الاعلان ومجتمع الاستهلاك – ج2


 

استكمالا لما ورد في الجزء الاول :

لقد اصبح الاعلان” واحداً من أكثر نشاطات الاتصال تأثيراً في المجتمعات المعاصرة. – كما اثر في ترويج السلع والخدمات، واسهم عملياً في نشر القيم والاتجاهات الجديدة، وعمل على تغيير العادات والأذواق لدى الناس.

– حينما يتلقى مجتمع ما إعلانات تم إنتاجها من قبل ثقافة مغايرة لثقافته فإنها تحمل معها قيم ثقافتها، وقد تكون عاملاً من عوامل التغيير الاجتماعي،فضلا عن ذلك هو مشارك جيد في تقريب وجهات النظر نحو منتج ما من الناحية الشرائية والسلوكية الى حد ما ،لاسيما وان عصر العولمة اعطى للبعد الاسنهلاكي مجالا واسعا للترويج،اذ” تؤكد معظم الدراسات والبحوث الإعلامية أن عملية الترويج لثقافة الاستهلاك في عصر العولمة أصـبحت صناعة غاية في الدقة والسهولة في نفس الوقت، فهي تعتمد على وسائل تكنولوجية معقدة لتفتح المجال أمام التدفق الحر للمعرفة وتحويل إنتاج المعلومات إلى صناعة تنتج سلعا، وتدعو إلى الانفتاح الحر وطرح كل ما هو سهل وبسيط وسريع الانتشار.،لقد قامت فلسفة التأثير في المستهلك على سيادة مفهوم المنافسة كمحرك محوري للعولمة الاستهلاكية. فالمنافسة في السوق العالمي تتطلب التكيف مع ثقافة هذا السوق، ولذلك فهي تؤمن بحرية الإعلام وفتح المجالات الواسعة أمام التقنية الإعلانية. وامتلاك وسائل الإعلام وأساليب الدعاية والتسويق للسلع”وهذا التأثير يكون في احيان كثيرة مباشرا ،وفي احيان اخرى غير مباشر ،لكنه في الاساس يكون مؤثرا في كل الاحوال ،ينجح احيانا واحيانا اخرى يفشل وهكذا يتم الامر ،،اذ “لم يعد الاقتصاد وحده هو المدخل الحقيقى لفهم سلوك المستهلك وزيادة النزعة الاستهلاكية بين البشر فى عالمنا المعاصر. فلقد صارت النزعة إلى الاستهلاك عنصرا ثقافيا مؤثرا فى، اقتصاديات الدول، وذلك نتيجة لما تمارسه من تأثيرات قوية على سلوك الإنسان فى اتجاه الميل إلى الاستهلاك بل وجعل الاستهلاك هدفا فى حد ذاته، وبناء عليه يصبح التحليل الاجتماعى النفسي هو الأقدر على فهم شخصية المستهلك وملامح السلعة وطبيعتها ودرجة التشوق إليها”،وهذا مهم في عملية فهم اليات التعامل مع المستهلك والبحث عن طرائق ناجعة للعرض الاعلاني لجذب المستهلك ،هنا يمكن أن نضرب بعض الأمثلة المؤثرة على المستهلك بما يأتي:”

– إعطاء الإعلان صبغة علمية أكاديمية، وذلك باستعمال بعض الألفاظ الطبية أو المصطلحات الكيميائية. ( وهذا ما نراه في كثير من الإعلانات الخاصة بمعاجين الأسنان مثلاً, بل إن الدواء الذي كنا نُحذّر دائماً من استعماله دون وصفة طبية أصبح له إعلان خاص أيضاً!).

– استغلال بعض الخدع السينمائية في التصوير لإبهار المستهلك بنتائج استعمال السلعة, (مثل إعلانات زيوت الشعر مثلاً أو الشامبوهات أو منتجات القوة).

– محاولة إشعار المستهلك أن ما لديه من سلع وبضائع أصبح غير صالح أو لم يعد مواكباً للتقدم. (كثير من الإعلانات توازن بين منتج قديم وآخر جديد أكثر مفعولاً أو أقوى تأثيراً, أو حتى بعبوة أجمل! وكأن مفعول المنتج يتغير بتغير عبوته. ومن أسوأ الإعلانات التي تظهر على أحد المحطات الفضائية إعلان يوازن بين إحضار الأم إلى المكتب أو إحضار (شوربتها)!, فالأم بحنانها واهتمامها ورعايتها وإنسانيتها اُختصرت الحاجة إليها بالحاجة إلى (شوربتها)، وبالطبع فإن منتج (الشوربة) المصنّع أفضل من الماما كلها!).

– استعمال الخدع اللفظية التي تشد انتباه المستهلك،مثل (سؤال المتلقي هل جربت كذا؟ أو هل عانيت من كذا؟ أو هل سمعت عن كذا؟…..)

– ربط استعمال السلعة بإثارة غرائزية لدى المشاهد كلقطات مثيرة ، أو ألفاظ مثيرة حتى، وهذا ما يبرر ظهور النساء الجميلات بشكل شبه دائم لتمثيل الإعلانات”،وتساوقا مع ظهور النساء في الاتصميم الاعلانية التجارية فقد اسيء توظيف صور النساء بشكل غير مبرر،بهذا الصدد يشير(د. عائض سلطان البقمي) الى ان الاعلانات باتت”تعزز نزعة الاستهلاك لدى المرأة والرجل المتلقين للإعلانات، الذين يحاولون أن يكونوا مثل الشخصيات التي تمثل هذه الإعلانات، بما يسهم في قولبة صورة المرأة التي تحصرها كوسيلة وأداة دعائية تجارية للملابس على وجه التحديد،ووفقا لهذه الإعلانات، فقد تم تصوير المرأة وكأنها لا تخرج من المنزل إلا مصففة لشعرها وتلبس أفضل ما لديها من ملابس، مع تكريس دور المراة في هذا الإطار، وخاصة في المجلات الموجهة إلى المرأة،ودائما ترتبط المرأة بدلالات الجنس والإغراء، والتي تتزايد حملات الدعاية والإعلان من شركات كبيرة وصغيرة تستخدمها كنموذج للجسد، وقد يكون ذلك أحد نتائج العولمة الاقتصادية والثقافية،ويبدو أن العولمة الاقتصادية حولت العالم كله إلى سوق تحكمه المصالح المادية وتغيب عنه الضوابط الأخلاقية، التي تروج لهذه الأفكار، وتفرض التغيرات وتوحيد القيم والأنماط الدخيلة”،ويبدو ان كثير من هذه التوظيفات الفنية باتت ترمى على معطيات العولمة وما جلبته من ابعاد سلبية ،الا ان ذلك جزء يسير من المشكل الحقيقي الذي فيه الكثير من الحوار والجدل ضمن مفهوم تحفيز المستهلك

،وإن كانت اساليب الجذب مخادعة في كثير من الاحيان،من جانب اخر،ان” ظاهرة المجتمع الاستهلاكى لا يقصد بها بالطبع شيوع الرغبة فى الاستهلاك، إذ متى كان هناك هدف للإنتاج غير الاستهلاك؟ التغير الذى حدث ليس أن الاستهلاك أصبح هدفا، ولكن التغير حدث فى مضمون ما يجرى استهلاكه، وفى نظرة الناس الى الاستهلاك، وما أصبح له من أولوية فى اهتماماتهم، وزيادة أهميته كمعيار فى تحديد مكانة الفرد فى المجتمع”،بهذا الصدد تؤكد” معظم الدراسات الاقتصادية والنفسية في مجال الاستهلاك والسلوك الاستهلاكي كانت وما زالت موجّهة لخدمة عمليات تسويق السلع التي تهم الشركات المنتجة،وشهد هذا المجال في السنوات الأخيرة مؤلفات عدة يقوم محتواها أساسًا على وصف مواقف تسويقية معينة تخصُّ شركات لإنتاج سلع معينة؛ كالسيارات، والأغذية، والإلكترونيات، ولعب الأطفال والأثاث،والهدف النهائي لمثل تلك المؤلفات هو دعم النشاط التسويقي، ليس على نطاق المجتمعات الغربية فحسب، بل على نطاق العالم بأرجائه المختلفة،كما يؤكِّد علماء الاجتماع أن الثقافة الاستهلاكية في عصرنا الراهن صارت عنصرًا من عناصر كل ثقافة، وذلك نتيجة لما تمارسه المصادر المختلفة من تأثير على سلوك الإنسان في اتجاه الميل إلى الاستهلاك، بل وجعل الاستهلاك هدفًا في حدِّ ذاته، وهم باستخدامهم لمصطلح ثقافة الاستهلاك، إنما يؤكدون أن عوالم السلع والمبادئ التي تقوم عليها بنية هذه العوالم تعد مدخلاً أساسّا؛ لفَهم المجتمعات المعاصرة “،وفي واقع الحال فان مجتمع الاستهلاك ،هو مجتمع يتداول الصيغ الاستهلاكية انطلاقا من رؤاه وتطلعاته وحاجاته ،ويعدها جزءً من مكملاته الحياتية ،و”يسمى الاستهلاك بالسلوك المظهري، ويقصد به كل الأفعال والأنشطة التي يقوم بها الفرد فيما له علاقة بالطريقة التي يرغب العيش بها، أو في الظهور بها أمام الآخرين. وتتمثل بطريقة الملبس والمأكل والأثاث، وغير ذلك، وتعكس تلك السلوكيات مظهراً من مظاهر شخصيته،وهنا يتحول الاستهلاك من الإشباع الضروري للحاجات إلى المبالغة بشكل متزايد، أو الشراء واقتناء الأشياء، حتى يظهر الشخص بالشكل الذي يرغب أن يراه الناس عليه، إذاً هو يعبر عن دافع نفسي أكثر مما يعبر عن الحاجات الضرورية المعتدلة للإنسان، ومن تلك الدوافع النفسية الرغبة الشخصية، أو القلق، أو ما يعبر عن عقدة النقص التي قد تنتاب بعض الناس، مما يجعل المشتريات الاستهلاكية مكملة في كثير من الأحيان، أو بسبب دوافع اجتماعية، مثل المسايرة الاجتماعية، التي تعني مسايرة المجتمع في مظاهره الاستهلاكية، بغض النظر عن الفروق المادية، فبعض الناس يريد أن يسكن في بيت مثل من هم حوله، أو إعادة تغيير الأثاث السنوي، ويصبح التقليد ديدنه في ما يلبس الناس، أو يقتنون، في كل المظاهر المعيشية”،يؤدي الاعلان هنا دورا في الترويج لثقافة الاستهلاك وتطوير صيغه ومواكبة التطورات

الي تحصل في السوق ، ان “الاعلانات التجارية،حسب (سهيلة غلوم حسين) وبالرغم من دورها الايجابي والحيوي في حياة الانسان للتعرف على ما يريد اقتناءه وشراءه الا ان لها تأثيرات سلبية على الفرد الذي ينجذب بسرعة الى اقتناء كل ما يستجد عرضه في الأسواق ويتفاعل مع وسائل الاعلام المختلفة وتستند فاعلية الاعلان التجاري الى التفاوت في مستوى المعيشة، ومما لا شك فيه أن ما من سلعة الا ابتكر لها منتجوها وسائل للدعاية تغوي المستهلك باقتنائها لأن المنتجين يلجأون الى كل وسيلة متاحة لحث البشر على زيادة الاستهلاك بحيث ينشغل تفكير العقلية الاستهلاكية بتوفير الاحتياجات المادية فيغرق الفرد والمجتمع في طوفان من مشاكل اجتماعية ونفسية واقتصادية وفكرية وبيئية واستنزاف الموارد”،ويشير الواقع الحالي الى ابعاد سلبية بدأت تظهر بسبب حجم حجم التعاطي مع البيئة الاستهلاكية وما تتضمنها من مفردات بدأت تأخذ حيزا كيرا من تفكير الفرد والمجتمع ،وهناك أنماط ثقافة الاستهلاك التي تعد”مجموعة من الأساليب التي تحدّد طبيعة ثقافة الاستهلاك السائدة في المجتمع، وتنقسم إلى النمطين الأتيين:

– نمط الاستهلاك العادي: هو الذي يعتمد على استهلاك الحاجات الأساسية الخاصة بالأفراد، والتي تعتبر جزءاً من أجزاء الغذاء اليومي، مثل: الخُبز، فيعتبر هذا النمط الاستهلاكي دائماً، ومستمراً ولا يمكن الاستغناء عنه لفترة زمنية طويلة، ولا يرتبط فقط بالطعام وحده، بل يعتمد أيضاً على توفير المأوى، وغيره من الحاجات الأساسية الأخرى.

-نمط الاستهلاك غير العادي: هو الذي يفوق استهلاك الحاجات الأساس، ويعتمد على المستهلكات الإضافية، أو التي لا تعتمد على الاستهلاك الرئيس، ومن الأمثلة عليها: الإنفاق في تكاليف إقامة المناسبات، والتي تنفق خلال فترة زمنية محددة، وتنتهي مع انتهائها”،وهناك من يرى بأن كثير من العروض الاعلانية اسهمت بطريقة ،او باخرى في تعظيم ثقافة الاستهلاك في المجتمعات الحالية التي تَعَودَ كثير منها على الشراء والتعاطي مع المنتجات الجديدة ،و”من الوسائل التي ساعدت في انتشار الثقافة و سائل الاعلام و خاصة الاعلانات(الاشهار) التي ادت الى تدوين ثقافة الاستهلاك و اعلاء قيم الفردية و البحت عن المتعة من خلال الاستهلاك , وتسليع القيم والأفكار و المعاني و المشاعر من خلال الاحتفاء المبالغ فيه بأهمية الرموز و العلامات المادية وخلق الأشياء الزائفة بين الحصول على سلعة واستهلاك سلعة , أو خدمة وبين تحقيق السعادة أو الحرية ,و هي القيم التي تؤكد عليها ثقافة الاستهلاك”.ان الرابط الذي يجمع بين الصيغ الاعلانية وثقافة الاستهلاك هو رابط قوي الاصرة لما للاعلان من اهمية في تصدير وتشكيل الوعي الاستهلاكي والترويج المباشر

للمنتجات في اختلاف انواعها وتوجهاتها الاقتصادية والتجارية في عصر نمت وتطورت فيه انماط الاستهلاك.

لا تعليقات

اترك رد