متسولين مع بعد الحداثة


 

ظاهرة التسول بعد ان كانت ظاهرة اصبحت عادة حيث تجمعات التسول والارتزاق السلبي على عواطف المواطن باتت مهنة للبعض فبغداد التي كانت تتوهج علما وسحرا وجمالا لما مرت به من عهود ذهبيه كونها قبلة الوافدين باتت اليوم وكرا للمتسولين فبدلا من أن ترى بكل اركانها مكتبات و منحوتات فنيه وزهورا ورياحين فأنك ستجد انسان هجر النظافة وارتدى اسوا الثياب واستغل عوقا بجسمه يفترش الارض ويلتحف بخرق باليه لكي يكسب المال ببساطه وبلا عناء ولكثرة اعدادهم لم يعد هناك تمييزا بين من اجبرهم العوز وبين من يجلس بسبب كسله وتهاونه واستسهاله لتلك المهنة حيث تتعدد أشكالها فتجد المتسولين على جنبات الطرقات فمنهم من يقوم بمسح زجاج السيارات أثناء التوقف على إشارات المرور وهم بعمر الزهور وبينما انت تجلس متأملا خلف نافذة سيارتك ما ان تبصر يدا ملائكية تمسد الزجاج وتحاول تنظيفه وسرعان ما يكمل يطرق النافذة مطالبا بالمال مع انك لم تطلب منه تنظيفها لكنه يفرض عليك ذلك ليرغمك بدفع المال فالأطفال المتسولين قنابل موقوتة مصنعة من انحراف وعنف واجرام يهدد المجتمع حيث تنحصر طموحاتهم بحدود التسول دوري ودورك نحمي هؤلاء الاطفال ونطالب بحقوقهم لانهم يكبرون بتجارة احلامهم مشاهد مؤلمة تصادفك فمنهم من يطرق ابواب المنازل وان لم يفتح صاحب المنزل طرقوه بقوة حتى يدخل الفزع لسكانه وربما يتعرض بعضهم للضرب من قبل بعض الاهالي جراء عملهم هذا ومنهم من يجلس في المناطق التي يدفن فيها الاولياء الصالحين لكونها تكون مكتظة بالناس حيث اثناء مروري بتلك المنطقة صادفني شاب بأبهى طلة يحمل طفلته على كتفه وترافقه زوجته الشابة التي كانت تمسك طفلتها بيدها والاربعة يمشون معا وكل ما يفعله الاب ان يعقد حاجبيه ليرتسم الحزن على ملامحه وينغم صوته بطريقة مأساوية لكي يستجدي عطفك ومالك بآن واحد في يومها قررت ان اسأله لأنه في كل مرة يمد يده ويكرر عبارته التقليدية (ساعديني على حب الحسين احنه مهجرين )فقلت له لم ارى بك عوقا يمنعك ان تمارس عملا ويجبرك ان تمتهن التسول وتهدر كرامة زوجتك وبناتك بالتسكع في الاسواق كنت اتوقع منه ردا قاسيا لكن الغريب بالموضوع انه لاذ بالصمت وغادر المكان مسرعا من غير ان يكلف نفسه حتى بأن يبرر لي, شكل صمته المطبق لغزا لم اجد له تفسير مما اثار دهشتي فقلت في نفسي لعل التسول هوايته التي تمنحه المال والفسحة بآن واحد وبلا عناء في كل يوم اقرر ان لا اشفق على متسول لكن قلبي العطوف لا يستجيب الى ان ذات يوم حدثتني احدى الزميلات عن جارتها التي تعرضت لنكبة بسبب المتسولين تلك المرأة تسكن مع زوجها وهما كبار السن حيث جاءتهم فقيرة تجلس كل يوم عند منصة المنزل تنام وتصحو مما اثار عطف صاحبة الدار فبدئت تقدم الطعام لها يوما بعد الاخر الى ان صارت تأمن لها فأدخلتها لدارها وقالت لها باليوم التالي سأخبر مركز الشرطة لكي ينظر بأمرك لعله يجد لك عمل ومأوى ذهبت تلك المرأة مع زوجها لمركز الشرطة وتركت المتسولة بالمنزل بعد ان اوصتها ان لا تفتح الباب لأي طارق واثناء عودتها فوجئت بمنزلها مليء بحشود من الناس وتتعالى الاصوات فيه بهت لونها وارتعبت فتساءلت هل اخطأت بالعنوان ام ان مكروه اصاب المتسولة المسكينة الى ان سمعت المتسولة تصرخ وتشير عليها بأصابعها هذه التي اختطفتني وكانت تأتي بشباب الحي لكي يعتدوا علي وتقوم بتعذيبي صعقت المرأة العجوز وهي تسمع كلام المتسولة لم تعرف كيف ترد تزايدت الاحداث سوءا وعلمت ان الشرطة متحالفة مع المتسولة وسرعان ما تحول الموضوع لقضية قبلية وطلب أقارب المتسولة منهم ان يتنازلا عن المنزل مقابل تنازلهم عن الدعوى لكن المراه وزوجها احتجا عل ذلك وبعد نزاعات قبلية تقرر ان يعطوا للمتسولة مبلغ عشرين مليونا( كفصل عشائري) ليحسم الامر وعلمت بعد ذلك المرأة العجوز ان المتسولة كانت تنضم لعصابة منظمة ومنذ ستة شهور وهم يخططون لذلك الموضوع ويتدارسون اوضاع سكان المنطقة الى ان اكتشفوا بأن تلك المراه تسمى بالعطوفة وسريعة الثقة بالأخرين ولم تكن تلك المراه وزوجها اول ضحاياها بل قبلها عشرات غيرها فالتسول من المواضيع الهامة التي تحتاج الى متابعة ومعالجة وتعد من المشاكل الاجتماعية التي تؤرق الحكومات وتسيء الى المجتمعات فالتسول ينتشر في البلدان المتخلفة التي تنام تحت لحاف الخرافة كل ذلك يولد الشك بداخلنا حول اسباب كثرة المتسولين وبالأخص بعد السقوط وفي بلد غني مثل العراق لكن ربما لو كانوا حاصلين على عيشهم المؤطر لما تعرضوا لاشعة الشمس الحارقة وبرد الشتاء القارص ولو كان هناك قانون وعقوبات لما حصل ذلك.
عندما سمعت تلك الحادثة راودني الشك بكل متسول بالشارع فقد يأتي ممزق الثياب سيء المنظر ,كأنه في سكرات الموت أحيانا ,ويطلب المال ,فنعطيه لحالته الرثة ,ونفكر بما للصدقة من اجر بالرغم انه لا علم لنا ان كان محتاجا للمال او لا ونحن لا نعلم دوافعه او من يكمن خلفه وهل ينتمي لجماعات ارهابية وبإمكانه ان يرتكب جرائم اثناء تواجده او ربما مفخخا وشهدنا الكثير من حالات تفخيخ المتسولين بعد تخديرهم وزجهم في الاماكن المزدحمة لقتل الابرياء بالإضافة الى منظرهم الغير حضاري للبلد
اليس هناك دائرة الرعاية الاجتماعية تتكفل بهؤلاء او جمعيات خيرية تفي بالغرض وهم المسؤولون أمام الله عن هذا ,وتمثل ظاهرة حضارية تواكب التطور. أو ان تقوم الدولة بفتح مشاريع تدعم بها الانتاج المحلي وتستثمر طاقات المتسولين وتفتح لهم ورش لتعلم المهن فتعلمهم الخياطة مثلا ثم بعد ذلك توظفه بالمعامل التي تقوم بفتحها لكن متى يتحقق ذلك وكل شيء في البلد اصبح رهين الوساطة وحكرا على من ينتمي للأحزاب فقط لذا اصبح التسول المهنة الوحيدة التي بلا واسطة.

لا تعليقات

اترك رد