مملكة الياقوت الاحمر – ج 1

 

إنها مملكة الممالك. لا حاكم فيها،لا ملك ولا منافق. لكي تدخلها عليك أن تعبر مت اهاتها وتجد ماسة الحكمة قبل أن تطرق بابها أيها المسافر!

تسير قمر ابنة الثالثة عشر دون هدف معيّن، تائهة على طرقات مدينتها الخالية التي لم يعُد تعرفها،تفتش عن صديقها شمس الذي أختفى دون أثر. لآ أحد يعرف اين أو أنهم لا يريدون لها أن تعرف! بالأمس القريب كانت تلعب معه منذ الصباح حتى بداية المساء. تركض معه الجبال والوديان يدا بيد، يضحكان مع عصافير الجنة تداعبهما اجنحة الفراشات. كانا يجلسان سوية يحلمان يدا بيد، بامتلاك العالم وجعله ملاذا لقلوب الأطفال المعذبة والشاردة في بحر هذه الحياة. كان شمس يعِدها بأنه عندما يكبر سيكون فارسا سيفه من نور يشق القلوب المتحجرة ليزرع في جوفها جذور المنتور والأقحوان، وشلوح مقدسة من جبال لبنان تُطيّبها بعطر رب الأكوان.

تستمر قمر في السير بحثا عن شمس وعيناها الجاحظتان تحدقان في الفراغ. تتضارب الأسئلة في راسها الصغير الذي يكاد ينفجر من هول النار والدمار، من لون الدماء وعيون الأشرار. من الرؤوس المعلقة والأجساد الممزقة. تريد أجوبة لا تجدها. يقولون لها أنها صغيرة جدا لكي تفهم الأسباب. ولكنها تريد أجوبة وأجوبة ملحّة. لم يعد بأمكانها النوم بأطمئنان خوفا من أن تفقد رأسها هي أيضا بعد رحيل فارسها شمس. فلقد وعدها يوما وهو يضمها الى صدره الصغير بأنه مهما حصل لن يفرقهما أحد، سيحميها من كل النبال ويجعل منها أميرة الجنان. أين هو الآن يوقِف سيل دموعها الذي لا يتوقَّف حتى لو أرادت. دموع حارة وطعمها مالح جدا، أكثر من الدموع العادية التي كانت تذرفها ساعة كانت أمها تنهرها لو رفضت أن تأكل أو ساعة كانت

تُهمل واجباتها المدرسية. نعم، هذه الدموع مالحة جدا بطعم الدماء وتجعل قلبها يشعر بالغثيان ولكنها لا تتمكن من أيقافها.

لم تعد قمر تصرخ ولم تعد تنبس بكلمة واحدة. جميع الأسئلة باتت سجينة رأسها الصغير ودموعها السائلة. تسمع الناس من حولها يتكلمون عن جن شرير زار المدينة فوقع في غرامها وأرادها له وحده، فاستبدَّ. زرع الدسائس وأسال الدماء بين الأخوة، فرَّقهم وقطع أوصالهم. هدّ المنازل وكل الأسس وجعل منها خرابة للبوم والغربان لعل ابنائها يرحلون وتبقى المدينة حلاله يغتصبها كما يحلو له ويشاء. أنه ابن الشيطان، عيناه فاهتا بركان يلفطان الحمم من حولهما. حيث يمر تحترق الأرض لهيبا لا شبيه له! شيطان تواجد منذ آلآف السنين، علّق على جبينه ماسة مزيّفة جبلها من بقايا ما دمّره وسرقه حيثما حلَّ وتواجد. هذه الماسة كانت هي مصدر قوته والمدينة وكل الجوار لا يمتلك القدرة على سرقتها منه وتحطيمها، لأنه فرقهم جميعا وأوهن عزائمهم وبقوا تائهين في صحراءٍ لا أحد يعلم نهايتها!

غرقت قمر في نومها من كثرة الدموع وأخذت تشعرمثل كل ليلة، بأنها تسقط في الهواء والأسئلة في رأسها تتضارب أكثر وأكثر. الماسة، هذه الماسة كانت كل ما يشغل راسها هذه الليلة. حتى وهي تسقط في الهواء كانت تبحث حولها عن هذه الماسة. ما هي وما لونها؟ لم تسمع بهذا الاسم من قبل. لماذا الجميع يخافون من هذه الماسة ولا يتجرأون حتى على المساس بها؟ هل سرقت هذه الماسة منها شمس؟ هل اخفته في داخلها؟ ترتعد وهي تسقط خوفا من أن تنتهي في قعر البركان، يتخفي صوتها فجأة من شدة الهلع وتحاول الاستنجاد دون جدوى. لن يسمعها أحد. ماذا تفعل، انها تهبط وبسرعة. النجدة النجدة انقذوني. ماما بابا شمس اين أنتم، انقذوني، لا أريد الوقوع في البركان،أنقذوني، ولكن لا يسمعها أحد. لم يعد باستطاعتها التنفس،إنها تتخبط بكل قوة لعلها تمنع السقوط… ولكنها تسقط أعمق وأعمق، الحرارة تشتد والعرق يغمر كل خلية من جسمها…. دوي كبير، أنه الارتطام… الصمت والظلام!

عيونها جاحظة في سقف الملجأ الذي نامت فيه ليلتها كون القصف كان مخيفا وشاملا. جسدها لوحة خشب جامد وكأن الحياة فارقته. الماسة، عليها أن تعرف كل شيء عن هذه الماسة المزيفة. أذا خرجت من ملجئها ستعمل على تملك اسرارها. عليها أن تسرقها وتنقذ منها مدينتها. صحيح أنها صغيرة في السن ولكنها فارسة منذ الولادة، هذا ما قاله لها شمس يوم تحدته في ملاكمة الأذرع وربحت التحدّي، أو أنه عمل على أن تربحه!

أحست فجأة أن الحياة بدأت تعود الى جسدها. نظرت حولها وتطمأنت أنها لم تمت ولم تسقط في قعر البركان. نهضت متعبة ولكن مهمة أيجاد أسرار الماسة والأنتقام كانت أقوى من أن يهدّها عدم النوم أو يردعها عن بدء رحلتها الغامضة، عما تخبأه لها، وعن نتائجها…. اليوم هدؤ والناس ستخرج من ملاجئها. خرجت قمر الى النور، حملت على ظهرها محفظتها المدرسية التي وضعت فيها بعض الطعام، وشمع من عسل الزعتر الشافي، وهدية قدمها لها شمس يوم ربحت التحدّي. لا تدري ما هي هذه الهدية كل ما تعرفه أنها كرة من بلور صافي حصل عليها شمس هدية من عرابته ( أي أمه الروحية في الحياة) نجمة، وقالت له أن يبقيها معه دائما، ستحميه وتعطيه الكثير من المعرفة ساعة يلتجأ أليها. لفّت قمر الكرة بمخمل أحمر جوري، أخذته من دولاب والدتها وتوجّهت نحو الغابة…

(يتبع)

شارك
المقال السابقبريزم.. ؟!!
المقال التالىفى ذكرى ميلاد العظيم د. جمال حمدان
سونيا نعمة الله الحداد، شاعرة وأديبة لبنانية - كندية، تكتب الشعر والفلسفة التشكيلية بلون ثصوفيّ. ديبلوم في العلوم السياسية والأقتصادية من الجامعة اللبنانية. ديبلوم في التصميم الغرافيكي، في المركز الكندي الشهير (أيكاري). أخصائية في التنويم المغناطيسي ومعلم ريكي(العلآج بالطاقة). رئيسة ومؤسسة المركز....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد