المعقول واللامعقول في حياة الدكتور عبد المطلب السنيد


 

يجلس هلال الدوسري (الشخصية التي اشتهر بها عبد المطلب السنيد من المسلسل العراقي الشهير الدواسر, تأليف صباح عطوان واخراج ابراهيم عبد الجليل) على شيء يعلو الارض ,يهز ساقيه بحزن عظيم,ويقول:(آنه بعد ماارد للدواسر ) هذه الجملة يقولها هلال الدوسري بجمال تعبيري جعلني انا الفتى الصغير انتظرها وهي تتكرر في تايتل بداية كل حلقة من حلقات المسلسل (الدواسر) اكثر من المسلسل نفسه ,جملة لوحدها كانت تختصر موضوع سياسي واجتماعي وثقافي عميق , كل هذا يختصر في هذه الجملة القصيرة من تايتل المسلسل كانت تأتي على لسان هلال السنيد

أما باقي الاحداث كانت مسلسل اخر . ومفهوم اسطورة هلال الدوسر يجسّدها بسحر وابداع قل مثيله الدكتور عبد المطلب السنيد و كنتحينها اعشق التمثيل التمثيل, لكني لم اظن ولا لحظة واحدة ان من يؤدي هذه الشخصية هو ممثل من لحم ودم, بل انه اسطورة لاتقل شأنا عن أسطورة الحركة والعرض في السينما والتلفزيون ..وتكرر عندي هذا الشعور لكنه بشكل اخر حينما شاهدت مسلسل (فتاة في العشرين ) وأنا اتفاجأ بالسنيد وهي يرتدي الزي المدني بجمال لايقلعن جماله وهو يرتدي زي الفلّاح, هنا اسمه (شكيب) وليس (هلال),ماهذا ؟هل هي حقيقة ام مزحة ؟.. بعد لحظات اقتنعت بان الزي المدني لايليق سوى له, وانه فعلا شكيب فلقد اختلفت اللهجة ,والزي ,وتعابير الوجه ,والالتفاتة ,والابتسامة ,والفرح واللوعة ,والحيرة التي رافقت نفسيّة هلال تختلف تماما عن الحيرة التي تسكن قلب شكيب .والحب العظيم لايليق الاّ فيه ,والشخصية المحترمة تليق فيه ,والكرامة والقيم وصلة القربى وو..كل هذا لايليق الاّ فيه, حتى انيحقدت حينها على الفتاة العشرينية (شذى سالم) لانها رفضت حب شكيب, لكن الفتاة التي رفضت حبه اقنعها السنيد قبل ان يقنعها شكيب فذابت في حبه واحترمته الى حد البكاء والندم على شعورها السابق .ومسحت حقدي كله في لحظة وسامحتها لانها احبّت شكيب ووجدت فيه ما وجدته انا وكل ّمن شاهد المسلسل

اذ وجدنا فيه كل ملامح الرجولة الاخلاقية العظيمة,فكان شكيب السنيد الذي ينتمي الىروح صباح عطوان لا لكلماته التي سطّرها على ورق واراد منها انتتحول الى روح طريّة ,روح مرنة كالطين الحرّي تتكيّف بيد صاحبها وصائغها كيفما يريد ..العينين عند شكيب كانت تقول مالم يكتبه عطوان ولم يرسمه (ع.ن.ر) بل كانت تعبّر عن تعابير ولغة واشارات من تقنية الممثل السنيد بحس ووعي كبيرين ,ويديه التي كان يستخدمها كثيرا في الدواسر كجزء مساعد لشرح مايريد قوله, والتعبير عنه, كانت هذه المرّة تنتمي الى الشخصية الشكيبية فسكنت جيوب بنطاله الجانبية واكتفى بباقي تفاصيل الجسد كأنه يبغي ادخارها لعمل قادم, أو انه وجدها لاتنتمي لتعبير هذه الشخصية الواعية التي لا يعوزها سوى الحب التي رفضته قريبته العشرينية, وحينما ندمت على ذلك اختلف كل شيء هذه المرّة عند شكيب ليتحول الى كل ذلك الكبرياء والثبات الذي يرفض مشاعر العطف من الاخر, حتى لو كان ذلك يحقّق له بعض مايبغيه ويتمناه القلب, ويعيد له شيء من كرامته التي جرحتها قريبته الفتاة العشرينية ..

هذا وغيره كان عبارة عن معرض رسم تعبيري بلوحات اجاد بل ابدع في رسمها عبد المطلب السنيد فأضاف للنص المكتوب وللنص المرئي مساحات ابداعية جمالية ,وكان عبد المطلب وكان وكان وكان يتألق حبّا ونذوب نحن جمهور فتاة في العشرين في هذا الحب الذي اختصر لنا كل مفاهيم الحب والرومانسية بألم السنيد الذي يتجسّد في نظرته لحبيبته مرّة ,وزواغ نظره عنها مرّة اخرى ,أو في ابتسامته الحائرة مرّة ,وألمه منفردا مرّة اخرى ..لم يكن يمثّل ,لم يكن فنّانا ,لم يكن سوى عاشق لقريبته, عشق كرامة ووجود ,عشق صورة ولون وحركة وجمال والتفاتات ولوعات ووجود .

عبد المطّلب الذي بدأ نشاطه الفني كمخرج اذاعي سلاحه الصوت بانواعه استغل حرفته هذه في لغة التعبير الصوتية في واحدة من اهم الشخصيات التي لعبها الا وهي شخصيّة (انيس) في المسلسل التعليمي (افتح ياسمسم ) وفيه تخلّى عن كل التفاصيل التي ساهمت في بناء الشخصيّات الماضية الاّ الصوت وفوق هذا كان عليه ان يمثّل بصوت مستعار ,وفي هذا تحدي كبير لممثّل يستخدم وجهه ويديه وجسده كجزء مهم للغاية من وسائله التعبيرية في رسم شخصياته المهمّة الماضية, لكنه هذه المرّة اختار طبقة صوتية تنتمي لأنيس الشكل ,وأنيس الحركة ,وأنيس المفهوم والعمر والانتماء وانتصر على باقي عناصره الوظيفيّة في الاداء بصوت مستعار اختار له روح جديدة انتمت الى جسد الشخصية الانيسية المرحة والمشاكسة اللطيفة التي لاتنسى كسابقاتها .يقول عبد المطلب السنيد :(حينما امثّل شخصيّة اخلق لها شكل في الاداء يميّزها بضروفها ومدى تفكيرها فشخصية مثل هلال ابن القرية ذو الانتماء الريفي الفلاحي البسيط الذي ادهشته المدينة وضيّعت شخصيتة بحكم المكان والزمان ..) ..

كلام السنيد يعلن عن ممثل لا يمثّل بالفطرة ابدا ,بل هو يرسم ويدرس ويحددّ ملامح الشخصيّة التي تنتمي الى بيئة وشكل ومكان وزمان وماضي وحاضر وفعل سابق ولاحق و تغيرات وتحولات دراميّة تحكمها كل تلك الظروف لتعلن عن ولادة ابداعية جديدة تسير وفق مارسم لها سنيدها الذي يكتسب المعقول من اللامعقول ويطوّعه للمتلقي بصورة منتمية لكلا المفهومين, فهو تارة يعرض اللامعقول بصيغة المعقول الواضح ثم مايلبث ان يتناول المعقول المستخلص من مفاهيم اللامعقول المتمسرح من عوالم (يوجين يونسكو )في المسرح كما في مسرحية (المغنية الصلعاء) 1986 على مسرح الجامعة التجريبي (الولايات المتحدة في ولاية مشيغان) كمخرجا . وأيضا تعامل مع يونسكو في لا معقول (الخراتيت).كما خاض تجارب مختلفة منها مسرحة الشعر على طريق الاوبريت كما في اوبريت (الشمس تشرق من هناك) عن اشعار للشاعر (فالح حسون الدراجي ) و(جبار الشدود) ومن تمثيل (فؤاد سالم ,عواطف ابراهيم ,غزوة الخالدي ) بروح الوعي الذي عمل فيه سابقا لكنه متجددا طموحا مخرجا مسرحيا أو ممثلا متفوقا كما في مسرحية(ثورة الزنج) تأليف معين بسيسوو اخراج سامي عبد الحميد ,وحصل عنها على جائزة افضل ممثل عراقي عن شخصية (علي بن محمد) . كما مثّل السنيد في مسرحيّة (روميو وجوليت) من اخراج محسن العزاوي ,وأخرج للمسرح عدة مسرحيات منها (الكراسي ,اغنية على الممر ,للصورة ركنان ,الدمية المفقودة ,ام الخير ) ومثّل في التلفزيون مسلسلات (الدواسر ,فتاة في العشرين ,افتح ياسمسم,طريق نعيمه ,ابو طبر ,بيوت الصفيح ,ثمنطعش ) وللسينما افلام (بيوت في ذلك الزقاق ,القادسية ) له عدة مؤلفات منها (ملاحم كلكامش والالياذة الاوديسية..التشابه والابداع).

دخل الاذاعة وهو طالب في معهد الفنون الجميلة عام 1969 كممثل وتدرّب الاخراج الاذاعي على يد المرحوم عبد الجبار عباس ,أخرج للاذاعة مسلسلات منها (الاشجار واغتيال مرزوق ,البلامه,حرب البسوس ,حسين مردان,درب الحطابات )وهي بالتسلسل ل(محمد سبع وثامر مهدي ونصر محمد راغب وحسين الهلالي ).غادر العراق الى الولايات المتحدة لدراسة الماجستير والدكتوراه وأسس هناك مؤسسة (بيت العرب الثقافي ) وقدّم خلالها مسرحية (المهرج)تاليف محمد الماغوط .عاد للعراق عام 2011 محمّلا بامال واهداف ونصوص كبيرة وكثيرة لم يحقق منها سوى التقاعد من جامعة ذي قار بعد انشغل مركز رئيس قسم الاذاعة والتلفزيون .قدّم بعد عودته عدة نصوص لدائرة السينما والمسرح ولم يتم انتاجها منها (ليلة الافتتاح )و(يقين كاكامش ) الذي قدمه لحساب مشروع بغداد عاصمة الثقافة, كما قدّم مسرحية (قيامة العراقيين )من تاليف الدكتور (قاسم حسين صالح)ولم يتم انتاج هذه النصوص لحد الان .عاد السنيد الى الولايات المتحدة يقضي جلّ وقته على كرسي متحرّك ليس لكونه مقعدا لا سامح الله ,بل لانه لا يحب التوقف او الجمود .

لا تعليقات

اترك رد