الوطن المستعاد شعراً


 

الوطن المستعاد شعراً
قراءة في ديوان ( نداء البدايات ) للشاعر العراقي علي جعفر العلاق :

(لا لَيْسَ مَنْفيّاً وَلامُقيْمْ
لكِنَّهُ يَجيءُ
مِنْ عَجَائِبِ الدُنْيا طَريداً :
آهِ يافَداحَةِ الذّكرى
وَيادُخانَها القَديمْ .)

لم يقف مفهوم الشعر على مر العصور عند تعريف محدد ، لأمرٍ يتصل بأختلاف الوظائف وتعدد القراءات ومااتسم به المفهوم ذاته من تقلّب منذ أول عبارة روحية غامضة مجازية في الوجود حتى آخر شهقة شعرية خاصة في العصر الحديث ،فلن نجد تعريفا سوى وصفٍ ورؤى لهذا المنحى من التعبير البشري عن العواطف والمواقف، فالشعر لدى اليونانيين القدامى كان َواضحاً هو الدراما ، والدراما بين الأسطورة أو الملحمة شكلت مواصفات عديدة بشان لغة الحكاية ولغة الملوك ولغة الآلهة ولغة العامة ، وقد ظل الشعرالدراما ، والشعر الحكائي واحداً من التعاريف الموازية ، التي بقيت في حدود وصف الشعر لاتعريفه عضويا ، من قبيل أنه تعبير عن المشاعر والنفس البشرية – كلام موزون مقفى – المسافة بين السحر والحياة ، بل هو السحر والقداسة كما تراه تعاريف أخرى ، وتحت هذا العنوان المطلق المفتوح … كانت تجارب الشعراء ، سواء الصاخبة منها في التاريخ اوالسرية الحالمة ، تنتج الشعر من الثورة وكبت الحريات العامة الى الحلم الشخصي وكبت النوازع الفردية ، لاتستطيع أنْ تجد الا مايثيرك ويهزك ويملأ نفسك في لحظة صفاء نفسي ، وهروب من المعلومة المباشرة ، ولعل العاطفة التي احتلت قلب الشعر كيفما كان ، رجزا في حرب ام معلقة على الكعبة ، ام رسالة سرية صغيره في كتاب عاشق متردد او نشيد في ملحمة ، ولعل تجارب شعراء عراقيين معاصرين وتحولاتها البنائية والمضمونية ، لاتنفصل عن المتحول والمتنوع الشعري ، خاصة وانها شهدت هزات كبيرة على الصعيد الانساني في مقدمتها الحروب والهجرات ومواجهة مخاطر واحتمالات وبيئات مختلفة .

***

ربما تصلح مقدمة موجزة كهذه لموضوع التعريف الملتبس للشعر ، لافتتح بها قراءة لواحدة من انجازات الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق مجموعة “نداء البدايات” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتي ضمت بين دفتيها تسعا وعشرين قصيدة في مواضيع متنوعة وباسلوب شعري عرف به العلاق شاعرا متفردا الى جانب جهوده النقدية باحثا واستاذا جامعيا عني بالقصيدة وتحولاتها في العالم العربي . والعلاق من الشعراء الذين حافظوا على تجربة شخصية منطوية على شعرها ، له لغته الخاصة التي تحاول أن تكون لحظة بذاتها وليس تعبيراً عن اللحظة ، لحظة تشبه حرائق مصوّرة ، وحنينٌ يشبه الوهم ، واستعادة شخصية لتاريخ عام :

مُنذ ُخَمسينَ قَرْناً
وَعشرِ حروبٍ الهيّة
وَهيَ دامية ٌ
في مواجهة ِالرّعدِ :
أية ُأرضٍ تتوق ُ
الى الله ،
أيّ سَماءٍ يَحفّ بها الشكّ
أيّ ظلام ٍنقي
وأيّ نهار ؟؟

ص19 – قصيدة مركبات التتر – مجموعة نداء البدايات .

***

تحكم ملامح البناء الشعري لدى العلاق سماتٌ تكاد تشكل عالمه اللغوي المتقن غير الصاخب ،أبرزها ، اللقطة الموجزة والمعنى المفتوح ، وهو سمة تميّز بها عددٌ من شعراء ِمرحلة ٍشعرية ٍبين نهاية الستينات وبداية ِالسبعينات ، مثلّها في العراق علي جعفر العلاق وعلي الطائي ومحمد علي الخفاجي وكاظم الحجاج وحسين عبد اللطيف وعبد الكريم كاصد وآخرين من جيلٍ تخلّصَ من فوضى وتوتر قصائد الستينين الذين سَبقوهم والطموحات المضطربة والرغبة بالانقلاب التام على ركائزِ الشعرالأساسية البنائية لمن جاء َبعدهم من السبعينيين والثمانيين المطحونين مباشرة برحى الحرْب في الداخل او مشكل المنافي وتبعاتها في الخارج حيث شكل خيارُ الأنقلاب على ركائزِ البناءِ الشعري معادلاً لفناءٍ لوّحَتْ به الخرائب في كلّ اتجاه، في هذا المعترك المتوترّ ظلّ العلاّقُ وجيلُه الوسطي هذا مؤمِمّا لغتَه من هيمنة ِالأشكال المتصلّبة التي جَرفت ْشعر هذه المرحلة .. لكن الأمر لم يدُم طويلا ، فقد شهد هذا الجيل الذي كان آمنا الى حد ما شتاتا وحصاراً مهولا وحرباً مفتوحة أخرى أشد من حربٍ تصوّرها الكثير آخر ملاحم الأبادة في العراق ، فانفرطَ الوطنُ وبدأت الهجرة الشاملة التي طالتنقادا وأساتذة وشعراء كانوا اكثر ثباتا في الكتابة الشعرية ممن أعقبهم ، مماجعل هذه المتغيرات تتسرب فيما بعد الى تلك النصوص الوادعة التأملية التي عرفوا بها . تصلُح تجربة الشاعر علي جعفر العراق في عدد من المجاميع التي اصدرها بعد هجرته الطوعية – القسرية وتاريخه الأدبي شاعرا واستاذا جامعياً وناقدا ، نموذجاً لان نقف على مستوى تلك المتغيرات ومعالجتها جماليا في قصيدته ، متخذا هنا مجموعته ” نداء البدايات” عينة لذلك

(ليْسَ للوَرْدِ
غيرُ الشّذا
يَتكسّرُ
في قَبْضَةِ الرّيحِ
ليْسَ لِهذا المُغَنّي
سِوى نايِهِ
عارياً
ليْسَ للنّايِ غَيْرُ
امتدادِ الطَريقْ.)

ص69-عذاب من طراز خاص – مجموعة نداء البدايات

تُطالعك هنا صياغة تلقائية تُخفي دلالة مشاغبة، يجرد الشاعرُ الوردَ من أشياء مفترضة الّا من أهم مايميزه ، الشذا ، تجريد الورد من اية عوالق او ملحقات وصفية ( يَتَكسّرُ في قَبْضَةِ الريحِ ) وهي استعارة تأخذ مداها مع المغني والناي ، ثم الناي والمسافة ، حيث تندفع القصيدة الى مبالغتها الموحية ، الطريق ، الرحلة وربما المتاهة وربما الحنين ، عودة أو رحيلاً… (لَيْسَ للنايِ غيرُ إمتدادِ الطريقْ) ، تحوُّلٌ يحمِلُه ايقاعُ وموسيقى (الوافر) النفسية التي تًضفي على هذه العلاقةِ سِحراً شفيفاً وجمالا.ليتحقق -عذاب من طراز خاص – وهو عنوان القصيدة ، بالتلذذ الذي تحكمه الاسئلة .

(وعَيناكِ ،هذا الكلامُ المحيّرُ
كيفَ سَتَصفو سماؤُها
ذاتَ يومٍ ؟
لأيّ فضاءٍ تقودان
أوهامَهُ
ولأيّ مَضيقْ . )

***

تتجرد مفردة ( عشبة) عند العربي والعراقي تحديداً من جميع معانيها المتاحة اليومية المعتادة لتذهبَ عادة الى معناها السحري ، عشبة الخلود ، والأمل المضاع ، والكنز الروحي المفقود ، بحيث تُشْحَنُ العشبة لدى السومري بحمولاتٍ من حيرةِ كلكامش وتهاويه أمام المصيرِ الحتمي والمتغيرِالسلوكي الى حَيرةِ المحاصرِ بالحنين والعاطفة ..ولذلك تحتاجُ حمولاتٌ كهذه الى مهارة وحرفة في معالجتها داخلَ القصيدة .. هنا في “عشبة السومري”، يتركُ العلاّقُ المصطلح بحمولته دون أن يُدرجها مرةً في سياق القصيدة … متحدثا عن ذلك عبر حوارية نادرة، في نظرة تشريحية ممكن تفحّص الذهنيَوالواقعيَ اليومي مع الانتباه الى دلالة العشبة التي اشرنا لها :

“قال : ازْرَعْها في مَكانٍ يَليقُ بِها ، عزلةُ مترفّعة” – عناية صريحة ، “بين حُلمَينِ” – الذهني الذي يذهب الى دلالة العشبة ومساحة مطلقة لتاثيرها ووجودها – “أو شرفتين” – يومي مباشر تقريري صريح ، يكرس ذلك ” قلتُ : يُرهِقُها ،ربّما صوتُ سيّارةٍ ،قالَ تَجرَحُها ربّما جَلساتُالسّهَرْ ” ليقفل هذا المشهد الموجز ، بالجملة الحاسمة “قلتُ ..هل يَفْهَمُالبَشَرُ اليابِسونَ ..لغاتِ الشّجَرْ ) وهو ما لايحتاجُ الى قراءة اعمق مما تبوح به الجملة الشعرية الصادمة . ولنعد قراءة المقطع منزوعا من تشريحنا له .

(عشبة السومري)
(قالَ:
ازْرَعْها في مَكانٍ يَليقُ بِها ،
عُزْلَةً مُترَفّعَةً ، مَثَلاً
بَيْنَ حُلْمَينِ
أو شُرْفَتَيْنِ
قُلْتُ :
يُرْهِقُها،رُبّما ، صَوْتُ سيّارَةٍ
قالَ ” تَجْرَحُها ربّما جَلَساتُ السّهَرْ ..
قُلْتُ .. هَلْ يَفْهَمُ البَشَرُ اليابِسونَ
لغاتِ الشجر ؟)

قصيدة (عشبة السومري ) نداء البدايات ص 91

ثم يتقلب العلاق بمهارة لغوية وبناء محكم لجمل قصيرة دالة مركبة المعنى تلقائية الصياغة في تشييع عشبة السومري متنقلة بين مستوى وآخر.

(ومَضَيْنا نُهَيّء في الرّوحِ أمكنةً نَتَخَيّلُها :
تارةً قُرْبَ نَهْرٍ خَفيفٍ
وطوراً
نواةً لغابةْ
قُلتُ أزْرَعُها في فراشيَ دافئةً
أو قبُالةَ مكتبتي :
تتنفسُ ،مِثلَ حبر الحنين
وأرقبُها تتفتّحُ مِلءَ مَفاصِلِها
الشّهَواتْ ..)

من قصيدة – عشبة السومري

***

في (العودة الى بابل) تتغير لغة العلاق الى نشيد عميق ساخط ، عودة من ماضي معرّف الى حاضر ملتبس ، عودة من طرق وأفضية مهجورة ، حيث يصور الشاعر عوالم هذه الرحلة الجنائزية التي تشبه بقايا حرب ، وخراب امكنة ، وغياب ادلة ، بين الحياة في (حمام تاه – وضاع مغنينا) وبين السفن المحطمة والذكريات الشاحبة (لا عندليب على القيثار لامطر على الاغاني )، هتفنا اين وجهتنا قالوا : الى بابل نمضي ..

ايعرفنا اطفالها ، ام حصاها؟ …

مضت قرون ..
ويمضي غيرها ..
سفن تحطمت ،وحمامُ تاه .
كم سنة ضعنا وضاع مغنينا؟
الغراب مضى ، لاعندليب
على القيثار ،لامطر ٌ
على الاغاني ..

( في هذا المستوى المتقن لغةً المشحون أسىً وعاطفة وإرتباكا ،يقدم العلاق صورة فريدة للوقوف على اطلال النفس قبل أطلال المكان ،)

هل وصلنا؟
لم نجد قمرا على قرانا،
ولانبيا يتيما ،
لم نر امراة .

وهو في لقطات موجزة جدا ، يصف المكان المهجور من قيم اساسية ثلاث هي رموز البقاء والحياة .. الطبيعة : (لم نجد قمرا على قرانا) ، والسماوية ، و(لانبيا يتيما) ، والأمل والولادة والحب : لم نر إمرأة . ليعبر في جملة اخاذة .. (ضعنا وعدنا مثل اغنية تسيل من وتر اعمى ، ) وهو نشيد غير متسلسل وغير منضبط وليس له بداية يشبه العويل حيث تتبادل جمل القصيدة الادوار لتصبح مقاطعها بدايات ونهايات في ان واحد .. لينهي القاريء القصيدة من اي نواحِ على الاطلال يطالعه وهو لايعني ابدا عن قراءة هذه القصيدة المؤثرة كاملة في المجموعة :

رَكَضَتْ بنا المِياهْ ،
ضَحايا
ساخطينَ
على أوطانِهمْ .

***

قصيدة العلاق ، الهادئة ذات اللقطة المكثفة ، المشحونة بالمعنى المتحرك تقاوم موضوعها في اكثر من موقف ، حيث تبدو متصلبة في الموضوع لينة في الصياغة ، وهو لاشك تاثير عوامل مختلفة ، فصاحب شجر العائلة -1975 ، وفاكهة الماضي 1985 القصيدة الوادعة التاملية ، عاشت تجربته متغيرات وتقلبات هي انعكاس حتمي لماحدث لبلاده ولغربته وهو مانجده بارزا في القصائد (اخر الغيم) “خُطانا جرسٌ مُؤَجّلٌ وَثَمَةَ خَوفٌ يَقْضمُالقَلْبَ” اوفي قصيدة اقصر من آهةٍ التي يختتمها ( ليَسَ لي كَفَنٌمُمْتِعٌ – ليْسَ لي من حَياةٍ تَليقُ بِفوضايَ – حتّى إذا متُّ للمرّة ِالألف قالتْ لي الأرضُ ذاهلةً : وَطَنٌ مُقُبِلٌ أنْتَ أمْ وَطَنٌ موغِلٌفي الغِيابْ ) وقصائدُ أخرى مثل – ارض السواد وطاغية من العالم الثالث ) الا ان ذلك السفرالمأساوي لم يتمكن من اطفاء نور اللغة في قصيدة العلاق ، الوادعة الحسية المعتادة ، وهو يكتب في عشبتان على طلل –

تَعالي
أدَثرْكِ بي
وثِقي بِهوايَ
وليلي الطّويلِ كَصَبرِكْ
محتشدا باللظى والحنين ، وفي قصيدة “شجرة” ( سَقَطَتْفَجْأةً شَجَرَةْ ، ارتَطَمَتْ بالهواء ،جَرَحَتْ ظِلّها مرتين .. غَطَّتِامْرَأةٌ بِحَفيِفِ أنوثتِها جَسَدَ الشجرة ودنا الحقلُ مِنْ لَهْفَةِالقبرة
فاتِحأ ليديها اليدينْ
أهذا شَذا التوتِ
أم أنّ هذا دمٌ العاشقين ؟..

لذلك سيجد قاريء “نداء البدايات” حسب قراءتنا ثلاثة مستويات أساسية تقوم عليها قصائد هذه المجموعة ، اللغة الشخصية الاولى وفتوة العاطفة والحنين ، تمثله قصائد – الشاعر – يقظة -شمس واطئة – مكتبة الشاعر -طائر قصائد ومستوى متغير الأحداث العامة والألم واليأس واضطراب المصير الذي تسلل الى بعض نصوصها تمثله قصائد – العودة الى بابل – عشبة السومري – ذئاب ، والمستوى الثالث هو تداخل بين المستويين كما تفصح عنه قصائد مثل ( نداء البدايات ، الذاكرة – طائر – ولوطالَ دربُالكلام :

كَمْ تَمنّيتُ
لوطالَ دربُ الكَلامْ
لو أطلتُ الجلوسَ الى لُغتي :
فأطاوعُ حِكْمَتَها مرّةً
وأراوغ ُغِربانَها مَرّتينْ .

قصيدة .لو طال درب الكلام ص65

***

​الدكتور علي جعفر العلاق

​ولد عام 1945 في محافظة واسط – جنوب العراق .

​بعد أن أكمل دراسته حتى الثانوية في بغداد , حصل على بكالوريوساللغة العربية من الجامعة المستنصرية 1973, والدكتوراه من جامعة اكسترالبريطانية 1983 .

​عمل مديراً للمسارح والفنون الشعبية ‎1976 – 1978, ثم رئيساً لتحريرمجلة الثقافة الأجنبية 1979, وبين ‎1984-1990 عمل رئيساً لتحرير مجلةالأقلام , ثم مدرساً بالجامعة ‎1985 – 1991, فمدرساً للأدب الحديث فيجامعة صنعاء, ثم أستاذاً للأدب والنقد الحديث في جامعة الإمارات العربيةالمتحدة: لاشيء يحدث .. لاأحد يجيء 1973 – وطن لطيور الماء 1975 – شجر العائلة 1979 – فاكهة الماضي 1987- أيام آدم 1993 – الأعمالالشعرية الكاملة 1998 – ممالك ضائعة 1999.

لا تعليقات

اترك رد