ماهية النظام العالمي الجديد – ج1


 

خلال العقد الأخير من القرن العشرين، راحت تتردد عبر وسائل الإعلام جملة جديدة تشير إلى ولادة مبدأ عالمي جديد بعث في النفوس آمالاً لطيفة أطلق عليه اسم (النظام العالمي الجديد)، إلا أنه ومن خلال ما شوهد من كيفية تطبيق بعض مبادئه ووسائلها، وجدنا اختلافًا كبيراً بينه وبين ما يدعو له هذا المقال، بل بدت وكأنها مجرد محاولات سياسية متذبذبة غير ناضجة لم تتبلور بشكلها الصحيح، سمتها الواضحة المصالح الفردية والدولية والقوة الغاشمة، مما أدى إلى تشويه الفكرة واتخاذ بعض الشعوب جانب الحذر منها، إذ بدا معناها للوهلة الأولى سيطرة دولة على أخرى أو سيطرة مجموعة دول على غيرها أو تسلط الدول الغنية على الفقيرة. اذن، كان لابد من توضيح مفهوم هذه الفكرة الجديدة قدر المستطاع، حيث يتوقع لها احتلال مكان الصدارة بين الفلسفات العالمية والدساتير والنظم الدولية في المستقبل القريب، وان قدر لها التطبيق بشكل سليم، فستقود البشرية الى مرحلة عالمية جديدة قد تكون أسمى ما توصل إليه العقل البشري على مر عصوره. أولا، يجب ان لا يفهم من عبارة (النظام العالمي الجديد) سيطرة دولة على أخرى أو الاعتداء على حقوقها أو احتلالها أو تغيير نظامها، ولا سيطرة قارة على قارة ولا مجموعة من الدول على غيرها، ولا سيطرة الدول الغنية على الفقيرة، ولا الشمالية على الجنوبية، لا اقتصاديا ولا اجتماعيا ولا فكريا، ناهيك عنه عسكريا. فهذه المفاهيم مرفوضة رفضاً باتاً، ولم يكن ولن يكون مفهوم النظام العالمي الجديد لهذا المقال أو من ضمن مقترحاته.

فما ندعو له هو نظام اجتماعي سلمي عالمي كامل لحقوق الإنسان ونظام تام للقانون الدولي، يرتكز على تنظيم القوانين المحلية والوطنية وأنظمة الشعوب والحكومات وغيرها من الأنظمة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دقة وحرفية، فهو يعتني ويكفل بالدرجة الأولى حرية المواطنين في كل قطر من أقطار العالم ويضع هذه الحرية المنظمة المدروسة فوق كل اعتبار في حدود القانون المحلي والدولي. ولأجل ان لا يغلو ولا يَسْتَغِلَ المواطن هذه الحرية الفردية ولا يتعسف في استعمال حقه الشخصي ويتخذهما سلاحاً يحارب بهما مجتمعه ونظام دولته والنظام العالمي الجديد، وحتى يبقى تحت سلطة النظام والقانون وتصان حقوقه ويمتثل لواجباته، عليه وقبل كل شيء الخضوع والمشاركة شخصياً في تكوين وتأسيس هذا النظام العالمي من خلال المشاركة المباشرة في التصويت واختيار مواد قانونه، ليكون ملزماً بالتقيد والانقياد إليه باعتباره أحد المشاركين في وضع دستوره، وحتى يعرف المواطنين حقهم الطبيعي في مجتمعاتهم ليذودوا عنها إذا ما تعرضت لنوع من أنواع الغبن أو التهاون، وليخلقوا مجتمعات متفتحة الأذهان ويشاركوا في تقرير أمورهم المصيرية بشكل مباشر، فالدستور يكفل لهم الحق في التعبير عن رأيهم بكل صراحة ووضوح. بل ان هذا النظام العالمي يلزم بقية شعوب العالم على تقديم آرائها واقتراحاتها ومساعداتها للشعوب الأخرى وتوضيح حقوقها وواجباتها بعيداً عن مبدأ السيادة الوطنية الذي تتحصن خلفه مجموعة كبيرة من الحكومات، باعتبارهم أعضاء جسد الإنسانية الواحد، حتى تتعاضد شعوب العالم بأجمعها وتسهم في النهوض والتقدم كمجتمع بشري متجانس يسكن هذه الكرة الأرضية الصغيرة.

ومن خلال هذه المشاركة في النصيحة والمشورة وإبداء الرأي والمساعدة بين شعوب العالم يصعب على الذئاب البشرية الكاسرة المتعطشة للظلم والدماء والحروب، التفرّد بمجتمع دون غيره والتهام وطنه وثرواته وشعبه، إذ لا مجال للتخفي والتحصّن وراء مبادئ استغلت أسوأ استغلال في السيطرة على الشعوب لقرون عديدة على مر التاريخ مثل “سيادة سلطة الدولة” أو “سيادة الحكومة” دون رقابة حكومة محلية أو سلطة دولية، فكم من شعب عانى من الظلم والبلايا والويلات من جراء تطبيق هذه الشعارات بشكل خاطئ، ومنعت عنه المساعدات بسبب درع السيادة الوطنية الزائف، وحاجز الحق الوطني، والاستقلال الوطني، ووطنية الحكومة، والثورة الحرة، بينما وقفت بقية دول العالم تنظر إليه من خلال نافذة المصالح، وتمتنع عن إبداء رأيها أو تقديم المساعدة لتصحيح ما يجري داخل حدوده. ان سرعة تطور الفكر الإنساني كفيل بتغيير الكثير من القوانين القديمة نحو الأفضل، ويوضح بشكل لا لبس فيه، التغير التدريجي الحازم في الأفكار الإنسانية وخروجها من حدود الأوطان ومحاور القومية نحو العالمية، بدليل زيادة انتشار فكرة حقوق الإنسان، وحرية المجتمعات، وحرية الفكر، وحرية الصحافة، وحرية المرأة، وضرورة رعاية الطفل، والحفاظ على البيئة، وحسن الجوار، والسلام العالمي، ونبذ العنف والحروب والإرهاب، والمساعدات الدولية، والاقتصاد العالمي، وشركات متعددة الجنسية والمنظمات الإنسانية العالمية وغير ذلك من الأفكار والمؤسسات التي ظهرت على البشرية بمنظار عالمي جديد لتؤكد هذا التقدم في أحوال المجتمعات. وعندما يتمكن المواطن – أي مواطن في أي دولة من دول العالم – من إمساك زمام أموره بيده ويدرك إمكانية مشاركته في تقرير مصيره من خلال حرية الفكر والتعبير والانتخاب التي يتمتع بها وينفذها القانون ويضمنها له الدستور، عندها فقط يحصل التغيير والتطور نحو الأفضل في أفكار الناس، ومن خلال هذه التربية الصحيحة يبتعد المواطن عن الجهل والعمى والظلام ويدخل آفاق العلم والرؤية والنور. ان النظام العالمي الجديد، لا يتعلق بمصير فرد أو أسرة أو قرية أو شعب من الشعوب، انه بحق مصير كل الإنسانية، انه نتاج تفكير وتجارب فلاسفة جميع شعوب الأرض وخلاصة معاناتهم، بعدما أدركت جميع حكومات العالم ان مشاكل مواطنيها لا تحل وطنياً وداخل حدود بلدانهم وعبر بعض الوطنيين وقليل من الشعارات.

فبعدما امتزج العالم اليوم حكومات وأوطان وشعوباً وأفراد، أصبحنا نعيش في قرية صغيرة واحدة، ووجد الفلاسفة والعلماء والسياسيين أنفسهم مجبرين على التوجه الى حل مشكلات دول العالم بشكل مترابط، وأيقنوا ان الحل لابد وان يكون جماعيا. من هذا المنطلق ظهرت فكرة (النظام العالمي الجديد). لذا نود الدخول في تفصيل بسيط يلقي بعض من (قبسات) النور على آراء واقتراحات بنود واتفاقات وقوانين هذا النظام، وهي ليست ملزمة في شكلها المعروض، بل تخضع لتفصيلات وتقنينات وتبويبات دقيقة حساسة يتناولها في وقتها رجال الاختصاص والخبراء وعلماء العالم كلٌ حسب اختصاصه. ولتحقيق هذا النظام العالمي وإيجاده على ارض الواقع، وجب التفكير بطريقة جديدة مختلفة تماما عما ألفيناها وتعودنا عليه سابقاً، فإن لم نوجده اليوم ونتحرك لتحقيقه، فلابد ان يتقدم أحفادنا لتحقيقه غداً، فالضرورة التاريخية وحتمية التطور الإنساني تقضي بذلك. ولتسهيل الأمر عليهم ورحمة بهم وبمستقبلهم، علينا المبادرة والتفكير بشكل سليم وتقديم الأفكار والاقتراحات التي تساعد على تحقيق رفاهية جميع البشر على الأرض، والمحاولة الجادة في تحدي الصعاب. فكم من فكرة أو اختراع اعتبر ضرباً من الخيال أو الجنون قبل اختراعه وتحقيقه، لكنه تحقق وأصبح حقيقة مشهودة بفضل جهود وعطاء أولئك الجبابرة الأفذاذ الذين ضحوا بسني أعمارهم بل وحتى بحياتهم في سبيل تحقيق ما نتمتع به اليوم من علم ومعرفة واختراعات وأدوية ووسائل راحة وخدمات.

أما إذا رفع علينا البعض اصبعه واتهمنا بالمثالية أو الجنون، فحسبنا ان هذه الألقاب والصفات قد وصم بها رسل الله وأنبياؤه من قبل مع كل رفعة شأنهم ومقاماتهم العالية. من المتوقع – إن ترجمت هذه الأفكار والمقترحات العالمية الى نظم وقوانين – فستؤدي الى تغيرات إيجابية جذرية في حياة الشعوب وحكوماتهم، وستختفي جملة ممارسات خاطئة وخطيرة أو تنحسر الى أدنى أشكالها، منها على سبيل المثال لا الحصر:- هذا الكم الهائل من السجون العامة والخاصة ومعسكرات الاعتقال، وأعداد الجيوش وترساناتها النووية والتقليدية، والشرطة والأمن والمخابرات والاستخبارات، وكذلك تهم الخيانة والتآمر على كل مخالف لآراء وأفكار الحكومات (الوطنية)، ولصق أقذر التهم بأشرف العوائل وأعرقها نسباً، وعمليات التنصت على المكالمات الهاتفية ومراقبة صناديق البريد والرسائل، وتمثيل المسؤولين دور المرشد الشريف والراعي الصالح للمواطنين، وتوريط المواطنين في عمليات التجسس، وممارسات التعذيب والقتل على الهوية والمذهب والدين والفكر، وهتك أعراض الناس وناموسهم، والكف عن مطاردتهم وتهديدهم وابتزازهم وتصفيتهم، ومظاهر الخوف والرهبة والعقد النفسية تجاه المسؤولين وأفراد السلطة والحكومة، وغير ذلك من الأمور التي تحد من حرية الأفراد والمواطنين والشعب بصورة عامة. ان كل هذه التصرفات والممارسات، وما خفي كان أعظم، يمكن إزالتها والاستعاضة عنها بالقوانين العالمية العادلة الجديدة.

لأن التقدم والتمدن قادم لا محالة وسيوصل البشرية الى أعلى وأفضل المستويات الاجتماعية قريباً. كما سيساعد انتشار هذه المبادئ على:- نشر الطمأنينة بين الناس، وتسهيل معاملات سفرهم وإعطاءهم حرية التنقل وتغيير محل سكناهم، والتمتع بحرية التعبير والكتابة والخطابة، وممارسة دور النشر والمطابع أعمالها بحرية في نشر المؤلفات والكتب والمجلات والصحف والدراسات دون رقيب أو حسيب، وترك المواطن وشأنه في اختيار ثقافته وقراءاته، وإبداء رأيه والرأي المضاد، والشعور بالحرية والأمان، وحرية التجمع وتشكيل الجمعيات والأحزاب والمنظمات، واستقبال قنوات البث الفضائية والإذاعات المختلفة، ومساهمة الأحزاب في تشكيل الحكومات العادلة، وفتح أبواب السجون للتحقيقات الحرة لمفتشي حقوق الإنسان الدولية ومندوبي الأمم المتحدة والحكومة العالمية، وبالتالي توفير فرص العمل الشريف وتوفير مقاعد الدراسة للاطفال وتعميم الصحة للجميع. فلندخل معاً في موضوع النظام العالمي الجديد ونناقشه، ومن يجد في نفسه القدرة على تحسينه بإنقاص أو زيادة أو تحوير بعض نقاطه أو بنوده، فهذا أمر تترك مناقشته لجميع ذوي الاختصاص. ولنعمل مثل هيكل واحد وعصبة واحدة لتخليص الإنسانية من مصائبها العالمية والكوارث المستقبلية التي يرى كل عاقل شريف إنها تركض إليها ركضاً. من الجدير بالذكر التنبيه على نقطة مهمة أساسية في هذا النظام العالمي الجديد، حيث تعتبر حجر الأساس بين بنوده، ألا وهي: أنه يعتمد اعتمادا كبيرا على تحلي الإنسان بالصفات الإلهية الرحمانية والإنسانية التي طالما نادى بها رسل الله وأنبياءه، مثل: مخافة الله والرحمة والمحبة والعطف والتسامح والصدق وصفاء النية ونكران الذات والعدل والإنصاف والأمانة وحب الخير لجميع البشر بمختلف أجناسهم وشعوبهم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إبعاد هذه المبادئ الأساسية عن مطلبنا الرئيسي. فبدونها لا يمكن تطبيق هذا النظام وإيجاده على أرض الواقع، فالمحبة بين الناس والتعاون وحب الخير هي أساس هذا النظام وجزء لا يتجزأ منه، فإن لم توضع هذه الفضائل الإنسانية كأول حجر في زاوية بناءه، وتفرض كمناهج دراسية في صفوف التلاميذ منذ نعومة أظفارهم، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تشييد هذا النظام، وستلقى أي محاولة لإيجاده، نفس النتائج الفاشلة التي أصابت بقية النظم السابقة، وستأتي الأجيال القادمة لتحققه بالمحبة والاحترام لا محالة.

لا تعليقات

اترك رد