سيميائية السخرية الواقعية في رسومات رائد الدليمي


 

يمنح النتاج الفني بعده الظاهراتي الممتليء بدلالات سيميائية ، تكاد تكون مشبعة بأنين الواقع ؛ باعتبار ان هذا النتاج يعد خطاباً ولغة تشكيلية موجهة من الفنان الى المتلقي ، فهناك حوار بين المنتج المبدع والمتلقي ، ولما كان الفنان جزء من المجتمع فإن اولى اهتماماته تسجيل احداث الواقع التي ترتبط بالمجتمع ، خاصة بعد توالد الازمات التي اصبحت بمثابة ثقافة ايديولوجية تحتاج الى انتزاع الخاطيء والسلبي وايجاد الحلول لها ، وابقاء ما هو حقيقي والعمل على تطويره بغية الارتقاء بالمستوى الثقافي والمعرفي للانسان والمجتمع ..

ان الخطاب التشكيلي الذي انتجه (رائد الدليمي) يعد محملاً بسيميائيات توخز من يهمه الامر ؛ لانها خطاب ذي مضمون علاماتي أُنجز في مرحلة ضعيفة الوعي الثقافوي – الى حد ما – وما اراد به (الدليمي) هو الخروج برسالة اعلامية وتواصلية بين المجتمع من جهة والمسؤول عن ضخ ثقافة العنف والسلب والالم والحرمان والارهاب والتطرف من جهة اخرى .. ان الفنان يحاول رصد الواقع ومشاهده وما يمر به الانسان العراقي والعربي معاً من احداث اصبحت تسيطر عليه .. لقد أشار الفنان في خطاباته (الكاريكاتيرية) رؤية جمالية محبوكة بنوع من السخرية لهذا الواقع المرير ، فقد جعل من موضوعاته السياسية والاجتماعية البؤرة الرئيسة في تشكيل لغة رسالية تحاكي كل طبقات المجتمع والسلطة معاً ، بغية الوقوف على اهم الازمات التي يعاني منها ..

لقد اختار (الدليمي) مشاهده الواقعية ليكون راصداً حقيقياً ، ليعمل عندئذ احالة واقعية المشهد الى رؤية تشكيلية جمالية ذات سخرية في ملامحها ، بهدف اعطاء دلالات سيميائية تحاكي الاصل .. انه يشتغل وفق ثيمات لا تنفصل عن حقيقة الواقع ، ويبحث عن زوايا تقرّب ما هو بعيد الى الانسان وفق مدرك حسي يرتبط مع منظومة تخيلية جعلته يرتقي بالمشهد الواقعي الى لغة واصفة عبر علامات تشكّلت من خلال بنية تكوينية ترتبط بعالم التشكيل ، فالخطاب الفني انعكاس لنظام من الدلالة الخاصة بالمظاهر التي يقوم عليها المشهد الواقعي ، الامر الذي يجعله محملاً لعدة مضامين لا تقف عند حدود تمظهرات الواقع ، انما تتجه نحو بث رؤى جمالية من الرمز والعلامة ..

لذا اشتغل الفنان (رائد الدليمي) رؤاه الجمالية عبر سيميائية تحاكي حقيقة الواقع المرير .. انه يعمل على بث رسالته اللغوية والاعلامية الى العالم ، بغية التعرّف على هذه الحقيقة وبالتالي الوقوف بمشاهدة تأملية والتوصل الى الفكر الناضج الذي يحد من الثقافة السلبية التي تحتضن جوهر هذا الواقع ؛ باعتبارها – الثقافة السلبية – تعمل على تدمير البنى التحتية للمجتمع .. ان خطاب (الدليمي) يمثل خطاباً راصداً جريئاً يحتاج الى التأمل والمشاهدة شكلاً ومضموناً ، فقد تمكّن من رسم المَشاهد بروح تشكيلية ومقدرة عالية في كيفية توزيع عناصر السطح التصويري وايجاد العلاقات بينها ، فقد استطاع ان يضع توازناً بين الكتلة والفضاء ، الشكل والخلفية .. لقد منح الفنان خطابه جمالية بين الشكلانية والمضامينية انه يقترب في نتاجه من الانسان واللهاث وراء الانسانية بوصفها مصدر للوجود ..

شارك
المقال السابقمشكلة الخطاب المباشر في الدراما العراقية
المقال التالىالملعون
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد