المعركة على مستقبل سوريا


 

تعتبر روسيا التواجد الأمريكي على الأراضي السورية غير قانوني وهو ليس لقتال داعش وإنما للاستيلاء والسيطرة على الأصول الاقتصادية خصوصا آبار النفط التي تم تحريرها من داعش ويريد النظام السوري استرجاع تلك الآبار.

لذلك تختبر روسيا الولايات المتحدة عبر استهداف القوات الأمريكية بواسطة قوات النظام السوري رغم أن روسيا تنفي أي تنسيق بينها وبين قوات النظام، لكن كانت لهم القوات الأمريكية بالمرصاد وقتل في تلك الغارات نحو مائة قتيل على الأقل في دير الزور ليلة الخميس 7/2/2018.

وغيرت روسيا لهجتها على لسان الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بعد تلك الضربة بأن التواجد الأمريكي في سوريا تحد للعملية السلمية وللحفاظ على وحدة البلاد متهمة واشنطن بمساعدة مسلحي داعش على الهروب من القوات السورية، واعتبرت أن المنطقة الآمنة التي أنشأتها الولايات المتحدة في سوريا تساعد مسلحي تنظيم داعش على الهروب والاختباء في تلك المناطق وإعادة التجمع هناك والتسلح للقيام بهجمات جديدة في البادية السورية.

يأتي التصعيد في دير الزور برغم خط فض اشتباك الذي أنشأته الولايات المتحدة وروسيا ويمتد على طول نهر الفرات من محافظة الرقة باتجاه دير الزور المحاذية لضمان عدم حدوث أي مواجهات بين الطرفين، وكان كل من الطرفين والأطراف التابعة لهما يخوضان هجومين منفصلين واسعين ضد داعش.

اعتبرت الولايات المتحدة أن الهجوم ضد مركز معروف لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن غير مبرر وأن ما قامت به واشنطن دفاعا عن النفس وردا لعمل عدواني بعد مشاركة نحو 500 عنصر من القوات الموالية للنظام السوري لم يتم تحديد هويتها قد تكون من العراق أو لبنان أو إيران، لكن كان لهم اتصال مباشر مع نظرائهم الروس قبل وبعد الهجوم الذي تم صده، أي تود أمريكا أن تكون قائدة السلام الوحيد في العالم ولكن دون أي نفقات أو تكلفة.

لم تعد سوريا صراع جيوستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا بل تحولت سوريا إلى صندوق بريد للأطراف الإقليمية أيضا، وصراع مصالح بين روسيا وإيران،

وتناقضات بين الدول الضامنة الثلاث، أي حسابات الكبار تربك اصطفافات الصغار ومحاصصة الضامنين للدستور السوري.

رسم التقارب التركي الروسي بعد الأزمة الدبلوماسية في 2015 ملامح تقارب محتمل بين أنقرة ودمشق وإن لم يكن بشكل معلن وصريح، خففت أنقرة من هجومها الحاد على النظام السوري حفاظا على مصالحها مع موسكو الداعم الرئيسي للنظام السوري.

في المقابل يقسم أردوغان أن بأن تكون عملية غصن الزيتون في عفرين ويتعهد بحل مشكلة عفرين وإدلب من أجل عودة اللاجئين إلى ديارهم حيث يوجد على الأراضي التركية 3.5 مليون لاجئ، خصوصا وأن لتركيا حدود مع سوريا حدود طولها 911 ألف كلم، ويذكر أردوغان بان درع الفرات التي أنشأتها تركيا عام 2016 قضت على 3 آلاف عنصر من داعش على منطقة مساحتها 2000 كلم مربع وساهمنا في عودة 135 ألفا من اللاجئين إليها.

وانتقد أردوغان الدعم الأمريكي لأكراد سوريا، مضيفا أنه أبلغ الرئيس الأمريكي ترمب بأنه لا يمكن القضاء على تنظيم إرهابي من خلال تنظيم إرهابي آخر في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري.

وتنوي الدول الضامنة على عقد النسخة الثانية من سوتشي تعقد في اسطنبول حول سوريا بعد قمة سوتشي التي عقدت في نوفمبر 2017 من دون التوصل إلى نتيجة ملموسة، ورغم أن تركيا وروسيا تدعمان معسكرين مختلفين في سوريا، إلا أنهما كثفتا التنسيق في الأشهر الأخيرة حول هذا الملف.

اتفقا بوتين وأردوغان على تسريع تثبيت مواقع مراقبة جديدة في محافظة إدلب في شمال شرق سوريا في إطار منطقة خفض التوتر التي تهدف إلى تخفيف حدة المواجهات، خصوصا بعدما بدأت أنقرة إلى إنشاء مواقع مراقبة جديدة في إدلب في وقت تشن قوات النظام السوري المدعومة من موسكو عملية واسعة منذ أواخر ديسمبر 2017 في محافظة إدلب، إلى جانب حاول أردوغان البحث مع بوتين حول الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية التي تحاصرها قوات النظام بشكل محكم منذ العام 2013 ولا يزال القتل مستمر فيها نتيجة قصف النظام.

خسارة الروس في سوتشي نفذت قوات النظام السوري 93 غارة على ريف إدلب فيما يتولى حزب الله بقصف الغوطة الشرقية حيث يحاصر نحو أربعمائة ألف سوري أي أن

إيران التي تدعم النظام هي التي تسيطر على الأرض نتيجة خسارة الروس في سوتشي من أجل الضغط على المعارضة من أجل القبول بالاتفاق وهذا ما يحدث عادة في الحروب، لكنه يجرد روسيا من التحكم في الموقف نتيجة الصراع بين واشنطن وروسيا حول سوريا لأن استمرار القصف هو فشل لسوتشي وهو ما حصل ولن ترضى المعارضة فرض الواقع الحالي لأن السلام يعني خسارة إيران مصالحها في سوريا وما حققوه من انتصارات في السنوات الثلاث الماضية.

فشل سوتشي الذي عقد في 30 يناير 2018 ستوسع دائرة النزاع أكبر ولن يكون في صالح روسيا وتركيا قد تستفيد منه الولايات المتحدة وإيران، لذلك تحرص تركيا على تمتين علاقتها بروسيا ومحاولة التهدئة مع واشنطن وكسب روحاني خصوصا لدعم مواقفه المناهضة للحرس الثوري بعد الاحتجاجات الشعبية.

تود تركيا من روسيا أن تضغط على إيران والنظام السوري وفرض اتفاق سلام خصوصا وأن دي مستورا الذي يحاول جلب مخرجات سوتشي إلى جنيف من أجل وصفة الخروج من الحرب الأهلية التي يرفض البعض تسميتها بذلك فيما يسميها البعض الآخر صراع بين الشعب السوري والنظام، ويعتبر النظام بعد عجزه عن مواجهة الشعب السوري أن يتقاتل بعضه أو تحدث انشاقاقات بين الشعب السوري.

لكنه وجد العكس عندها اتجه إلى محاولة تشتيت جهود المعارضة ما بين منصة الرياض ومنصة القاهرة ومنصة موسكو ومنصة أنقرة، لكنها جميعا تتفق على صيغة واحدة وهي وحدة سوريا والمطالبة بمرحلة انتقالية، لكن النظام أتى بمليشيات شيعية من العراق ومن لبنان ومن مناطق أخرى من آسيا لتبديد أي اتفاق وفرض أمر واقع على الأرض بعد جولات ثمانية جرت من مفاوضات جنيف اصطدم النقاش بالخلاف حول مصير الرئيس بشار الأسد وهو بند اشترط الوفد الحكومي في الجولة الأخيرة سحبه من التداول لتحقيق تقدم في المفاوضات حيث تطالب الأمم المتحدة طرفي النزاع بعدم فرض أي شروط مسبقة لضمان إحراز تقدم فعلي، لكن لم تثمر الجهود الدولية حتى الآن في تحقيق أي تقدم على طريق الحل السياسي للنزاع السوري الذي أدى إلى مقتل أكثر من 340 ألف سوري حتى الآن.

في نفس الوقت تحاول روسيا احتواء الخلاف الإيراني – التركي بسبب العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، زار وزير الخارجية التركي مولود جاويش طهران لإزالة الغضب الإيراني بعد اشتباك قواتها مع قوات إيرانية الموجودة في مناطق

سيطرة النظام السوري بالقرب من عفرين وإدلب ما دفع طهران مطالبة أنقرة بوقف عملية غصن الزيتون.

الوجود الإيراني في سوريا خصوصا في البادية السورية استطاعت إيران تحويل قاعدة تدمر إلى قاعدة إيرانية منذ 2012 قبل أن تسيطر عليها داعش وهي نقطة بين طهران إلى ساحل البحر المتوسط خصوصا وهي قريبة من الحدود العراقية، وروسيا لا تمن على إيران كما تمن على النظام السوري، لذلك تتولى إسرائيل مهمة استهداف القواعد الإيرانية في سوريا ومنذ 2013 تلقت منطقة جمرايا الواقعة في غرب مدينة دمشق قرب الحدود اللبنانية والتي تتضمن مركزا للبحوث العلمية أنشأ منذ الثمانينات من القرن الماضي الذي تعرض لأربعة ضربات.

أعلنت دمشق تصدي أنظمة دفاعها الجوي لضربات إسرائيلية في ريف دمشق هي الثانية من نوعها في 10/2/2018 بعد استهداف 12 موقعا إيرانيا وسوريا واعتراض طائرة إيرانية بلا طيار وإسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية حيث سقطت طائرة الأف16 في إسرائيل شرق مدينة حيفا في شمال إسرائيل، فيما كان الجيش يشن هجمات على أهداف إيرانية.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي ادرعي صرح أن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية رصدت إطلاق طائرة دون طيار إيرانية من مطار تيفور في منطقة تدمر في سوريا باتجاه إسرائيل وأن مروحية أباتشي أسقطتها داخل إسرائيل.

سقوط الطائرة الإسرائيلية بعد توجيه 25 صاروخا أطلق نحو أربعة طائرات إسرائيلية مقاتلة وهي صواريخ روسية وبهذه الكثافة لا تتم من دون إذن روسيا وقد تكون تلك الضربة انتقاما من الضربة الأمريكية لقوات النظام السوري في دير الزور، وهي الأولى منذ سقوط طائرة إسرائيلية منذ عام 1984 على لبنان، لكن هذه الضربات الإسرائيلية تثبت بأن إسرائيل لديها بنك أهداف مسبقة لا تقوم هي بحرب شاملة بل تستهدف بعض الأهداف وإرسال رسائل عدة بأن إيران لن تبقى في سوريا.

التنسيق بين روسيا وإسرائيل بعدم استهداف الطائرات الإسرائيلية في منطقة محددة لكنها ذهبت هذه المرة أبعد من ذلك إلى 250 كلم وهي تثبت بأنه لا توجد اتفاقيات تقوض نفوذها في سوريا.

الواضح أن المعركة تدور على مستقبل سوريا أطراف كثيرة تباشر صياغة أدوارها، لذلك هناك تجاذبات عنيفة ومرحلة عض الأصابع من أجل صياغة وضع سياسي مستقبلي يقترب من مصلحة طرف دون الأطراف الأخرى المتصارعة في سوريا، وهو يقوض التهدئة التي تقودها روسيا في سوريا، لكن تلويح إسرائيل بتلك الضربات هو أخطر مرحلة تمر بها إسرائيل منذ الأزمة في سوريا وهو لجم النفوذ الإيراني في سوريا التي تكسر موازين القوى وإرسال رسائل ليس فقط لإيران بل للدول الكبرى روسيا وأمريكا والدول الغربية بأن إسرائيل لن تقبل بتمدد النفوذ الإيراني الذي يهدد نفوذها في المنطقة بعدما تحاشت إسرائيل من التورط في المستنقع السوري منذ ثورة الشعب السوري عام 2011 عدا قيامها ببعض الضربات التي كانت تستهدف أرتال عسكرية متجه لحزب الله.

الغارات الإسرائيلية استهدفت ريف حمص الشرقي حيث توجد قواعد عسكرية عدة، بعضها تابع للقوات الروسية وبعضها الآخر تابع للقوات الإيرانية، وتلك الغارات على قواعد إيرانية تخدم حتى المصالح الروسية قبل أن تكون تخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية في سوريا والمنطقة، وتلك الغارات جزء من خطة أميركية لإدارة شرق الفرات من أجل تقليص نفوذ إيران وضغط على روسيا.

طالب السفير الإسرائيلي لدى روسيا هاري كورين بالتدخل لمنع التصعيد مع سوريا، والضغط من أجل خروج المقاتلين الشيعة التابعين لإيران وقوات حزب الله من سوريا خصوصا من منطقة خفض التصعيد من جنوب سوريا، وأوضح السفير الإسرائيلي أن جميع التحذيرات الإسرائيلية ضد التموضع الإيراني في سوريا قد تحققت الذي لم توليه روسيا اهتماما، وسبق أن طلب رئيس الوزراء نتياهو من الرئيس الروسي بوتين في سلسلة لقاءات واتصالات هاتفية العمل على ما أسماه التموضع الإيراني في سوريا، وأن إيران والنظام السوري يلعبان بالنار لحشد مؤيدين.

حيث يتوقع أن يعين ترمب مبعوثا له مسؤولا عن إدارة الملف السوري والتفاوض بناء على ورقتي شرق الفرات وجنوب غربي سوريا مع موسكو للوصول إلى تسوية سياسية وتنفيذ القرار 2254 عبر مفاوضات جنيف وإبقاء الوضع الراهن وتقاسم النفوذ، بحيث تشجع واشنطن حلفاءها لإعمار وتطوير شرق سوريا مقابل تعزيز إجراءات العقوبات على دمشق وضغط واشنطن على مناطق سيطرة النظام وروسيا وإيران لفرض شرط بأنه لا مساهمة بالإعمار قبل الانتقال السياسي.

لا تعليقات

اترك رد