انسجام العقل العلمي وتناقضه مع سمتي الإيجاب والسلب

 

مقتبس: “إنَّ اشتغال العقل العلمي يحتِّمُ، لتلبية آليته، سمة الإيجاب في الشخصية فردياً \ جمعياً.. وهو يتناقض أو لا ينسجم وطابع السلب في الأداء؛ ما يعني أنَّ الحكم على اتصاف مجتمع أو وجودٍ إنساني بمنطق العقل العلمي يتأسس على إيجاب الأداء وانحسار نسبة السلب فيه…”.

بات من المعتاد في إطلالاتي وضع التعريفات والتوصيفات تأسيساً للمعالجة وإطلاقا لأضوائها أو تنويراً في بيئتها المستهدفة. وإذا كان بعضهم قد تمَّ إرعابه وإرهابه من الاقتراب من المعجم، فإن آخرين قد وقعوا أسرى التأويلات التي تصطنع معاجم مفصَّلة على مقاس التفسيرات التي تخدم القوى المسيطرة، في مجتمعات استغلالية، منقسمة على أطراف متناحرة، مصطرعة؛ مثلما على سبيل المثال: يورد معجمٌ عتيق تعريفاً للصعاليك، لا على أنهم مجموعة كافحت الاستغلال وانتفضت على الرق والعبودية وإنما بتوصيفهم على أنهم المخلوعون لسوء أخلاقهم من (مجتمع) القبيلة… وبين المعنيين تناقض، لا يخفى على حصيف، يشي بمن يقدم كل صياغة وقراءة؛ ولماذا؟ أو ماذا يبيّت فيها…

وبحثنا في التعريف لكل ما مررنا به في إطار موضوعة العقل العلمي ومنهجه ومنطقه، يظل باستمرار بحاجة لومضات تنويرية تتناسب وحجم الرد على خطابات التضليل والسلب والسلبية في حيواتنا…

ولأن مجتمعنا الإنساني مازال منقسماً على أداء و\أو فعلٍ يتسم بالإيجاب مرة وبالسلب في أخرى؛ مثلما ينقسم ويوصف قيمياً أيضاً، بالإيجابية والسلبية؛ بسبب ذلك، لابد لنا في ضوئه أن نحدد بسلامة ما يُلزِمنا به منطق العقل العلمي ويحتِّمُهُ منهج اشتغاله من اتجاه للفعل [بين الإيجاب والسلب] من جهة ومن خصال قيمية سلوكية له، وهو الأمر الذي يبقى بحاجة لتسليط الضوء لمساعدتنا على الخروج من أسر السلب والسلبية، التي يحاول بعضهم نشرها حتى تتفشى كوباء، يتعطل به اشتغال العقل كلياً…

إن طابع الفعل الذي يتسم به المرء يقع بين اتجاهين أما يكون إيجاباً بمعنى الحراك وممارسة العمل أو سلباً بمعنى التعطل والتبلد حيث الحمول والركود. ولا يتفق العقل العلمي معهما كليهما في ذات الوقت بل ينسجم مع الإيجاب لينشط ويتحرك ويُنتج في أجواء اتسامه به؛ فيما يُؤسَر [العقل] في الركود والتعطل باتسامه بالسلب. ونحن هنا حتى هذه اللحظة لا نتحدث عن الإيجابي والسلبي قيمياً سلوكياً..

إننا بصدد اشتغال العقل من تعطّلِهِ وما سينجم في ضوء ذلك من فرص كبح قدرات الاستغلال عندما ينتشر الحراك والفعل في المجتمع وبخلافه يتفشى استغلال الناس عند استسلامهم لحال التعطل والتبطل في منطق العقل ومغادرة علميته منهجا إلى حيث منطق الخرافة والتجهيل وإفرازاته..

وعليه، إذا أردنا تقريب القارئ الكريم من حركة الإنتاج و\أو الفعل في ضوء منطق العقل العلمي؛ فعلينا حينها تعريف (إيجاب) وانتخاب ما يشير إليه في ضوء صحيح المعاجم وتعبيرها عن منجز المسيرة الإنسانية، وما يمر عبر آليات العقل العلمي من سليم القراءة..

إنَّ (إِيجاب) لفظٌ يدل على الثبات والاتفاق ومن ثمّ على مراعاة ما يفرضه المنطق من فعل.. ويأتي اللفظ دلالة على الإلزام بما يأثم أو يُنتقَد من يخرج عليه ويجنح للتبطل عبر السلب.. ولأن الإيجاب هنا إشارة إلى (الفعل \ الأداء) فقد يكون الفعل واقعاً فيما يصح أو لا يصح على وفق منظور طرف أو جهة إلى ذاك الفعل قيمياً أخلاقيا بالمعنى الأشمل للمصطلح. فـ (إيجاب) فلان ما فعله من حسنات أو سيئات.. ونحن نشير هنا إلى كون الإيجاب ما جعل الأمر أو الشيء لازماً يراعي اشتراطاته بقدرة الحراك والأداء الإرادي.. وعندما نقول ردّ بالإيجاب بمعنى الاتفاق ليس بالضرورة أن يقع الاتفاق مع إيجابي أو سلبي (قيمياً) ولكن مجرد إشارة إلى أنه تفاعل مع طرف ما وأدى فعلا بالاتفاق مع ذاك الآخر…

واسترسالا فإنه يرد في المعاجم أن الإيجاب والقبول يعادلان عرض فعل وقبوله (offer and acceptance).. ومع أنّ بعض الاجتهادات المعجمية ترى في الإيجاب ما دون الإلزام ربما في الإطار الفقهي التقليدي في أغلب هذا، إلا أن إيجاب الكلام يُلزِم التفكر فيه والتدبر وفي الوجود الإنساني يفرض الفعل والحراك ويرفض السكون والركود…

ولكن بالتلازم نود أن نمر سريعا على مفردة (إيجابي) التي يراد بها قيمة أخلاقية بالمعنى الأوسع، بالإشارة هنا إلى ما أفلح ونجح من أمور أو ما جاء متلائما مع الرؤى السائدة قيميا أخلاقيا، ومن هنا جاء على سبيل المثال: مصطلح الحياد الإيجابي بقصد سلامة ذاك الحياد بين قطبين دوليين متعارضين ما بعد الحرب الكونية الثانية وهو ما يمكن أن نطبقه على حال تناقض طرفين في بيئتنا نرتبط بهما ويتطلب فعل منا تجاههما..

ومؤشر الإنسان الإيجابي هو كونه العملي المتفق مع إقبال المجتمعات على تكريس السلام وسمات الحياد إيجابيا في العام والخاص من القضايا، حيث تجاوز أشكال الانحياز والابتعاد عن ولوج الصراعات بقصد المساهمة في الحلول الموضوعية البديلة…

وهكذا فإنّ الإيجابي هو الثابت اليقيني، المؤكد في ملائمته، و\أو مناسبته الاتفاق العام والإجماع في أمر قيمي عادة ما يوصف بكونه سلوكاً أو تصرفاً إيجابي المنحى والمضمون (قيمياً) بأي من مجالات الحياة؛ كما في المجال المالي على سبيل المثال لا الحصر حيث يؤشر المعجم دلالة الاقتراض الإيجابي بأنه الاقتراض الذي فيه العائد أكثر من الفائدة عليه وكما بالتعهدات إيجابية المحتوى في جودة المركز أمام المقرضين وهو ما لا يتوافر عادة في حال الدولة المقترضة تخضع للبنك الدولي وشروطه ومن الإيجابي قيميا [مالياً] تميز الشيء بمميزات وسمات ذات اعتبار ومردود نصطلح عليه معجميا الرفع الإيجابي عند استعمال القروض لزيادة الاستثمار الأمر الذي لا نجده في الاقتصاد الريعي وما يتفشى في اقتصاد الفساد كما في النموذج العراقي وفي عدد من بلدان الشرق الأوسط.

هنا أعود لتوكيد إشارتي أن الإيجاب الذي نحن بصدد التمهيد فيه، هو ثبات حدوث الفعل وتحققه وتلبية اشتراطات تشغيل العقل ومنحه فرص صالعمل الإرادي بما ينجز وينتج، بما يقتضيه من حراك بغض النظر عن محدداته القيمية السلوكية أو الأخلاقية بالمعنى الأعم للمصطلح… وهذا لا يتعارض قطعاً مع توصيف الإيجابي ومحتواه القيمي استكمالا للتحريك والتفعيل سواء للفرد أم المجتمع…

إنّ منطق اشتغال العقل العلمي يقتضي الإيجاب تأسيساً، بوصف (الإيجاب) الجوهر النابض المُزيح للركود والسكون والدافع باتجاه الحركة والفعل خطوةً أولى للتالي من خطى الحراك الإنساني ومقاصده ومعانيه.. بخلاف ذاك سنكون مع حال سكونية مرضية بوجود السلب سمةً رديفة لعقل بعينه هو عقل يتبنى منطق الخرافة..

إن أصحاب منطق الخرافة والجبرية والقدرية يسلبون إرادة المرء ويحنطونه فيحيلونه إلى وضع من السكون والركود بلا (فعل) و\أو (حركة) ما يعني بدقة تعطُّل العقل عن التفكر والتدبر وتبطل المرء فرداً أو جماعة وابتعادهما عن مجابهة مقتضيات واقعهما…

إنَّ السلب بهذا المعنى اتجاه يستسلم فيه الطرف المعني بإشارتنا للركود وانقطاعه عن الفعل.. فالشجرة بهذا المعنى المعجمي التأسيسي للسلب، هي التي تسقط أوراقها وتتكسر أغصانها والمرأة الحامل هي التي أسقطت حملها.. ولعله من هذا التوصيف لمضمون سلب حيث (انقطاع الفعل) يأتي مُخرَج (السلب) قهرياً يصادر الطابع الإنساني الذي يشترط تحريك العقل، والسلب هنا حيث الركود والاستسلام لآخر ينوب عن المسلوب هو ما يدفع نحو الاتجاه القيمي ويهيئ لسطوته حتى قبل أن نستخدم لفظ (سلبي) بالمعنى الأخلاقي، لأنه هنا سيتضمن معاني الانتزاع والاختلاس في اتجاه يتأسس جوهرياً على تعطيل العقل وما يقتضيه فعله من تدبر.أذكِّر هنا بأولئك الذين يستعرضون عضلاتهم في التبرير لقرار خاطئ من قبيل دعونا نجرب وامنحوا فرصة بقصد فرصة لما يبدو واضحا أنه الخراب على طريقة المجرب لا يجرب، وتلك هي حال استغلال تعطيل العقل لسلطة آخر ينوب عنَّا في الأداء فيصفق من يقبل بالسلب لإرادته ولتشغيل عقله..!

والسلب بالمحصلة يعني السيطرة على المرء حتى يصير عاجزاً عن توجيه أمره مستسلما لما يراد له من اتجاه (قيمي) اقتضى تهيئة المرء لفرض السلبي القيمي عليه اقتضى تعطيل اشتغال عقله.. وقد يرى هذا المرء ما يُساق إليه ولكنه يسترخي حيث لا فعل ولا حتى رد فعل ولا شيء سوى سكونه وركوده وتعطل عقله ومنطق الفعل فيه، بمعنى تعطل إرادته.

هذا بشأن السلب بما يراد فيه تعطيل العقل عن اشتغاله ومن ثمّ عن اتجاه منهجه علميا الذي كما أشرنا إليه يقتضي لزوماً الفعل والحركة.. ومن بعد فالسلب يعني بصورة أعمق رفض قضية الإنسان القائمة على أنسنة وجوده عبر فعله وبالاستناد إلى آليات اشتغال عقله ومنطق العقل العلمي؛ وكما يتأكد عبر هذا التوضيح فالسلب يتفق والحال القيمي السلوكي ويهيئ له، فالسلبي لفظا اصطلاحيا نستخدمه بدلالة: غير الفعّال و\أو الخامد، مما هو عكس الإيجابيّ أو ما يعبر عن الإجابة بالنفي والرفض وعدم التعاون بفعل لأنه أصلا بلا فعل ترك من يوجه الفعل لآخر غالبا ما يستغله ويستعبده، ولا يمنحه سوى الاخفاق تلو الآخر ومزيد استسلام للتعطل والتبطل…

وفي السياق ذاته سنجد مصطلح (السلبي) يستفيد من المعجم المالي مثلا ما يساعده على التعبير عن جانب من تقويماته من قبيل تأكيد سلبي أي رد العميل يقتصر فقط على اعتراض ضد كشف حساب مثلا وهو ما ينعكس باستخدامات قيمية أخرى…

ولعله في أجواء تعطل الفعل عند المجتمع تسود النزعة (الاستلابية) التي تدل على ميلٍ لتملك الأشياء والبشر قهراً وتعنيفا من دون وجه حق، وهذا ما يقوم به قُطّاع الطرق حيث سلب يعطل العقل فالفعل وسطوة الدول الكبرى والشركات عابرة الجنسية على دول تركت منطق الفعل المنتج وحيث وجوب التصدي القائم على الحياد (الإيجابي) والمستند بالضرورة إلى فعل وليس رد الفعل وما فيه من ابتعاد عن التدبر؛ وحيث مَن يتسم بالسلب أو بتعطيل العقل يعيش حياة استلاب بمعنى حياة خنوع وإذلال واستعباد في ضوء تراكم سكونه وركوده وتبعيته وتركه الفعل لآخر يتحكم فيه، والسر في ذلك ظروف اجتماعية-اقتصادية وفكرية-سياسية ينظر إليها على أنها خارج إرادته ولكن تلك النظرة ليست موضوعية سليمة بقدر ما هي انعكاس للسلب في خصال الشخصية الفردية و\أو الجمعية…

وهكذا، فإننا عندما نقول: لقد استلبه أمرا أو شيئا أو فكرا نعني أو تجد أنفسنا بمجابهة مع ظاهرة جعله خانعا تابعا، يفكر بدلا منه وعنه ويسيِّره على وفق أهوائه وغاياته…

إننا بحاجة لقراءات معمقة ليس في الأس المعجمي ومجاله ومقتضيات ما يمنحنا من التجاريب البشرية ومنجزها وما يفرضه من محددات ودلالات؛ ولكن أيضا بقراءة منهج العقل العلمي بتفاصيل أوجه تلك القراءة ومناحيها وبكل ما يحيط بقدرات الفعل التي ينبغي أن نبحث في تنميتها في الوجود الفردي والجمعي للإنسان..

ومثل تلك القراءة هي التي ستكشف لنا عن حقيقة معرفية علمية أكدتها التجاريب الإنسانية تلك التي تجسد انسجام العقل العلمي مع سمة الإيجاب أو إطلاق فرص الفعل وتقوية إرادة الأداء من جهة وتناقضه مع سمة السلب التي تجسد تعطيله عن الفعل ومن ثم تعبر عن وضعه على أرفف الاستسلام والخنوع التي لا يقبلها خطاب إنساني سليم.

وفي ضوء هذه النتيجة المتحصلة نجد أن المجتمعات الشرق الأوسطية والعراقي نموذجاً تخضع للسلب والسلبية فتتفشى فيها خطابات الخرافة وحالات الخنوع لمستلبين ناهبين ليس لكل الشياء بل للإنسان ووجوده حتى أن هذا الإنسان يذهب إلى جحيم الموت قربانا لمن صار لا مرجعاً حسب بل نائبا لما يعبد فيلبي أوامره بالمطلق بلا موقف ينجيه مما يُدفَع إليه من محارق حروب الطائفية الكليبتوقراطية المفسدة ومطاحنها الهمجية…

إنه يقبل أولا بتعطيل عقله ثم يبدأ بتلقي التوجيه ويدخل معارك الحياة مسلوب الإرادة وبديله انتصار من ناب عنه ووجهه فيما أجره على أبا عـ… وهناك في عالم الغيب على وفق توصيفات صانعي ذاك الغيب وجنة الحوريات العين وما شابه من دجل فقهاء السلب والسلبية وادعاءات التدين الكاذبة..

العقل ومنطقه وعلامات أنسنة وجودنا يقتضي إذاً الإيجاب والإيجابي بخلاف استلاب إنسانية الإنسان وما تفرضه من تعطيل الفعل وسلب العقل وإرادته…

أفلا تعقلون!؟

أوجه تساؤلي الاستنكاري إلى أولئك الذين قادوا الفعل نحو تخريب كل ما استطاع التنويريون بناءه في الشهر الأخيرة بشأن بناء البديل وراحوا يطنبون في الشروح والتوضيحات \ التأويلات التي تلوي عنق الحقيقة ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح..

فلقد كُرِّم الإنسان بعقله ولا أنسنة لوجودنا بغير منهج العقل العلمي والتجاريب كلها تؤكد تلك الحقيقة…

وكيما نحقق شعار: “التغيير من أجل بناء الدولة العلمانية الديموقراطية لتحقيق العدالة الاجتماعية”. لابد من استعادة منطق العقل العلمي بوضوح ما يقتضيه من اشتراطات وحدة قوى البديل واستقلاليتها وحظر أي خلط يمكن الظلاميين ومنطق السلب والسلبية عندهم من فرض منطقهم القهري، لإفشاء خطاب الخرافة تضليلا ومخادعة..

ولا مجال بين فعل ولا فعل لاشتغال العقل فأما الفعل \ الإيجاب وأما الركود واللافعل \ السلب…

أفلا تعقلون!؟

لا تعليقات

اترك رد