مشكلة الخطاب المباشر في الدراما العراقية


 

لا يعلم المؤرخون تاريخ انتاج اول عمل درامي عراقي .. لكن قطعا الامر مرتبط بافتتاح التلفزيون في العراق حيث شهد عام 1956 افتتاح تلفزيون بغداد اول تلفزيون في الوطن العربي و الشرق الاوسط حيث كان التلفزيون يقدم (تمثيليات) تبث على الهواء مباشرة وكانت من تقديم الفرق المسرحية العاملة في العراق وقتها..
و رغم مضي اكثر من 60 عاماً على تأسيس هذا الجهاز ارتبط الانتاج الدرامي في العراق بالدولة او كان يدور في رحاها على الدوام .. و بما ان كل من يوظف مالاً في مشروع اقتصادي يستفيد من ريع ذاك المشروع سواء اكانت فائدة مادية او معنوية .. تم استغلال الدراما لتحقيق فوائد معنوية لتوجيه الافراد في المجتمع الى ما تسير عليه سياسة الدولة .. ورغم ايماني بأنه هدف من اهداف الدراما في كل دول العالم .. الا ان الدراما العراقية عانت من مشكلة الخطاب المباشر في توجيه الناس وهذا الموضوع قد عفى عليه الزمن في الدول المتقدمة فنياً .. حتى صارت الكثير من الاعمال عبارة عن محاضرة مملة في درس التاريخ او الاقتصاد ..الخ , او ترديد شعارات سياسية جوفاء لا اكثر.
ناهيك عن ان الكثير من الاعمال التي انتجت في فترات سابقة ما عادت مقبولة بسبب المواضيع السياسية التي تم الزج بها في الاعمال وقتها فالافلام الحربية التي انتجت ابان الحرب العراقية الايرانية (كطائر الشمس و الحدود الملتهبة وعرس عراقي الخ..) او السياسية مثل (الايام الطويلة) او اعمال الجاسوسية مثل (رجال الظل و ايام التحدي) كلها لا يمكن عرضها في الوقت الحالي لان الافكار التي تحملها هذه الاعمال ما عادت مقبولة في عراق اليوم .. مع ملاحظة ان الاسلوب هذا في طرح الافكار ما زال متبعاً في انتاج الاعمال الدرامية لا بل زاد كثيراً عن حده .. حيث انتجت القناة الحكومية او القنوات الخاصة العشرات من الاعمال الدرامية التي تتحدث عن حقب معينة وهذا يعني انها ستلقى حتماً نفس المصير في المستقبل المنظور .. والامر هذا يعني تحقق ثلاثة نتائج سلبية من وجهة نظري الاولى اقتصادية و تعني ان انتاج هكذا اعمال باسلوب الخطاب المباشر يعني حرق ملايين الدولارات (خصوصا اذا ما انتجت بالمال العام) وهو يعني هدر حقيقي للثروة الاقتصادية النتيجة الثاني فنية .. بما ان العمل الدرامي عمل جماعي فهو تاريخ فني لكل شخص عمل في هذه الاعمال و بالتالي يعني انه تاريخ زائل بزوال تلك الاعمال .. النتيجة الثالثة ان هذه الاعمال ستزيد من عزوف الناس عن متابعة الاعمال العراقية لان اسلوب المباشرة في توجيه الخطاب عفا عليه الزمن وصار مملاً جداً وغير مقبول خصوصا مع وجود اعمال عربية او اجنبية معروضة في ذات الوقت.
ولما كان الانتاج الدرامي مرتبط بشكل كبير بالدولة فقد اثرت اجراءات التقشف على دوران عجلة الدراما خلال الاربع سنوات الماضية وهو ما دفع البعض للبحث عن مصادر لتمويل الاعمال خصوصا مع عزوف القنوات الخاصة عن الانتاج ايضا .. فظهرت عدة اعمال فقيرة في الغالب باسلوب الممول .. والممول في الغالب مشروع تجاري بحت .. لكن المثير للسخرية ان صناع تلك الاعمال اقنعوا جهات التمويل تلك بتحقيق فوائد اقتصادية من خلال اسلوب المباشرة نفسه في عرض الدعاية ضمن احداث العمل !! مما اسفر عن انتاج اعمال هزيلة مثيرة للشفقة السخرية .. وكان الاجدر اقناع الممول بانه سيحصل على فترات فواصل دعائية خلال عرض العمل ..
اذن العمل الدرامي عنصر قوي لتغيير المجتمع عبر التحكم بسلوك الفرد و توجيهه للسلوك القويم .. وهو اداة خطيرة ينبغي توظيفها بالشكل الصحيح . فالدراما التركية نبهت العرب ان لهم جارة اسمها تركيا الدولة العصرية الحديثة وهو ما وضعها في الصدارة كوجهة سياحية و اقتصادية و عملت على نشر الثقافة التركية بشكل غير مباشر ومن قبلها كانت تجربة الدراما المصرية التي وضعت المزاج العربي نصب عينيها وعملت على التحكم به من خلال اعمال تتسم بالرصانة والقوة .. وهذا كله لم يأت من فراغ بل كان حصيلة سنوات من العمل وتراكم الخبرات . فمتى يعي صناع الفن في العراق الى خطورة هذه الاداة و يحسنوا تقديمها بالشكل الصحيح ؟.

لا تعليقات

اترك رد