جمالية الإختيار وعفوية الحركة عند ألفنان أياد الزبيدي

 

في معارضه المتعددة للفنان – أياد الزبيدي – منها معرض بعنوان (أمنيات عراقية) في قاعة الود للثقافة والفنون في بابل، وكذلك معرضه الشخص الثاني عشر “بين قوسين” ، على قاعة ليلى العطار في مركز أوج بغداد الثقافي، ألذي حضره السفير الفرنسي وممثل السفارة الكويتية في العراق، وعدد من الفنانين والإعلاميين والمتهمين بالشأن الثقافي وغيرهما من المعارض. تسود أعماله الفنية إنشداد نحو التأمل والأمتعان والإسترخاء في السروح الذهني والتفحص لحيثيات محتوياتها الضمنية وأشكالها “السيميائية” ألتي تثير الإنتباه والتأني ببريقها اللوني وأسترخائها الهاديء ذات الألوان ألتي تنطق بموجات البث البارد في الأمل والإستبدال لما يسود الأجواء الحالية، كما يسود البلد التركيبي المتكون من التضادات المختلفة من سطوع الشمس وما يعقبها من أجواء مغايرة (هادئة) ألذي يسمى بالجو “القار” حار صيفاً – بارد شتاءاً، فضلاً عن فوران الأحداث المتعاقبة عبر عقود,

إن لم تكن قرون، تكتسح تلك الأجواء من الفوران والتقلبات المؤثرة على نفوس المجتمعات بأجواء تريح ألذات وتكتسح آثارها الباقية، بأعمال لها وقع خاص في النفوس ألتي تبحث عن بدائل تديم صيرورة الحياة، وجوانبها الأخرى المشرقة ألتي ولدت مع كينونة وجودها بشكل تلقائي، أو تدخلات حالات الصراعات البشرية، ومتغيرات أجوائها الطارئة، وكذلك ترمز نوعية إختياره اللوني إلى علاقة روحية سمائية وعقائدية. لذلك فإن ألفنان – أياد الزبيدي – يمنح دوره الفعال في الحركة التشكيلية، مهمة الإضافة الإنعكاسية لمشاعره الوجدانية في فهمه للحياة بشكلها المجسد من خلال ألوانه الخاصة.


وكذلك مد التعانق والتفاعل مع حيوية التلقي لدى المشاهدين كي تسترخي نفوسهم من المتاعب لما جرى ويجري عبر مراحل طويلة. وعلى الأقل بناء حيوية الإنجذاب والأمل ونقاء النفوس لدى براعم الأجيال القادمة ألتي قد تكون أجتازت ما مر به من سبقهم من أجيال سابقة. عبر حروب وصراعات مختلفة. إنها أعمال تتضمن خطابات ومعطيات فكرية وأدائية لها دور متميز لأنعكاس وحدانية التفرد التشخيصي لأسلوبه الخاص, من ناحية صياغة المفردات التكوينية لشكلها الإنشائي. أما من ناحية مصادرها المجسدة، فإنها تحمل مشتركات سلكها أغلب الفنانين ألذين يرتكزون إلى أمور تخص الحقائق وليس الخيال الفنتازي البعيد عن علاقة المجتمع بالحياة المعاصرة “والميثولوجيا” التاريخية. يتبع صياغة تجسيداتها الأدائية كأنعكاس معرفي لفهم الأمور العامة والحياة المحيطة له، من خلال التعبير وفك أسرار الطلاسم، لمحتويات أسرار الحياة وجوانبها الفكرية والجمالية.

ولذلك نجد إن أعماله ترتبط بشكل مباشر بالصيغة التراثية الشرقية، دون وازع من التأثيرات الأسلوبية الغربية السائدة، سوى مشتركاتها العالمية المعاصرة. إن في أعماله إختيار جمالي في نكهتها الشكلية في الوجه والملامح، تتضمن أعماله برغم تناظراتها الهندسية المزخرفة، إلا إن حركة خطوطها تسودها العفوية والعشوائية دون وازع من المقيدات ألتي تقترن بالإيقاع الرتيب أو التماثل المقيد بزواياها الحادة. تسمو في داخل محتويات مضامينها صفة الأمنيات العراقية بوجهها وأجوائها المشرقة، من خلال البيوتات الشرقية القديمة ذات الأشكال المنظمة بتفاصيل مفرداتها، وعشتار المرأة، وشهرزاد وشهريار، ووحدات مكملة لهما. في أعماله تتقارب أبعاد العمق المنظوري من خلال تكويناتها الزخرفية بمساحات وأفتراش لوني متنوع التحديات في مابينهما، ولكن نفس البعد المنظوري. بإستثناء بعض أعماله ألتي تعلوها فضاءات من الغيوم المتحركة كي تتنفس من خلالها التكوينات التراثية، إنها أبعاد تحمل في طياتها أعماق من التجانس والتفاؤل وحب الحياة، يتجسد ذلك من خلال تعانق وجهين لأشخاص. تحيطهما مفردات من التكوينات المزخرفة، تتوافق مع بنيتها التشكيلية للمفردات المشخصة إنسانياً، أو أبواب، وأجزاء لبنايات معمارية تراثية.

إنها مفردات متنوعة، متكونة من: تفاحات الجنة، نوافذ، أريكة، ثيران، قبب، أسماك للحياة في بحر من الأحلام، نهود مكدسة بنبيذ الجنة الخضراء، شفاه تلتمس ولا تتلاصق، نافذة داخل نوافذ، نخيل سومري، طيور للحب فوق هودج الفرح، سماء صحراوية، قبب ومنارات، شجرة الحياة، عيون متيقظة، مسلات لقوانين الحب، كرنفالات بشرية، عناق وحب تحت المطر بصدور ملتهبة بشرارة اللهفة وشفاه مكتنزة بشهوة التعانق والأشتياق. إنها مفردات متنوعة بعضها من المنمنات المعمارية المنسجمة مع ما يحيطها ويلازمها من أشكال ومصادر أخرى، كالبيئة من الريف الجنوبي، وأروقة وأشرطة، وتنوعات تستوقف الناظر بشفافية وحيوية التأمل والأستدراك.


بعضها يرتبط بتراثها السومري بجانبها العشقي وبعضها بجدائل آشورية، وبعضها ترتبط بسرمدية ألف ليلة وليلة. إنها مرموزات ترتبط بتراث عريق لوادي الرافدين، حيث تتضمن بعض أعماله أمتزاج جسم الثور برأس الإنسان يمتلك أجنحة النسر، وفي عمل آخر، حورية برأس ثور هائج أمام ضوء القمر وفوق ظهره وبتداخلات رائعة, أنتقل الحب الأسطوري إلى حمامتين في صورة جميلة تكمل القصة وتجعل لها نهاية. وهنالك سجاجيد مزخرفة، وأشكال من الطيور بتكويناتها المشابهة لمحيطها التكويني المزخرف.

وبشكل عام فإن في أعماله تنوعات إلامتزاج المتعدد لمصادرها التاريخية لحضارة وادي الرافدين ومنها بابل. حيث يشعر المتأمل وكأنه أمام بوابة من التكوينات المعمارية المتداخلة مع تنوعات بشرية ورموز حيوانية ومفردات أدائية تشكيلية حضارية من وحدات متكررة ومتناسقة ومتناضرة. منها أسود وثيران وهياكل رمزية متنوعة، تفصح عن دلالات في عمقها التأريخي وزمنها المعاصر. ضمن نظام سيميتري متقابل ومتناظر بإيقاعات أسسها التشكيلية، محدد محيط بعضها بايقونات متناوبة. تسود أشكال هيئتها وحدات زخرفية على الوجوه والأجساد والأيدي وما يحيطها من مجاورات متداخلة مع بنيتها الإنشائية.


وحتى عندما تتنفس تلك التكوينات عبر آفاق فضائها المفتوح، فإن الفضاء لا توجد فيه مساحات مطلقة صامتة غير ناطقة بدلالات مفرداتها الفرعية، وإنما هنالك تموجات حركية تنطق بلغة الخطوط المتحركة والمائلة بإتجاهات متعاكسة، كي تتجاوز إيقاعها الثابت الرتيب. وكذلك بقع لونية متجاورة. وعندما تشخص الهياكل الجسدية والوجوه، فإنها تجرد من تشخيص تفاصيلها الواقعية بمساحات لونية منسجمة ومكملة لما تم بنيتها الشكلية للألوان, أي برموز لونية مجردة، لكنها جميلة وهادئة تنسجم مع بنيتها التكوينية العامة.


وبشكل عام فإن تركيبة التكوينات بمفرداتها متكونة من الوحدات الزخرفية، مهما تنوعت “ثيماتها” الهادفة ومصادرها الإنشائية. ومن خلال هذا الإجراء الأدائي، منح الأعمال أهداف قيمها الجمالية (الإستيطيقا) مع أدائها ألفني وليس الطبيعي المتواجد في الأصل. لذلك تبتعد أعمال ألفنان – أياد الزبيدي – عن مضامين الإثارة التراجيدية الصاخبة للأحداث، وإنما أستبدلها بحيوية التفاؤل والمنطق الجمالي، بمفردات “ميثولوجية” متنوعة، وبعض مفرداتها فلكلورية معاصرة، كجزء من أبواب الشناشيل التي تنقسم إلى وجهين متناضرين ومتعانقين من البشر الأنثى والذكر، كي تمنح المتلقي قيمة الثراء للبنية الإجتماعية ألتي هي مركز ديمومة النمو التكويني للمجتمع. وبعضها إستعادة الذاكرة لحكايات خيالية، وأشكال ما ترتديها النساء من ملابس مزخرفة أبان العصور القديمة. وفي عمله الأخير المشترك في معرض جمعية التشكيليين العراقيين، تكوينات سائدة من الأشكال المعمارية تسودها العتمة، يعلو فوقها جسد مختفي الراس، مغطى بقماش ملون يكاد يسرح جسده وروحه في آفاق السماء المفتوحة، يرافقه في الأعلى طيراً مكملاً ومتناظراً لجسده المحلق في آفاق سرمدية، قد تهدف إلى مرموزات متنوعة في التفسير لدى المتلقي, وقد تحدد بهدف واحد لدى منتجها ألفنان.

لا تعليقات

اترك رد