صفقة القرن : البيئة والجذور – ج 3


 

١-
ثلاث سمات طبعت النظام الاقليمي في الشرق الاوسط بطابعها وقادت الى الحال الذي هو عليه : الاولى هي التحول الجذري في معايير تصنيف ( الأنظمة السياسية – الدول ) لبعضها البعض حيث تسود الان معايير الانتماء العقائدي – الديني ( الطائفي ) وهي في عمومها تعكس الانتماءات الفرعية للنخبة الحاكمة في كل بلد على عكس المفهوم الحديث للدولة التي تتخذ طابع الحياد ” النسبي ” ازاء المعتقدات الفرعية لمكونات شعبها وترسم سياساتها الخارجية وفق احتياجات ومصالح عامة مشتركة بين ابناء هذا الشعب، والسمة الثانية هي عجز الأنظمة السياسية القائمة للاسباب التي فصلناها في الجزئين الاول والثاني عن اداء مهماتها في تحقيق نهضة شاملة على مختلف المستويات بسبب طبيعة تركيبها والية وصولها للسلطة والتي غالباً ماكانت عبر الانقلابات العسكرية وليس عبر آلية سلمية مُتوافق عليها بين مختلف مكونات شعبها ، اما السمة الثالثة فهي هشاشة الموقف الاقليمي جراء ضعف الدول وانظمة الحكم مما افسح المجال واسعاً لكل انواع التدخل من جانب القوى الكبرى ( الغربية بشكل خاص ) والقوى المحلية المقتدرة وفق ظروف مرحلية واسرائيل في رسم وتحديد اتجاهات سير الاقليم ، واهم جهد تم بذله في هذا الاطار هو تعميق وتعزيز النزعات الطائفية والعرقية عبرالمنظمات التي هي دون الدولة بحيث اصبحت تشكل عاملاً اساسياً بشكل عام وحاسماً في حالات غير قليلة في ترتيب توازنات القوة ورسم السياسات فضلاً عن المؤامرات وآخرها الثورات المضادة التي أحبطت تجربة الربيع العربي ودفعتها الى الزاوية الحرجة مُحددةً بضلعي الإسلاميين او العسكر .

لقد فهم الغربيون والقيادة الصهيونية مواطن الضعف هذه ولذلك اخذت تقدم عبر خطابها الدبلوماسي والدعائي تفسيراتها الخاصة للموقف وهي تتراوح بين امال ونوايا ومحاولة للإيهام ببعض الموضوعات التي تقدم بشكل مبهم وخاصة مايتصل منها بقضية الاٍرهاب والتصنيف الديني والمذهبي لشعوب المنطقة ودولها على خلفية خلط متعمد بين مفهوميالدولة والنظام رغم ان ذلك يطال اسرائيل ذاتها باعتبارها مشروعاً لكيان وحيد الطيف ( الديني – الاثني ) وهو امر تلاعبت به الدعاية الغربية – الصهيونية الغالبة في تشكيل الوعي العام الدولي من خلال خطاب متناقض المضمون لكنه افلح في اختراق وعي المواطن الغربي قليل الاهتمام بالشؤون التي تقع خارج نطاق هموم يومه ؛ هذه موضوعات تناولناها بقدر ما أمكن من الموضوعية بعيداً عن الخطاب السياسي في مرات سابقة عديدة .

اعود الى مقالة الوزير الصهيوني موشيه يعلون ( بمشاركة الباحث الصهيوني ليهي فريمان وهو خبير ستراتيجي اسرائيلي ) والتي تقع في الاطار المثلث الذي اشرت اليه ، وهو مثلث الأمل والنوايا وزرع الاوهام ، باعتبارها خلاصة واضحة لموقف الكيان الصهيوني التي تحقق البعض منها على ارض الواقع بفعل هشاشة المنطقة الذي فرضته عوامل داخلية وخارجية ، ومازالت المؤشرات على ان البعض الاخر في طريقه للتحقق في ظل الوضع الاقليمي الذي اشرت الى سماته الاساسية في بداية المقال وجزئيه السابقين واصطدام الامال والنوايا بحقائق المنطقة التي وجدت فيها منذ آلاف السنين ، وسأستخدم بعض العبارات والمصطلحات التي استخدمها الوزير بعد وضعها بين قوسي اقتباس لان لها معنى وابعاداً سياسية محددة يتعمد الصهاينة تكرار استخدامها لترسيخ بعض المفاهيم ، والاوهام أحياناً ، في عقول المتابعين .

وفقاً للوزير الصهيوني فان القضية الفلسطينية شكلت جزءاً مهماً من العلاقة بين العرب واسرائيل حيث رفض العالم ” العربي السني ” القبول بتأسيس دولة اسرائيل التي انشأت بموجب قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة عام ١٩٤٧ . ” لقد قبلت القيادة اليهودية بخطة التقسيم ” فيما اصرت دول المنطقة على عدم قيام الدولة اليهودية .

اود قبل الاستطراد في تقديم المقالة ان أوضح بعض المغالطات الفجة في هذه المقتطفات الصغيرة من المقال .

صحيح ان العرب رفضوا قرار التقسيم ولكن لاتوجد وثيقة واحد تؤكد ان اسرائيل الدولة قد قبلت به رغم انه ورد ذكره في بيان اعلان قيام اسرائيل على سبيل تعزيز الموقف الصهيوني وليس باعتباره الاساس القانوني لشرعية الدولة ، كما رفضته المنظمات الإرهابية الصهيونية التي شكلت العمود الفقري لكيان الدولة ومعين قادتها لحوالي سبعة عقود هي عمر الكيان ذاته ؛ هنالك مواقف كثيرة تعرضت لها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة استوجبت إعلاناً يتضمن الاعتراف بالقرار لكنها تجنّبته ورفضت إصداره ، ومن ذلك انها رفضت إصدار اعلان يؤكد التزامها بالقرارات الصادرة عن الامم المتحدة من اجل قبولها عضواً في مؤتمر باندونغ عام ١٩٥٥ ؛ لقد اشترطت الهيئة المنظمة للمؤتمر على كل من مصر واسرائيل اعلان الالتزام بقرارات الامم المتحدة كأساس لحل القضية الفلسطينية من اجل توجيه الدعوة إليهما لعضوية المؤتمر الا ان اسرائيل رفضت في الوقت الذي قبلت فيه مصر ووجهت رسالة الى الهيئة المنظمة بشأن ذلك ؛ كما لازالت اسرائيل ترفض المشاركة في اي عملية سلام اذا تمت الإشارة من قبل رعاتها الى القرارات الدولية كمرجعية للحل وهذا هو حال العملية التي ترعاها حالياً الولايات المتحدة حيث تصر اسرائيل والولايات المتحدة على استبعاد الإشارة للقرارات الدولية باعتبارها مرجعيات للحل معتبرين ذلك ” شروطاً مسبقة ” تفرض على المفاوضات .. هذه قضية في غاية الأهمية لان كامل الموقف الاسرائيلي يقوم على قضم وضم المزيد من الاراضي الفلسطينية والعربية ثم العمل على ترسيخ حلول تقوم على الاعتراف بما يسمى ” الامر الواقع ” وهذا المصطلح اصبح جزءاً من الاساس الذي استندت اليه المواقف الامريكية ومنها قرار ترامپ الأخير باعتبار القدس عاصمة اسرائيل .

يعتبر يعلون ان الموقف العربي والفلسطيني الموحد ازاء القضية الفلسطينية شكل عامل تعزيز لتوحيد المواقف العربية ضد ” العدو الصهيوني ” الذي يشكل وجوده تهديداً للأمة العربية ، وقد عمل هذا الموقف الموحد ازاء القضية الفلسطينية على ازاحة العديد من التناقضات بين العرب سواء منها ” الدينية او الاثنية او القبلية … الخ ” .

يعتبر يعلون ان هذا الموقف العربي كان يَصْب في خدمة العرب وليس الفلسطينيين ، ويقدم قضية اللاجئين باعتبارها نموذجاً ، حيث يرفض ” العرب السنة ” اندماج الفلسطينيين في مجتمعات دولهم ويصرون على اعادة الفلسطينيين الى ” اسرائيل ” وهو مايعني بالنسبة ليعملون دمار المشروع الصهيوني . من جهة اخرى ، وفقاً ليعلون ، فان الدول العربية التي تستضيف اللاجئين تتلقى الدعم الاقتصادي والتعويضات عنهم { ملاحظة : صفة لاجئ لم يبتدعها العرب بل هي صفة منحتها الامم المتحدة للفلسطينيين الذين اضطرتهم الحرب لترك وطنهم وأوجبت عودتهم الى بلدهم ومازال الامر كذلك . اما الحديث عن الفوائد التي تحققها الدول العربية من استضافتهم فهي زعم تافه لايستحق حتى الرد ومايقوم من قبل المجتمع الدولي لمساعدة الفلسطينيين مالياً يتم تقديمه مباشرة من قبل الاونروا داخل معسكرات اللجوء في قضايا التعليم والصحة والتشغيل ، وهذا المال يأتي معظمه من دول عربية غنية ومن دول غربية في مقدمتها الولايات المتحدة التي تستخدمه لاغراض سياسية تبتز من خلاله القرار الفلسطيني كما حصل مؤخراً من تقليص المساهمة الامريكية في ميزانية الاونروا لإرغام الفلسطينيين على الاذعان لقرار ترامپ حول القدس } .

يستمر يعلون في تعداد أوجه استثمار ” العرب السنة ” للقضية الفلسطينية لاغراض سياسية على حساب الفلسطينيين ؛ قد لايكون الزعم هذا خالياً من الصحة ولكن الأمثلة التي يختارها للبرهنة هي أمثلة بائسة وليست صحيحة . يشير على سبيل المثال الى تخلي مصر عن غزة في اطار اتفاقية كامب ديڤيد وتخلي الاْردن عن السيادة على الضفة الغربية بعد احتلالها من قبل اسرائيل عام ١٩٦٧ ؛ يعتبر يعلون ان ذلك استغلالاً للقضية الفلسطينية وللفلسطينيين بتحميل اسرائيل وزر حل المشكلة ، وكان يعلون يريد احتلالاً وأرضاً دون مشاكل الاحتلال ومسؤولياته ، وينسى ان تأسيس السلطة الفلسطينية في الاراضي المحتلة كان اكبر خدمة يقدمها النظام العربي الرسمي ومنظمة التحرير الفلسطينية في اطار اتفاقيات أوسلو لانها حررت المحتل الاسرائيلي من مسؤوليات المحتل ومنحته مكاسب تتمثل في السيادة العليا على ارض وشعب يحتلهما دون مسؤوليات ، وهذا ما اشرت اليه في حديثي خلال الجزء السابق من المقالة حول عدم واقعية الحلم الصهيوني وانفصاله عن العالم الحقيقي وما يمرره هي الدعاية وليس واقع الحال .

يشير يعلون الى المبادرة العربية للسلام التي قدمها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتبنتها قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢ ، ويعتبرها محاولة سعودية لإدامة علاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة والتغطية على صورتها كمصدر للارهاب بعد مشاركة خمسة عشر مواطن سعودي في هجمات سبتمبر ٢٠٠١ في نيويورك ، كما ان اجتياح ” الاٍرهاب الفلسطيني ” والمظاهرات عموم المنطقة منذ سبتمبر / أيلول ٢٠٠٠ ( انتفاضة الأقصى ) اصبح يهدد استقرار المنطقة وسوق الطاقة مما دفع السعودية لتقديم المبادرة .{ ملاحظة : من الواضح ان العقلية الصهيونية لاتستوعب آية امكانية لوجود نوايا سلمية لدى اي طرف عربي وهو امر لايثير استغرابي شخصياً خاصة حين اقرأ مثلاً كتاباً لشمعون پيريز يعتبر فيه ان احتلال اسرائيل لأجزاء من سيناء خلال العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ حرباً عربية ضد اسرائيل } .

تقوم المبادر العربية وفقاً ليعلون على عنصرين هما : انسحاب اسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧ وحل عادل لقضية اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية مقابل اعلان عربي بانهاء الصراع وتوقيع اتفاق سلام شامل وتطبع للعلاقات ؛ لكن يعلون يعتبر ان هذا نوع من الحل الإملائي ترفضه اسرائيل ولكن العرب كرروا تمسكهم به مما منحهم رصيد ثقة على المستوى الدولي ، لكن اسرائيل لاتستطيع القبول بالمبادرة لانها لاتتناول جوهر الصراع الذي هو الصراع ضد الاٍرهاب . { ملاحظة : هذا الزعم يتجاوز منطق تسلسل احداث التاريخ الذي يشير بشكل لالبس فيه الى ان احد العوامل الرئيسية لموجات الاٍرهاب في المنطقة هو الاحتلال وان جميع دراسات الاٍرهاب الحديثة تؤكد ذلك فضلا عن اعترافات متكررة بما فيها اعترافات غربية وامريكية انه لاحل لقضية الاٍرهاب دون حل لما اطلق عليه تقرير بيكر – هاملتون ام القضايا وهي القضية الفلسطينية … الوزير الاسرائيلي يحلق مجدداً في عالم من الأحلام الصهيونية التي تبعده عن تلمس الواقع خاصة وانه يخاطب في مقالته جمهوراً امريكياً وغربياً بالدرجة الاولى } .

من هذا الباب الغامض ، اي باب اولوية الحرب على الاٍرهاب ، يبدأ الوزير الصهيوني برسم معالم الواقع الجيوستراتيجي للمنطقة ويعيد وفق خليط غريب من الحقائق والاوهام اعادة تعريف معايير العداء والصداقة في الاقليم ومايترتب عنها من إمكانيات وافاق الصراعات والنزاعات ليخلص في نهاية المطاف الى ان اسرائيل ليست مشروع عداء بل ربما كانت حاجة ستراتيجية لأطراف معينة في المنطقة ، ولكن من وجهة نظره فان كل ذلك يترسّم وفق معايير الانتماءات الفرعية ، مادون الدولة وشعبها في المنطقة ، سواء كانت دينية او طائفية او اثنية ، بل وحتى قبلية وعشائرية .

الغائب الاول في الرؤيا الاسرائيلية هو مفهوم الشعب متعدد الاطياف والدولة الوطنية الموحدة لانها النفي المباشر للمشروع الصهيوني القائم على مايسمى بالاثنية الدينية ( Ethno – Religious ) وهو معيار لصياغة شعب وفق هوية افتراضية هي مزيج من عنصرين متناقضين : قرابة دم مفترضة ( قبائل اسرائيل ) ممزوجاً بالعقيدة الدينية ليخلص الى اكثر انواع العنصرية قتامة بصيغة شعب الله المختار ليس وفق معايير للخير او الفضيلة بل كتلة محددة من البشر دون غيرهم ؛ هذا المعيار تلتقي عنده دولتان في المنطقة هما اسرائيل وايران . تعتبر الاولى نفسها تجسيداً للحلم الصهيوني ورمزاً لوجود وتراث اليهود كشعب في انتظار المخلص ومعركة ارماغيدون التي ستنهي التاريخ وتعتبر الثانية ان التشيع هو هوية الشعب الايراني على تعدد اديانه وطوائفه واثنياته وان وجودها هو من اجل انتظار ظهور مخلص في اخر الزمان لقود معركة الخير النهائية ، ويلتقي المشروعان عند ” كورش ” المقدس لدى الفرس واحد أعمدة ثقافتهم عبر التاريخ وهو المقدس الوحيد غير اليهودي عند اليهود .

كيف يفصل الوزير الصهيوني رؤياه للمنطقة وما الت وستؤول اليه مصائرها ؟!!

يتبع

المقال السابقصدمة صادرة من الولايات المتحدة تجتاح الأسواق العالمية
المقال التالىأخـبِـرِيـنِـي
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد