها وحياة كل شابة في سنها ..
اليوم ستبدأ حياة جديدة .. ستدخل عالما آخر ، خال من دلال إخوتها وحضن والدتها وقلب أبيها ..
اليوم ستفتح بابا جديدا لعالم مبهم التفاصيل في ذهنها .. سيترجم فيه الحب على أرض الواقع في تفاصيل نهارها صغائرها وكبائرها ..
ستسير في طريق شائك الأشجار .. أرجو أن يكون الظل رؤوفاً بها .. و الأرصفة حنونة على قدميها وخطواتها الصغيرة ..
اليوم أنظر في عينيّها وأتساءل .. متى أنجبت هذا الجمال أنا ياالله .. !؟
تضحك هي حين تسمعني .. تبرق عيناها و ترتعش شفتاها وهي تلقي بنفسها بين أحضاني ..
كرت السنين السابقة في ذهني كحبات المسبحة لحظة فرطها ..
تمنياتي الدائمة في كل مرة أن يكون الطفل القادم بنتا .. فرحتي الغامرة بها حين ولدت .. ضحكتها الأولى .. استجابتها لي لأول مرة ناديتها بها ..
ماما .. لحظة نطقتها كأنني أسمعها للمرة الأولى في حياتي ..
فستانها الأول .. و أناقتها فيه وحلق ذهبي صغير يزينه حجر بلون الفستان .. جواربها وحذاء القماش الصغير بلونهما .. عيناي وهي ترقبها تكبر يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ..
أعياد ميلادها المميزة التي أصنع منها حفلاً يليق بعروس لامثيل لجمالها ..
يومها الأول بالمدرسة وإصرارها على بقائي بجانبها داخل الفصل المدرسي .. ثم انخراطها بالدراسة وتفوقها متناسية أنها تباكت يوماً منها وودت لو تهرب لأقاصي أحضاني بعيداً عنها ..
عطرها و أشياؤها .. غرفتها المميزة التي تقول للجميع .. إن في هذا البيت باربي جميلة يفوح عطرها ملء الحياة ..
مراهقتها وحبها الأول .. كان غريباً على صديقاتي الأمهات أن يعلمن بأنني مستودع أسرارها .. و أنني صديقتها ولست بوالدتها .. و أنني أعرف كل شاب تمنّاها .. وكل من حاول الإتصال بها .. وكل من داعب طيفه خيالها .. أحب أن أراها سعيدة تحت أنظاري .. إن أخطأت فليكن بعلمي وليس بعيداً عني .. وويل ثم ويل لمن تدخل بها .. أو وجه لها لوما من إخوتها ..
لاشيء .. فقط سيندم لأنه تجاوزني وفعل .. مدللتي وصغيرتي غير مسموح المساس بها تحت أي ظرف أو حدث ما …
كم أرقتني ليال كانت فيها عليلة .. فبرد الشتاء لايرحم إن طرق على الأبواب ..
و حين وطأت قدماها الجامعة للمرة الأولى .. ليست هي بل أنا التي لم تستطيع أن تمنح فرحتها ذاك اليوم لأحد وماكان بمقدور كائن في هذا العالم البائس أن ينتقص منها ..
ولتخرجها حديث أخر .. رغم تخرج إخوتها الذين سبقوها في ذلك من أفضل الفروع العلمية وأصعبها دراسة .. لكنني معها .. كأنني أتذوق الطعم الحلو للحياة للمرة الأولى ..
وحين وقعت في الحب .. كنت أول من علم بنبض قلبها .. وتحليق روحها .. التقيته معها .. حدثته .. استمع لي واستمعت إليه .. باركتها واليوم هي ستغادرني إليه .. اليوم سيخلو البيت من ضحكتها .. وستفتقد الجدران لعبير أنفاسها .. اليوم سنبكي فرحا وحزنا أنا وغرفتها وكل أشيائها المتبقية منها وعطرها هنا ..
ستكون ملاكاً يتهادى على الأرض بفستانها الأبيض وتاجها المرصع على رأسها ..
اختارت أغنيتها ورقصتها .. ستثير حسد الجميع .. أعلم ذلك جيداً .. لأنني سأحرص أنا على أن يتم ذلك .. صغيرتي لايجب أن تشابه أحدا في ليلتها المميزة ..
ياالله .. ياالله .. لِمَ لَمْ يتم ذلك .. !؟
تقول أمي دوماً : كان الله يعلم أنك ستفسدينها بدلالك فحرمك من هذه النعمة ..
( حلمي الذي لم تمنحني إياه السماء )

لا تعليقات

اترك رد