ملامح التجديد في الشعرالاندلسي – ج 6 ” الاخير “


 

اما الرثاء فقد قلد شعراء الاندلس شعراء المشرق فيه وتفجعوا على الميت ووصفوا المصيبة الواقعة وعددوا مناقب المرثي ومن ذلك قول الشاعر ابن حزمون في رثاء ( ابي الحملات ) قائد الاعنة في مدينة ( بلنسية ) وقد قتله نصارى ا لاسبان :

يَا عَيْنُ بَكِّي السِّرَاجْ الأَزْهَرا
النَّيِّرَا اللامِعْ

وَكَانَ نِعْمَ الرِّتَاجْ فكُسِّرَا
كَيْ تُنْثَرَا مَدامِعْ

وقد تميز الرثاء بشدة لوعته وصدق العاطفة فيه ومنه قول الشاعر الحصري في رثاء ابيه:

ارى نير الايام بعد ما اظلما
وبنيان مجدي يوم مت تهدما

وجسمي الذي ابلاه فقدك ان اكن
رحلت به فالقلب عندك خيما

سقى الله غيثا من تعمد وقفة
بقبرك ما استسقى له وترجما

وقال سلام والثواب جزا ء من
ألم على قبر الغريب فسلما

كما وجد نوع اخر من الرثاء هو رثاء الممالك والمدن الذَّاهِبة، فكان أكثر روْعة من رثاء الشُّعراء في المشرق فقد هالَ الشعراء ان يَرَوا ديارَهم تسقط بلدة بعد أُخْرى في أيدي الأسبان فبكَوْها بكاء الثَّكالى وتفجعوا عليها تفجع من فقد اولاده ومن احبهم ومن أشهر ما قيل في هذا الضَّرب من الرثاء ( راجع مقالتي رثاء الاندلس ) قصيدةُ أبي البقاء الرندي التي يرْثِي فيها الأندلس بأسرها، ومطلعها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ

ومنها هذه الابيات يقول :

دهـى الـجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له
 هـوى لـه أُحـدٌ وانـهدْ ثهلانُ

أصابها العينُ في الإسلام
 حـتى خَـلت مـنه أقطارٌ وبُلدانُ

فـاسأل(بلنسيةً) ما شأنُ(مُرسيةً)
وأيـنَ(شـاطبةٌ) أمْ أيـنَ (جَيَّانُ)

وأيـن (قُـرطبة)ٌ دارُ الـعلوم فكم
مـن عـالمٍ قـد سما فيها له شانُ

وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ
ونـهرهُا الـعَذبُ فـياضٌ وملآنُ

قـواعدٌ كـنَّ أركـانَ الـبلاد فما
عـسى الـبقاءُ إذا لـم تبقَ أركانُ

اما الوصف وما ادراك ما الوصف في بلاد الاندلس فقد توسع شعراء العربية في الاندلس فيه وتاثروا بطبيعة البلاد الخصبة الخضراء الجميلة الموارد .. ومناظرها الفاتنة الساحرة بين الجبال العالية والوديان الفارهة الغناء الوارفة الظلال روعة وجمالا تلك التي تفتح النفوس لتتيه الارواح سادرة في ظلالها و لتغني القلوب فتطرب الافئدة وتغني لتشنف الاذان بالحانها وتحدق العيون بروعتها بسناء ازاهيرها فتطيرالقلوب فيها كالفراشات الملونة فتمتلىء بنور الحب واشراق الزهر وعبق الشذى وخفة النسيم وتفننوا في الوصف و تعلّق الشاعر الأندلسي ببيئته الطبيعية وهيامه بها هياماً مبالغا ً بلغ حدّ الحلول، إذ إن الطبيعة شكّلت حضوراً في معظم إبداعاته الفنيّة حتى تشظّى معجمها في مختلف الفنون وبلغ هذا التمازح بين الشاعر والطبيعة مرتبة التشخيص ويعد وصف الطبيعة الا ندلسية من جيد الوصوف الشعرية في اللغة العربية وروعتها
منها قول الشاعر ابن خفاجة يصف روضة :-

في روضة جنح الدجى ظل بها
وتجسمت نو را بها الانوا ر

قام الغناء بها وقد نضح الندى
وجه الثرى واسيتيقظ النوا ر

والماء في حلي الحباب مقلد
زرت عليه جيوبها الاشجار

وصقـيلة الأنوارِ تلـوي عِطـفَها
ريحٌ تلفّ فروعـها معـطار

عاطـى بها الصهباءَ أحوى أحورٌ
سَحّابُ أذيال السّـُرى سحّار

والنَّورُ عِقدٌ والغصـونُ سـوالفٌ
والجذعُ زَندٌ والخـليج سوار

بحديـقة مثـل اللَّمـى ظِلـاَّ بـها
وتطـلعت شَنَبا بها الأنـوار

رقص القضيبُ بها وقد شرِبَ الثرى
وشـدا الحمامُ وصَفَّق التيار

غَنّاء ألحَـفَ عِطفَـها الوَرَقُ النّدي
والتـفّ في جَنباتها النـوّارُ

فَتطـلّعت في كل مَـوِقع لحـظةٍ
من كل غُصـنٍ صَفحةٌ وعِذارُ

وهناك اغراض اخرى غير هذه الاغراض اذ قال الشعراء في الخمرة كثيرا و في الزهد وفي نظم الملاحم والاحداث والقصص وفي كل ما وقعت عليه اعين الشعراء وهاموا به في هذه الارض ذات الطبيعة الخصبة ذات الرياض الرائعة التي لم ير العرب اجمل منها في بلادهم عامة

1 تعليقك

اترك رد