تطبيق الشريعة الإسلامية في استراليا


 

انتشر منذ أيام قليلة مقطع على اليوتيوب يظهر مجموعة من اللاجئين والمتظاهرين المسلمين في احد مناطق استراليا رافعين شعارات ومرددين خطابات تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في عقر دار استراليا. ولوهلة بسيطة يظن من لا يعرف استراليا بأنها أحد الدول الخليجية أو العربية أو الاسلامية أو من إحدى دولنا التي تعاني من الخراب والقتال الطائفي المذهبي حتى تخرج الشعوب لتطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية كعادة مجتمعاتنا التي تعاني من خلل عقلي وسياسي في فهم الواقع ودور الدين في المجتمع.
استراليا اليوم أو الكومنولث الاسترالي واحدة من أغنى الدول في العالم ، وهي نموذج يقلده الكثير من البلدان في جميع أنحاء العالم .ويهاجر اليها الكثيرون من أجل العمل أو السياحة أو التعليم أو الهجرة الدائمة لما تحظى به من مستويات عالية في الرفاه والتنمية والتعايش بين مختلف الأعراق والثقافات. ويقوم نظام الحكم في استراليا على النمط الديمقراطي الليبرالي. كما أن المجتمع الاسترالي مبني على قيم التسامح الديني، وحرية التعبير والتجمعات، وسيادة القانون. وبالرغم من أن استراليا دولة مستقلة، إلا أن الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا العظمى هي أيضا ملكة استراليا رسميا. ويتم تعيين الحاكم العام من قبل الملكة ليقوم بتمثيلها، ويكون التعيين مبنيا على إفادة من الحكومة الاسترالية المنتخبة. ويتمتع الحاكم العام بسلطة واسعة ولكن جرى العرف بأن يعمل ضمن فريق ومشورة الوزراء في جميع الأمور.

في هذا المناخ المتقدم والمجتمع الديمقراطي الليبرالي والشعب الذي يتعايش مع مختلف الأديان والأعراق والجنسيات والتفوق الاقتصادي والتعليمي والإنساني، خرج هؤلاء ليقنعونا بأن تطبيق الشريعة الإسلامية سيجعل من استراليا دار خلافة عظمى تنضم الي داعش وأفغانستان وبوكو حرام، ويقنعونا بالتحرك الي بقية الأمصار والدول والولايات الغربية والأوروبية التي سيتم غزوها ونشر الإسلام فيها كما فعل أسلافهم في سالف العصر والزمان..ولم يخبرنا هؤلاء ماذا حصل للدول التي تطبق الشريعة الإسلامية اليوم في السعودية وايران والسودان وغالبية الدول الخليجية والعربية والإسلامية بتفاوت يتخذ من الإسلام والشريعة الإسلامية مصدرا للحكم أو للتشريع. بل ولم يخبرونا بحقيقة التاريخ الإسلامي الذي يتباهون به والذي بدأ وانتهى بمجازر دموية وصراعات طائفية ومذهبية بسبب الحكم وأحقية الخلافة وقتل المعارضين وتغليض العقوبات وطغيان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعاملة غير المسلمين وظلم المرأة وأدلجة المجتمعات وإغلاقها على هوية واحدة تلغي المواطنة والحريات والتعايش.

إن خروج هؤلاء الأفراد لا يدل ولا يعني سوى أنهم يريدون قطع الأيادي ورجم النساء وقتل المرتد وفصل الرجال عن النساء وتحريم الفلسفة والموسيقي وكل أنواع الفنون وإعادة الجزية والإماء والجواري والغزوات، فهذا ما طبع غالبية التاريخ الإسلامي وتطبيقاته للشريعة.. كما وسوف تكون الخلافة هي نظام الحكم الأوحد والخليفة هو الحاكم الذي يحكم حتى يموت أو يقتل فلا تداول للسلطة في الإسلام ولا هم يحزنون، وسوف تختفي إرادة الشعوب والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والأحزاب السياسية، فلا حزب الا حزب الله وبقية الأفكار والبرامج والمشاريع الديمقراطية والعلمانية ماهي الا من حزب الشيطان ، كما وستكون منظومة حقوق الإنسان ومواثيق حقوق الأطفال واتفاقية سيداو وحقوق المرأة مجرد اتفاقيات لاغية لا قيمة لها أمام أحكام الشريعة الإسلامية وفتاوي رجال الدين والفقهاء.

هؤلاء الذين خرجوا في مظاهرة استراليا قد استغلوا جو الحريات الدينية والسياسية وحق ابداء الرأي والتعبير والتظاهر ليخرجوا ما في صدورهم ومشاعرهم وكراهيتهم لأي قيم حضارية وإنسانية راقية، وكي يعبروا عن ما في عقولهم من غل ومرض وانفصام عقلي ونفسي وأخلاقي يعيشون فيه بعد أن إنغلقوا على هويتهم الدينية ومارسوا أشد الأدبيات الإسلامية وضوحا في ضرورة نشر الدين وفرضه وتطبيقه حتى ولو كره الكافرون. هؤلاء لم يشاهدوا التعايش بين البشر ولم يشعروا بالتسامح مع الآخر المختلف ولم يؤمنوا بالتطور الفكري والأخلاق الإنسانية التي تعاملهم كبشر مثلهم مثل المواطنين الإستراليين ، هؤلاء حتى لم ينظروا حولهم أساسا ليشاهدوا كيف يعيش المواطن الأسترالي لانهم منغلقون في كونتينات اقصائية لانهم يرفضون الاندماج الحضاري والتعامل مع غير المسلمين لانه تعامل حرام يؤدي الي الكفر . هؤلاء اليوم يمثلون رصيد داعش وثقافة داعش وامتداد داعش الذي لا يموت ولن ينتهي طالما أن الإسلام بعيد عن التفكيك والإصلاح والموائمة مع العصر الحديث.

هؤلاء الذين خرجوا في مظاهرة استراليا ليسوا وحيدين، بل هم يمثلون رأس الجبل الجليدي الذي خرج في مناخ الحريات، بينما الإمتداد الرئيسي وعمق الجبل هنا في مجتمعاتنا الخليجية والعربية والإسلامية، هنا حيث أموال النفط تدعم نشوء المدارس الدينية المتطرفة وتمول التيارات الجهادية في الغرب، وتنشر وتطبع كتب الإرهاب الديني لتوزعها في الخارج تحت بند حرية الرأي والتعبير، هنا حيث يجد رجال الدين والفقهاء من يدعمهم من الحكام والأمراء والشيوخ ويبعد عنهم كل محاسبة ومراقبة، هنا حيث تتحالف أعظم مؤسستين منذ التاريخ لقمع الشعوب وإدامة الجهل وهما المؤسسة الحاكمة ومؤسسة الدين، هنا حيث تكون مناهج التعليم دينية ومدارسنا دينية ومجتمعاتنا دينية، هنا حيث تنعدم ثقافة الإختلاف وتموت الحريات ويعيش الاستبداد والفساد والجهل، هنا حيث يتم محاسبتك على ايمانك وصلاتك وصومك ولكن لا تتم محاسبتك إذا سرقت أو غشيت أو خالفت القانون أو قتلت امرأة باسم الشرف، هنا حيث يتم سجنك لمجرد تغريدة أو انتقاد ديني أو مقال فلسفي، هنا حيث يعيش الإنسان مهدور الكرامة ومسحوق الإنسانية، هنا حيث تكون مجرد فرد مستعبد لا تملك من أمرك شيئا سوى الطاعة والخضوع والإستسلام للقدر والموت، هنا حيث تكون قضايانا المصيرية هي الحجاب والصلاة والصوم ومن هو سني أو شيعي أو ملحد أو مثلي وتغيب قضايا الحريات والديمقراطية والأنسنة والحداثة.
هؤلاء يمثلون اليوم العجز الذي نعيشه والتخلف الذي نواصل تقديمه الي العالم الآخر، فنحن نعيش أسوأ مراحل التنمية والتقدم والأخلاق والمعرفة، فلا مصانع قد شيدنا ولا مؤشرات تعليمية وصحية وتكنولوجية متقدمة قد خلقنا، ولا تفوق علمي وصناعي وفلسفي قد نافسنا فيه الشعوب المتقدمة.. وفوق كل هذا نريد أن نقنعهم بأن تطبيق الشريعة بما ننتجه من تخلف وجهل واستبداد وفساد هو المسار الوحيد للتفوق والتقدم وبناء الحضارة.

1 تعليقك

  1. امر موسف هذا الخلط بين ضرورة تامين حرية العقيدة وهو امر مشروع ومحمي بالقانون في استراليا وبين محاولة فرض العقيدة على الاخرين في مجتمع ديمقراطي متعدد الثقافات والأعراق

اترك رد