قصيدة تحت المجهر شوارع عارية


 

الشاعرة هناء بكتاش شاعرة عراقية تعيش الحالة العربية بواقعها المأساوي
وهي في وسط الحدث وتعاني ما تعانيه شعوب المنطقة من حروب وانقسامات وتخريب وتدمير للحياة الإنسانية والعربية
حيث طال القتل والتدمير البشر والشجر والحجر
وكأنها تنقل لنا صورة حية في هذه القصيدة
عندما تسميها شوارع عارية
وهي تتحدث عكس المألوف في الشوارع
فالشوارع بالعادة مزدحمة بالمارة والمركبات والبيع والشراء وحياة دائمة ليل نهار
لكن هنا حالة إستثنائية في الشارع العربي وخاصة حيث تقيم في العراق منبت الحضارة والعلم والثقافة حيث إزدحام الشوارع والضجيج
فكيف تعرت هذه الشوارع في عين شاعرتنا
نعم لقد تعرت من المارة والمركبات والتجارة كل هذا أصبح مفقود بفعل الحرب التي قتلت الحياة بمعنى عرتها من البشر والحركة وكأن الشوارع أجساد حية والبشر والحياة هو لباسها وصف تجريدي بمعنى الكلمة وتشبيه رائع يخاطب العقل والقلب مباشرة ويطبع صورة في ذهن القاريء المستمتع للشعر
حين تصف نفسها بأنها هي من تتكلم بلسان الجوعى والفقراء والمحرومين في البلاد نتيجة الحرب التي شنت على بلادها ظُلْماً وعدواناً
فمن المعروف أن الفقراء يستخدمون آنية بسيطة للشرب ربما تكون من النيكل او البلاستك او الحديد لكن من الفضة هذا أمر غريب
فالشاعرة تهزأ من القتلة فتقلب الحال لإغاظتهم لأن الفضة هي من أواني أهل الجنة فلقد أتقنت فن الإستعارة هنا بتعبير قرآني رائع بأكوابٍ من فضة كانت قواريرا
فلقد استوقفتني عدة محطات في قصيدة الشاعرة هناء
المحطة الأولى : هو الوصف والتشبيه لحالة أمة ضاعت وشعب انتهكت محارمه وتشرد في أسقاع الأرض بعد العِزِّ والتمكين فأصبح سوق الشورجة والحلة وحافظ القاظي والعربي وساحة عنتر والزوراء وشارع الرشيد وابو النواس وكورنيش الأعظمية والسربادي خالية من البشر حيث الإقتظاظ السكاني
وكأن جسر الأئمة ليس فيه إلا قناصة يطلقون النار وينشرون الرعب في البلاد
وأما المحطة الثانية : هي وصف الحكام العرب وربما ما تراه في العراق هو صورة ونسخة عن الحكام العرب بوجه عام لكن شاعرتنا هنا اعتمدت التلميح دون التصريح لأن القلم مستهدف ومراقب كباقي الأقلام الحرة في الوطن العربي
فالحاكم هو لص بمعنى الكلمة يسرق أموال الشعب ويخصصها لزبانيته وجلاوزته الذين يحرصون على بقائه رغم ظلمه واستبداده
المحطة الثالثة : هي صورة للأشباح ورائحة الموت في الأزقة حين تسير فيها لا ترى إلا الدمار والحرق وتخريب كل ما كان جميل وكأنها أصيبت بالصرع حين رأت هذا الخراب بعد ان كان يزهو بزخرفة الأمم السابقة الرسامون في شارع الرشيد والكتب المعروضة على أرصفة الشوارع والنحاتون في كل زاوية والزوارق في دجلة والفرات تتراقص أضوائها في المياه كان النجوم سقطت في النهر والمسقوف في شارع ابو النواس ناره تتوهج وتنادي المارة معها كل الحق شاعرتنا فقد ذكرتني بالأيام الجميلة في زياراتي لبغداد كيف كانت وكيف أصبحت فلم ترى ولم تسمع سوى ضجيج وهو بساطير الجنود وعرباتهم التي جلبت الموت والدمار للبلاد
فهي حيادية بإمتياز لم تضع اللوم على جهة معينة فهذا الوضع المأساوي شارك فيه الكل حيث اصبح حال الأمة في أرذل حال
وفي نهاية قصيدتها تخاطب الجبال العالية أو ربما تخاطب الأبنية والقصور التي يسكنها الظلمة والظلام فتقول لهم انا أريد عطفكم أو مساعدتكم ولن أقبل أن أشحتُ منكم كرامتي ولقمتي فأنتم من قتل الحياة وانتم من جعلتم الشوارع خالية من البشر بمعنى أنتم تريدون أرضاً بلا شعب وانتم من تريدون إستبدال هذا الشعب بشعوب أجنبية ليس لها الحق في الوجود بيننا
بمعنى إحتلال مبطن في دولنا العربية
دمت ودام فكرك وقلمك شاعرتنا الرائعة
هناء بكتاش

شوارع عارية
…………….

أمتطي صهوة الجياع
والأباريق فضة
والحاكم سلطان لص سرق غفوتي
أُخاطب نافذة تصدعت
أثر اجتياح الهواجس
يصيبني ضجيج الازقة بالدوران
ايتها الشاهقات لست مستجدية
فالشوارع عارية
والجدران متكئة على ظهري…
تنحي قليلا
لم يعد صدري يحتمل ظنونك
أيها الحبيب الذي كلما احتجت اليك… لم أجدك
لماذا ترتدي المشاعر الباهتة….!
أيها القمر الذي يولد كل شهر
تنهم أيامنا
ووعودنا الظامئة
روح توارت خلف الافق
وجسد تعانقت اشلاءه
خوفا من فرقة
قد تصيبه… بالحُمىٰ

شارك
المقال السابقمحاربة الفساد
المقال التالىتلازميات شرقية
انور الزبن مواليد عام ١٩٥٠م وسكّان قرية المزرعة الشرقية رام الله فلسطين المحتلة كتبت الشعر وأنا في الصف السادس ابتدائي وكان عمري ١٣ عام وتعلمت الشعر عام ١٩٨٠م على يد استاذ وشاعر يحمل دكتوارة لغة عربية نشرت قصائدي في كير من جرائد ومجلات الوطن فنشرت في جريدة القدس الثقافي وجريدة الفجر الثقافي وجر....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. سلام /

    هل الشاعرة السيدة هناء بكتاش تمتُّ بصلة ما للراحل الدكتور عبد المجيد بكتاش الأستاذ السابق في كلية الآداب / جامعة بغداد ؟
    ماذا عن كريمته الوحيدة ” ميسون ” ؟

  2. لم أجد في حينه رداً على تعليقي / سؤالي …
    وعليه أكرر السؤال وأرجو الجواب
    شكراً

اترك رد