سجين رأي


 

في احدى قصائده ، يقول الشاعر محمد الماغوط :” حلمت مرة بالربيع وحينما استيقظت ، وجدت فراشي مليئا بسلال الورد …حلمت مرة بالبحر وحينما استيقظت ، وجدته مليئا بالسمك ..ولكنني حلمت بالحرية واستيقظت ، وجدت نفسي مطوقا بالحراب “….

يبدو ان ماحصل معنا يشبه كثيرا ماورد في قصيدة الماغوط ، فنحن حلمنا بالحرية عقودا ، وعندما استيقظنا لم نجد منها سوى قشورها ..وجدنا منازلنا مليئة بوسائل التكنلوجيا الحديثة وتمكن اغلبنا من عبور حدود البلد وزيارة دول كان يحلم بزيارتها ، لكننا ، وحين حلمنا بالحرية الحقيقية استيقظنا لنجد من يحمل منا صفة ( سجين رأي ) لمجرد محاولته التعبير عن رأيه ..وتبين لنا بعد سنوات من الاحباطات المتكررة ان الحرية الوحيدة المضمونة في بلدي هي حرية المغادرة …

في هولندا ، تم افراغ السجون مؤخرا من نزلائها وتحويلها الى مأوى للاجئين بسبب انخفاض معدل الجرائم فيها ، لكن سجوننا التي يتكدس فيها الموقوفين لدرجة اصابتهم بالجرب تنادي :” هل من مزيد ؟” ، ويلبي لها المسؤولون النداء فيرسلون اليها نزلاء من نوع آخر ..لم يرتكبوا جرائم قتل أو سرقة ولم يتاجروا بالمخدرات أو يعيثوا الفساد في البلد بل يحاولون تصحيح المسارات الخاطئة بكشف الفاسدين في البلد ..ويبدو ان مثل هذه المحاولات غدت جريمة لاتغتفر ويمكن أن يحاسب عليها القانون العراقي الجديد ، فالحرية في السابق كانت كلمة يضمها شعار النظام الدكتاتوري ولم يتم تطبيقها في عهده ، وبعد سقوطه ، تحولت الى علكة يلوكها المسؤولون وتجار السياسة بشكل مزيف ،أما عندما يمارسها الناشطون واصحاب الرأي سواء في مجال الاعلام أو حقوق الانسان فسيجدون أنفسهم بين نزلاء السجون ..

النزيل الجديد في سجون الديمقراطية هو الناشط ( باسم خزعل خشان ) من محافظة المثنى الذي تم الحكم عليه بالسجن لأنه كتب في وسائل التواصل الاجتماعي عن فساد مجلس محافظته مشيرا الى تهاون هيئة النزاهة في محاسبة الفاسدين فما كان من قضاة محكمة محافظته الا ان أدانوه بتهمة الاساءة للمؤسسات الحكومية وانبرى مجلس محافظته الى تقديم تمييز لتشديد الحكم عليه وكأنه السبب فيما حل بالعراق من أزمات ومن الضروري انزال اقسى انواع العقوبة به لأنه استخدم الحرية في غير وقتها ومكانها وكان عليه أن يجد من يسند ظهره بدلا من مواجهة الفاسدين بفسادهم !..تقول الانباء ان مفوضية حقوق الانسان ارسلت لجنة لدراسة قضية خشان وهنالك بوادر لتحويلها الى قضية رأي عام وربما تدخل نطاق المزايدات ويستخدمها المرشحون كورقة انتخابية فهم معتادون على أن يلوكوا مفردة ( الحرية ) لكنهم لن يسمحوا لناشطين مدنيين أن ينتقدوا سلوكياتهم ويمكن ان يتعرضوا للاغتيال بسبب ذلك ..هي مهزلة واكذوبة اذن ولن نستيقظ يوما لنجدها وسنواصل النوم لنحلم بها فقط ..

المقال السابقمؤتمر الكويت .. الربح والخسارة
المقال التالىفخ عفرين – ج1
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد