من يسمع المناجاة الأخيرة


 

أيام الجامعة ما كنا نحس دائما بقيمة الأعمال الفكرية والأدبية التي كنا ندرسها…. لكن بكل تأكيد كانت أعمالا عظيمة الشأن… ربما كان أحد الأسباب في عدم تركيزنا هو أننا كنا نقرأها كمقرر دراسي وليس لأنها أعمالا عظيمة. ومن بين هذه الأعمال فاوست الشهير.

من هو فاوست؟

فاوست أسطورة ألمانية نشأت عندما أثبتها غوتة في مسرحيته الشهيرة ” فاوست”….وبعده كتبها أربعون مفكر كل وفق طريقته الخاصة .

كريستوفر مارلو الأديب الإنكليزي الرائع كتبها بأسلوبه: وهاكم المناجاة الأخيرة لفاوستوس قبل أن يقابل الشيطان.

القصة:

تقولُ الحكايةُ الألمانية الشعبية أن الدكتور “فاوست” تمنى لنفسهِ عمراً مديداً، وأن يقدرَ على ما لا يقدرُ عليه البشر.. فما كانَ منهُ إلا أن أبرمَ عقداً مع الشيطان، وكانَ هذا الشيطان يُدعي “مفيستوفيليس”. أما بنودُ العقد فتقضي بأن يحصلَ د. “فاوست” على سنواتٍ يضيفُها إلى عمره ويعيشُها كما يشاء، وأن يتمتعَ بقدراتٍ خارقةٍ، خاصةً أن “مفيستوفيليس ” سيكونُ رهنَ إشارتِهِ ويخدمُه طولَ سنواتِ حياته. وبالمقابل، وعندما يحينُ موعد وفاتِه عليهِ أن يُسلِّمَ روحهُ إلى الشيطان!

وتذكرُ المسرحيةُ الشهيرةُ “فاوست“، الألمانيةُ الأصل بقلمِ “غوته”، كما تذكرُ نسختُها الإنكليزية “د.فاوستوس” بقلم “كرستوفر مارلو”، أنَّ الاتفاق تم وكتب بالدم ، وأصبحَ العقدُ قيدَ التنفيذ.. فصارَ “فاوست” يسافرُ عبرَ الزمن ومن بلدٍ إلى بلد حيثما يشاء، وكأنهُ على بساطِ الريح في ألف ليلة وليلة . واستمتعَ بمغامراتٍ مسليةٍ وثرية. ولم يبخلْ عليه “مفيستوفيليس” بإعطائِهِ ما يشاء أو يتقاعس عن تنفيذِ أيَّةِ رغبةٍ من رغباتِه. وعاشَ طويلاً على هذه الحال إلى أن حانَ الموعد. وأطلَّ شبحُ “مفيستوفيليس”، ولكن هذه المرَّة ليسَ ليُعطي، بل ليأخذ. وحانَ موعدُ وفاةِ “فاوست” ويا لها من حسرةٍ وندامة. “وما ينفعُ الندمُ الآن وقد انقضى العمر ومرَّ كلمحِ البصر، فلا كانتِ الدنيا تستحق، ولا كسبتُ الآخرة”.

كثيرون ينشدون السلطة والقوة والمال والجاه ولكنهم نادرا ما يفكرون في النهايات المحزنة بدءا من جلجامش مرورا بسيزيف وانتهاء بالسياسيين في كثير من الدول.

كانَ هذا آخرَ ما تردَّدَ في قلبِ ” فاوستوس” قبلَ أن يُسلِّمَ روحهُ إلى الشيطان وربما كانت هذه السطور أجمل ما خطته يد بشر في أدب المناجاة والتوبة .

مناجاة فاوستوس الأخيرة

أه .يا فاوست لم يبق لك إلا ساعة واحدة تحياها. وبعدها ستصير ملعونا إلى أبد الآبدين. أيتها النجوم والكواكب!

في السماء تدورين في حركة لا تتوقف أبدا. توقفي لحظة كي يتوقف الزمن.

كي لا تنقضي دقيقة. ويا عين الطبيعة والكون.

انهضي وعودي للوراء. لتكن هذه الساعة…سنة…شهرا. أسبوعا…يوما طبيعيا أعيشه.

فقد يقوى فاوستوس على التوبةوينقذ روحه. إلا أن النجوم والكواكب تدور.

والزمن يفر. والساعة الرهيبة توشك أن تدق.

ويستعد الشيطان للحضور.

أما فاوستوس فهو ملعون حتى نهاية العصور. أه لو كان بإمكاني أن أثب نحو ربي.

ترى من يحتجزني ويشدني للوراء. أمعنوا النظر. إن دم المسيح يهرق في السماء. يهرق قطرة قطرة. نصف قطرة .نصف قطرة.أيسوعي! يسوعي الذي أنقذت روحي.

أه .لا تمزق قلبي.

لأنني توسلت يسوعي. وأنا أنوي الابتهال إليه.

أيا لوسيفر.! اعفُ عني. أين تراه هذا الدم. ذهب. هاهو الله يلعنني. مقطبا جبينه الغضوب.

أيتها الجبال. أيتها الربى. بادري إلى سحقي…… ولفيني بغضب الرب الثقيل….. كلا…. كلا…. سأمضي وألقي نفسي في الأرض… أيتها الأرض انفتحي…. بيد أنك ترفضيني… أيتها الكواكب ! التي تحكمين نهاري يوم منذ ولدت… يامن رسمت موتي وجحيمي….. استميليه لي كمزقة من غمام… خبئيه في حضن هذه الغيمة المسرعة….

وحين تتقيئيني في الرياح على هذا النحو…. ستنفذ أعضائي المحطمة من بين شدقيك الضبابيتين…. وتقوى روحي في نهاية المطاف….. على العروج للسماء…..

هو الطموح من يدفعنا ويحركنا نحو الأمام . هو الطموح من يعمينا عن رؤية الغد. هو الطموح الذي يحرك المجتمعات نحو السمو والهاوية على حد سواء. فمن يعتبر؟

المقال السابقما بين الفقير والوزير
المقال التالىحلم أول
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط. كا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد