السادة الموظفون


 

في الدول المحترمة يعمل الموظف ثماني ساعات متواصلة أي من الثامنة صباحا الى الرابعة او من التاسعة الى الخامسة مساء بضمنها استراحة مدفوعة الأجر أمدها ساعة واحدة و يفرض عليه القانون – اضافة الى الأخلاق و اللياقة التي يفترض أن يتحلى بها كل إنسان – أن يستقبلك بابتسامة و يستلم معاملتك حتى لو حضرت في آخر دقيقة من الدوام و في اليابان يتدرب الموظف على الابتسامة الدائمة بأن يضع قلم رصاص بشكل أفقي في فمه لنصف ساعة قبل بدء الدوام لكي يواجه مراجعيه و هو مبتسم . في العراق (الجديد) لا أحد يدري متى يبدأ الدوام فالموظف لديه عذر حصل عليه مجاناً و هو الازدحام الناجم عن عشرات الحواجز الأمنية التي يمر بها في الطريق إلى دائرته و لا أحد يدري متى ينتهي الدوام فهذا سر من أسرار الدائرة لا يجوز للمراجع الإطلاع عليه لكنك اذا ظننت أو افترضت أن الدوام ينتهي الساعة الثانية ظهرا كما كان أيام العراق ( القديم ) أيام كانت العطلة الاسبوعية يوماً واحداً و السنوية بعدد أصابع اليد و سولت لك نفسك أن تطلب من الموظف انجاز معاملتك عند الساعة الواحدة فهذه إهانة لموظف أثناء تأدية عمله يعاقب عليها قانون دولة القانون بالحبس الشديد ستة أشهر أو دفع ثلاثة دفاتر ( 30000 دولار) في مركز التسفير لكي لا تتحول التهمة الى 4 إرهاب ، هذا أقل واجب يقدموه لك فقبل أيام حصل ناشط مدني على حكم بثلاث سنوات سجن بعد تلكؤ هيئة النزاهة بحسم شكواه المتعلقة بالفساد لمجرد أنه قال أن هيئة النزاهة تطبخ القضية على نار هادئة

قبل أن ينظر الموظف / الموظفة في أوراق مراجعتك ينظر الى سحنتك و يتفحصها جيدا ، الى ملبسك و تسريحة شعرك لكي يكون فكرة عنك لا عن معاملتك و ما نوع العصير الذي يمكنه الحصول عليه إذا قام بضغطك في آلة صنع العصير فإذا يئس من ذلك أشعل – اذا كان موظفاً ذَكَراً – لفافة تبغ و نفث دخانها في وجهك و بدأ بالفلسفة .

لكل مصيبة جانب كوميدي ، الجانب الكوميدي هنا أن الموظف المتغطرس هذا لابد له من مراجعة دائرة أخرى سيحتاجها يوماً ما حينها سيفقد سلطة المكان التي اكتسبها و يصبح ” كقملة مفروكة ” بالتعبير القديم و سيضطر كلما مر على شبّاك من شبابيك السادة الموظفين أن يطلق عبارة صارت شائعة للدلالة على أنه هو أيضا موظف ( إذا احتجت لشيء في … نحن بالخدمة ) لكنه محض هراء لا ينفعه بشيء فباستثناء شرائح بعينها فإن القانون فوق الجميع . بإستثناء هذه الشرائح التي سأذكرها لاحقاً كل مراجع في نظره مزور ، متلاعب ، حيال ، كلاوجي لديه دالغة يريد أن يمررها عليه و الموظف هو الكائن الذي ساقتك الاقدار الى شُبّاكه أو شِباكه لكي يكتشف فعلتك . و كلما كانت اوراقك مرتبة بعناية و ملفك لا ينقصه شيء كلما زادت شكوكه في براعتك في التزوير . كلما كان ملفك كاملا كلما أتعبته اكثر في البحث عن ثغرة يدينك بها ، سيستهلك بسببك سيجارة كاملة تجعله يرمقك بعين الريبة و الحذر كلما قلب صفحة من صفحات معاملتك ، يرمقك و كلمة ( علينه ؟ ) تكاد تخرج من بين شفتيه . صاحب المعاملة هو المخول الوحيد بالمراجعة و أحيانا لا تنفع حتى الوكالة العامة المطلقة ، حذار أن تخبر الموظف أن صاحب العلاقة خارج العراق و أنت وكيله لأنك تستفزه بذلك إذ ليس من المعقول ان يتسكع الأفندي في ميدان تقسيم في تركيا ليطعم الحمام البرّي ويلتقط معه صور سيلفي بينما يتحمل الموظف المسكين المخاطر داخل العراق لينجز له معاملته أما اذا كنت انت الأصيل لا الوكيل فعليك إثبات ذلك ولا تستغرب اذا طلب منك الموظف احضار والديك ليقسما بالعباس أنهما هما اللذان خلّفاك ، الموظفة قد تكون أكثر رقة من الموظف فلا تطلب احضارهما لكنها ستكتفي ب (صحة صدور) صادرة من والديك
الشرائح غير المشمولة بهذه الشكوك و المنزهة من التزوير و المستثناة من غطرسة الموظف و تحظى بابتسامته المشرقة هي الضباط بأنواعهم و من يرتدون ملابس عسكرية خاصة الذين يحملون جهاز هوكي توكي ( لاسلكي ) مثبت على الزند على الطريقة الأمريكية يشرح لكل المراجعين و الموظفين و المستطرقين ببث مباشر و بأعلى صوت المنادي على الطرف الآخرالموقف الأمني في قاطع العمليات إضافة إلى آخر نكتة بذيئة وصلته من زملائه عبر الأثير ، ثم أقارب موظفي الدائرة و حمايات السادة المسؤولين ، الملتحون ، رجال دين ارتضوا لأنفسهم استغلال وقار مفترض لتجاوز صف الانتظار ، و أخيراً ذوي القبعات المرقطة و هم شريحة ظهرت مع تصاعد العمليات العسكرية ضد داعش ولم تنته بعد يرتدون ملابس مدنية ، بنطلون او دشداشة مع كاسكيت مرقطة تكفي للدلالة على انتمائهم لجماعة مسلحة ، أحياناً دشداشة بيضاء و عباءة سوداء و كاسكيت مرقطة و لا ندري قد يخترعون عمامة مرقطة أيضاً أو أنها موجودة فعلاً لمثل هذه مناسبات ، كلما كانت ملابسه متسخة أكثر كلما كان الدليل أكبر على أنه جاء بتراب المعركة و أن معاملته إن لم تنجز على الفور ليعود الى الجبهة فقد يصبح الوقت متاخرا لمنع داعش من احتلال الدائرة

السادة الموظفون الذين أعنيهم هنا ليسوا أولئك الذين ما زالت صورتهم عالقة بمخيلتنا منذ تأسيس الدولة العراقية ، فبرغم بعض مظاهر البيروقراطية هو في المظهر سيد بطقم ملابس رسمي وربطة عنق ووجه حليق يفرض احترامه على الجميع بصمت و في الجوهر هو ” موظف ” إرتبطت حياته كلها بما تعنيه له هذه الكلمة من مسؤولية يجاهد ليصبح أهلاً لها ، خطوطه الحمراء معاملات الناس التي امامه و تاج رأسه المراجع الذي يقصده دون أن يعرف من يكون . هؤلاء كان يمكن أن يكونوا خميرة تنقل خبرتها لمن يأتي بعدها لولا أن طبقة جديدة من الموظفين فُرضت ونشأت على هامش الإحتلال و تضخمت خلال أربع عشرة سنة لتنتج لنا هذا النموذج العجيب من الموظفين الذين نصادفهم في كل مكان من دوائر الدولة .

شارك
المقال السابقماهية النظام العالمي الجديد – ج1
المقال التالىصفقة القرن : البيئة والجذور – ج٤
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد