كيف اخترقت عزلة نازك الملائكة لتصويرها في فيلم نازك الملائكة


 

كنت خائفة من ولوج في عالم هذه الشاعرة الكبيرة والمربية لاجيال .. فالأسم كبير .. والرهان اكبر ان تكلفني شركة مصرية كشركة البطريق للإنتاج السينمائي والتوزيع في اخراج الفيلم وكتابة السيناريو عن الشاعرة العراقية نازك الملائكة … بدات في القراءة وكل صفحة من كتاب اقراؤه وتفي بالغرض ..ابدأ في استنساخها .. سنة كاملة وانا في رحاب نازك الملائكة في القراءة والبحث وكل ما امسك بحثا يقودني الى أبحاث اخرى .. ومرت الايام والشهور واصبح عندي كم هائل من الورق المستنسخ الذي بدات بتوبيبه والخطوط الرئيسية للفيلم ..

صورة نادرة للراحلة نازك الملائكة

وجدت نفسي في متاهة وانا مقيدة بطول الفيلم 30 دقيقة ..كيف اختزل عطاء نازك بصورة نصف ساعة ؟؟ … حملت اوراقي للصديقة الكاتبة وفاء عوض لكي نكتب السيناريو معا .. وفعلا باشرنا بكتابة السيناريو وضعنا خطوط رئيسية للفيلم .. اول قصيدة لشعر التفعيلة هي الكوليرا .. .. نشاتها ..طفولة وشباب .. صديقات الطفولة والشباب .. عائلتها .. خالها منير الملائكة .. خالها صديقها د. جميل الملائكة .. اختها احسان الملائكة .. الاماكن التي تتردد عليها الشاعرة كمكتبة مكنزي والمكتبة العصرية … دخولها معهد الفنون الجميلة لدراسة العود .. دراستها للغة اللاتينية .. دراستها في امريكيا .. تدريسها في جامعة الكويت لمدة 15 عاما … تاسيس جامعة البصرة مع زوجها د. عبد الهادي محبوبة … الجوائز والشهادات التي نالتها .. وشاح جمال عبد الناصرللشاعرة … الشخصيات التي تتحدث عنها وعن ريادتها لشعر التفعيلة .. اراءها .. فلسفتها في الحياة والوجود.. دواوين شعرها .. دراساتها . مؤلفاتها .. .إيمانها بحقوق المرأة .. حسها الوطني والقومي ..نظرتها للوجود والكون …واتفقنا ان تكون تلك الاراء بشكل ندوة دون ان يعلم المتحدث ونجعل كل اديب او شاعر يفند اراء الاخر .. ثم نخرج بنتيجة نحن نعلق عليها ومن الشخصيات التي تحدثت في الفيلم .. من مصر د. جابر عصفور .. د. عبد القادر القط .. د. عبد المنعم خفاجي .. د. عبدو بدوي .. د فريال الغزول.. ومن العراق د. احمد مطلوب .. الشاعر حميد سعيد .. الشاعر خالد الشواف ..والاستاذ خالد علي مصطفى … والشاعر سامي مهدي … الاستاذة سلمى الجيوسي … والشاعر محمد الفيتوري … حياتها الاسرية وتسليط الضوء على نازك الزوجة .. الام .. وخير من يتحدث عن ذلك زوجها د. عبد الهادي محبوبة .. ابنها د.براق محبوبة … تلاميذها الذين وضعوا دراسات الدكتوراه عنها …

انهينا السيناريو وقدم للمجمع العربي واضيف وحذف الى ان اكتمل السيناريو واستغرقت العملية ستة اشهر … وقررت ان لا ابدأ التصوير قبل روؤية الشاعرة واخذ وعد منها بتصويرها.. وهذا الطلب ان تحقق فاني بهذا قد اخترقت عزلتها منذ 30 عاما لم يرها احد …وبعد مداولات صعبة جدا اتعبتني جدا استطعت ان اقنع د. براق بان ياخذني لبيتهم .. وذهبت واستقبلني زوجها د عبد الهادي محبوبة وتكلمنا في الفيلم واعطيته نسخة من السيناريو ووعدني خيرا ولكني لم ار السيدة نازك قيل لي انها مريضة … وكان زوجها ودودا ولكنه صعبا لا اعرف لم كانوا خائفين ؟ واتفقنا الاسبوع القادم لنا موعد وان التقي بالسيدة نازك …بعد موافقتهم على السيناريو واعطائي تعهد خطي بذلك ..وبعد اسبوع التقينا وابدى أعجابه بالسيناريو ووافق على التصوير … ياربي أريد ان ارأها .. لا احد يعرف شكلها منذ اكثر من 30 سنة … قال السيدة نائمة .. قلت فدوة لعينك بس اشوفها وهي نائمة .. توسلت اليه .. ادخلني غرفتها كانت فعلا نائمة .. جسم ضئيل وراسا يزينة تاج من المشيب .. لم ارها جيدا هي لحظة رأيتها فيها من باب الغرفة .. وقال لي ستريها اثناء التصوير … صورت في القاهرة مع النقاد جمعت ارشيفها من بيت صديقتها بنت الشاطيء .. ثم سافرت الى العراق .. واتصلت بخالها منير الملائكة الذي كان خير عون لي في البحث عن الاماكن التي عاشت فيها نازك الملائكة وكان دليلي في كل خطوة اخطوها .. بيتهم في ابو اقلام .. صور غرفتها .. صورها وهي صغيرة مع والدتها الشاعرة ام نزار .. مدارسها من الابتدائية الى دار المعلمين العالية .. شهاداتها .. كنت اجد صعوبة ولكني لم أيأس ..استاجرت عمال مع مساعدو الاخراج … بدأ التنقيب في السراديب .. وبعد بحث مضني وجدت كل شيء …جمعت ارشيفا هائلا عنها ..بدأت ابحث عن قصائد بصوتها مع الأسف لم اجد حتى في ارشيف الاذاعة والتلفزيون العراقي ..

كان الحديث آسرا ورائعا مع خالها جميل الملائكة صديق طفولتها والمنافس لها في قرض الشعر وكثيرا ما يعقدون مناظرات شعرية في دارهم مع والدتها الشاعرة أم نزار .. وكانت احسان الملائكة شقيقتها تروي عنها احاديث الطفولة الرائعة .. اكملت تصوير عائلة الملائكة .. وبقي النقاد اعطيت السيناريو للشاعر الصديق حميد سعيد وقراوه وابدى اعجابه به قال .. انت انصفتيها بعد ان ظلمها النقاد .. واكملت التصوير مع الشاعر خالد الشواف .. د. امحمد مطلوب .. الشاعر حميد سعيد .. الشاعر سامي مهدي .. ثم سافرت الى البصرة لتصوير كلية الاداب التي كانت عميدتها .. رجعت للقاهرة لكي اكمل الفيلم ..وهناك التقيت بالمصور الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر لكي احصل على صورة للرئيس جمال وهو يقلد نازك الوشاح وحصلت عليها ..وبدأت المحاولات لتصويرها وحددوا يوم التصوير .. بعد اسبوعين وبدأت ابحث عن قصائد بصوتها وقد ارشدني د . براق ( ابن الشاعرة ) لشخص في تونس يهوى جمع القصائد الصوتية واتصلت به تلفونيا .. ثم سافرت لتونس واشتريت 7 قصائد لنازك بصوتها علاوة على صوتها وهي تغني وتعزف على العود اغنية محمد عبد الوهاب جفنه علم الغزل .. والله اشتريتها من جيبي الخاص .. لاني ادرك قيمتها الادبية .. رجعت الى القاهرة وبدأت التحضير لتصويرها .. واتفقت مع المصور ان يصور كل شيء

وبعد تم توزيع الإضاءة واكملنا بقي حضورها ولكنهم اشترطوا علي ان لا تتكلم .. وافقت قلت في نفسي بس اشوفها ربنا يسهل .. دخلت علينا يقودها زوجها وابنها ..كانت مريضة جدا .. لا تقوى على السير .. شعرها الابيض
يكلل جبين ووجها اتعبته السنين والمرض كانت نحيلة جدا وكان كل جسمها يرتعش .. لا ادري لم بكيت ؟؟ بكيت بصمت ودموعي تبلل وجهي . تذكرت قصيدتها وهي تقول … لا فؤاد معي يشاركني حزني ….ويبكي على شبابي الدجي …لا رفيق في غربتي ووجومي …. غير قلبي الشجي ودمعي النقي ….. قلت لها تقدرين ان تقفي عند الشباك وتنظرين الى البعيد ..حتى اضع جزء قصيدتك بصوتك على صورتك …

في بعيد الديار
. ووراء البحار
..اصدقاء بشر
اصدقاء ينادون اين المفر
.. قالت بصوت واهن منين جبتيها ؟؟.. قلت لها من تونس .. هزت راسها ولم تجب .. قالت اني تعبانة….
صورنا عشرة دقائق فقط ودخلت الى غرفتها … مشاعر شتى تنتابني وانا اكتب عن نازك التي احبتني واحببتها.. وقمت ازورها باستمرار .. ويوما ذهبت مع براق لنعمل لها كشف لنظارتها …كانت وديعة ساكنة لا تتكلم الا كلمة او كلمتين

وبدأنا عملية المونتاج ووقع الاختيار على الاذاعية الكبيرة هناء الشربيني اشهر مذيعة في صوت القاهرة لتقرأ تعليق الفيلم وشعر نازك … وانتهى الفيلم وكان بطول 50 دقيقة .. لعلي بهذا الفيلم قد انصفت نازك ونصفها المتحدثين عن تراثها الذي تركته للاجيال تنهل منه .
ونحن نسير وراء نعشك … كنت استرجع لقائي بك في سنة 1999
واني فخورة واشعر بالاعتزاز لاني اخرجت فيلما عنك لعلي قد اعطيت جزءا يسيرا عن نازك الملائكة .. نودعك ولكن انت بيننا عملاقة شامخة .. نعشك الملفوف بالعلم العراقي الذي عجز العراق من احتضانك واحتضان مبدعيه يلفهم الاسى في ارض المنافي …اسير وراء نعشك كاني اسمعك ترددين

انه يوم مولدي ولقد مر
بعمري الداجي كظل شقي
عشته في قصائدي ودموعي
بين جدران معبدي الشاعري

من كتاب سجني باختياري تحت الطبع

4 تعليقات

  1. الاخ الفاضلة العراقية الاصيلة الدكتوره خيريه المنصور

    تحياتي واحترامي لك
    لقد اسعدني ما قرأتُه عن شاعرتنا المغفور لها نازك الملائكة بقلمك الرشيق وكلماتك الشفافه اتمنى لو اجد في وزارة القافة والاعلام مَنْ
    يتبنى نَتاج شاعرتنا الملائكة وشواعرنا مثل كاتكة الخزرجي ولميعة عباس عماره وغيرهن من الركائز الشعرية الرصينة مفخرة العراق والوطن
    العربي .

    شكري لك موصول بالتقدير مع اطيب التمنيات

    الحاج عطا

  2. يعجز لساني عن التفوه بكلمة شكر لك على هاته ازسطور القليلة لكنها منحتني الكثير ان الشاعرة المرحومة نازك الملائكة. وأخذ التعبير سموه وتقوت دلالته بالصورة الأيقونة المصاحبة للكلمات الرقيقة. وأنا أقرأ النص تخيلت نفسي دانل الفضاءات التي سردتها. كم نكون سعداء لو اطلعنا على الفلم/الوثيقة، ونزيد سعادة حينما ينضاف الكتاب الى نزانتنا. تحية تقدير واجلال

  3. مقال رائع في حق السيدة القديرة نازك الملائكة رحمة الله عليها، وقد خلدها عملك الفني والوثائقي، والسيناريو الذي خصصتيه لهذه القامة الأدبية والإبداعية العراقية بإمتياز، التي تركت أثرا متميزاً، تقتفي خطاه الأجيال العربية، والثقافات العالمية…
    لقد وفيتي حقها من خلال الكتابة، بالصوت والصورة، لقد اثريتي الخزانة العربية بهذا التكريم (فيلم وثائقي)، في حق الشاعرة الراحلة نازك الملائكة..

    دكتوره خيرية المنصور شكراً جزيلاً على هذا التقدير لواحدة من المبدعين والمبدعات العراق، بلد الأصالة والحضارة والمعاصرة

    تحياتي وتقديري

    محمد بونيل/الجزائر

  4. ماقمتي به يبدو لي عملا جبارا وليس، بالسهل، خصوصا انه لايوجد ارشيف سمعي او، صوري لها. وهذا من اكبر عيوب الاذاعة والتلفزيون العراقي انه لم يسجل، اي حوار لرموز الشعر الحر نازك والبياتي والسياب وغيرهم. كما ان وزارة الثقافة برموزها الادبية للاسف، لم تدعو نازك الملائكة لمربدها بينما كان حميد، سعيد وكيلا للوزارة وهو من يدعو الشعرأء للمربد، والغريب انه يقول لك لقد انصفتيها وهو كان ممكن ان يدعوا او يفعل، حفل تكريم لها وكانت تاتي الى المنصور ميليا ايام المربد لتراها ربما معارفها من العرب، لم يدعها احد. واول ماريتها لم اعرفها لانها كانت سيدة عجوز، سمينه مفلوله الشعر، بدون ترتيب. الا ان احد اصدقائي قال، اتعرف من هذه السيدة. قلت لا، قال نازك الملائكة. وكم كرهت انذاك من اقام المربد، ولم يقعد، هذه السيدة في كرسي الشعر، وهي من جعلت كل هؤلاء والاجيال العربية من يكتب على طريقتها الشعر، الحر، وهي اول من كتب قصيدة الحر في قصيدة كوليرا. ثم جاء السياب والبياتي بعدها. لكن التاريخ لا ينصف المراءة العربية فكتبوا ان السياب والبياتي هما من اخترعا السعر، الحر. وحين سؤالت مرة عن سبب اقصائها كاول رائدة للسعر الحر. قالت هم رجال ولا احد يقدر لهم.، اهنئك دكتورة خيرية على جهدك الرائع وانجازك فلما عن سيدة الشعر الحر نازك، وليتك تعطينا، رابط له او تنشريه للجميع.

اترك رد