هناك مرسى على بعد سنوات ضوئية

 

بين الترقب بلهفة والصبر على مضض، وبين الشوق الى بلوغ الأرب، والقلق من لاجدوى الانتظار، وبين الأمل الكبير والقنوط المطبق، وبين الدعاء بإتمام الفرح، والولولة بعبارة: (يافرحة الماتمّت)، وبين الثقة والارتياب، وبين الطمأنينة والاضطراب، وبين النوم على “خد الترف” والأرق الذي يقض المضاجع، وكما قال الراحل رضا علي: بين الزعل بين الرضا.. ثلثين من عمري انگضى.

بين هذه وتلك وذاك وهذا، وفي ظل هذه المعطيات، يقضي العراقيون أيامهم، وهم تارة يرددون بيت الشعر:

أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وتارة يرددون:
ليل وزوبعة وبحر هائج
لا أرى إلا السفينة تغرق
وتارة ثالثة يتغنون ببيت الأبوذية:
يگلبي شبيك متخوتل … ولابد
جفاك الدهر عن طيبة … ولابد
الفرج ياتيك لاتعجل … ولابد
يسرك يوم من بعد الأذية

ورابعة يراهنون أقرانهم من شعوب البلدان المنكوبة في العالم ببيت الدارمي:

عد وآنه اعد ونشوف ياهو اكثر هموم
من عمري سبع سنين وگليبي مهموم

وما الحال المعاش هذا مكتوب عليهم، ولا هو مقدر، كما أنه ليس حظا أو نصيبا، بل أنه تداعى من مسببين اثنين، لعل أولهما العراقيون أنفسهم، وثانيهما أولو أمرهم وحكامهم، وبتحصيل حاصل صار حالهم أمرا واقعا لامناص من استبداله أو الخلاص من وقعه عليهم.

العراقيون اليوم يترقبون ما يحلو للبعض تسميته العرس الانتخابي، وفيما هم يقتربون من موعده، تتراءى لهم صور وحالات، اغلبها غير مكتملة الوضوح، لاسيما وقد زعزع أغلب القائمين على مفاصل الحكم والتشريع، وعلى وجه الخصوص أعضاء المجلس الشريعي، الثقة التي منحها الناخب إياهم قبل بضع سنين. ومن المؤكد ان الخذلان الذي عانى منه الناخب بسبب أغلب المرشحين في الانتخابات السابقة، ولد جرحا غائرا في نفوس المواطنين الذين شدوا الرحال حينها الى مراكز الاقتراع، حاملين أرواحهم على أكفهم، مستبشرين بقادة يزيحون عنهم متاعب السنين الماضية، بما حوته من ظلم وغبن للحقوق، فوضعوا أملا كبيرا في استحداث حلول لمشاكلهم، وفتحوا صفحة جديدة لحياة طوبائية، لعلهم ينالون فيها حقوقهم في بلدهم.

وقطعا مادامت الانتخابات على الأبواب، فإن أول التحضيرات لها هو زخم الحملات الاعلامية التي يكرسها المرشحون لتعريف المواطن بهم، وهم لايتركون شاردة او واردة من المفردات المنمقة والعبارات البراقة إلا ذكروها او دونوها، في اللافتات والـ (فلكسات) والمواقع الإلكترونية، فضلا عن القنوات الإذاعية والتلفزيونية، الأمر الذي يولد للمواطن شعورا يشوبه الحذر من مصداقية مايسمعه او يقرأه عن اولئك المرشحين. ومع أن مرارة التجارب الثلاث السابقة مازالت عالقة في ذهن الناخب، إلا أنه مافتئ يحلم ان قدوم المرشحين هذه المرة وتسنمهم مناصبهم في قيادات البلد، ستكون مصحوبة بحلول سحرية وآنية، لما تراكم في البلد من مشاكل شملت كل ركن من أركانه، حتى طفح الكيل بالناخبين، ووصل الأمر بكثير منهم الى العزوف عن الذهاب الى صناديق الاقتراع، وهو أمر غاية في الخطورة، حيث يئس المواطن من قياداته التي أسرف البعض منهم بل أغلبهم، في التمادي بالكذب على ناخبيهم، من خلال وعودهم المعسولة التي سرعان ماتكشفت عن رياء وزيف، أسفر عن اعتداد المواطن برأيه في عدم المشاركة في الانتخابات.

لاينكر ان كل شعوب العالم تمر بمثل هذه الاحباطات، لاسيما في دول العالم الثالث، لكن مايحز في نفوس العراقيين ان كثيرا من المرشحين لهم من الأصول العائلية ما يغني عن السؤال عن مصداقيتهم، وعن سلامة نيتهم في طموحهم للوصول الى منصب قيادي في الدولة، كذلك هناك من المرشحين من له من الأصول الدينية ما يفترض أن يرفع من شأنه بين باقي المرشحين، وحري به عكس الصورة الحقيقية لما يتمتع به من أصل عريق، إلا أن الذي حدث ومازال يحدث هو عكس هذا كله، فلا أصل ينفع، ولا نسب يجدي، ولاحسب يثمر، ولا عمامة بيضاء ولا سوداء تأتي بما يشتهي المواطن من رياح. وبين ناخب يعلل النفس بالآمال يرقبها، وناخب لايرى إلا السفينة تغرق، يعوم العراق على بحر من ظلمات المجهول، لعل أقرب مرسى منه يبعد بضع سنوات ضوئية.

لا تعليقات

اترك رد