الإسلام في مواجهة الذات والآخر


 
الاسلام
لوحة للفنان قاسم الحسيني

ينبغي على من يدعو إلى الإسلام مبشراً وهادياً، ويمثل هذا النوع من الإسلام الإنساني المنفتح سلوكاً وفكراً، نصاً وروحاً وعملاً، أن يحسن عرض أفكاره وقيمه ومثله ومبادئه وأخلاقه على مختلف المواقع بأسلوب جذاب وشيق وجميل، بعيد عن التكلّف وغير استعراضي في عالم اليوم .. وهذا يتطلب بدوره من المثقف والداعية الديني المنفتح والمتمسك بالخطاب العقلاني والفكر الإنساني، العمل على ما يلي:

1.الاستفادة من أجواء وقوانين العصر ومختلف اختراعاته واكتشافاته، لبث أفكار الإسلام الإنساني وقيمه النبيلة وأصوله الأخلاقية السمحة، كما هي في واقعها الأصيل.. فالعولمة الإعلامية الهائلة، وثورة المعلومات والتقنية التواصلية الخارقة، التي قرّبت بين البشر على صعيد ارتباط مصائر العالم بأهداف إنسانية واحدة بقطع النظر عن السياسات الرسمية للإدارات الحاكمة، كلها وسائل حديثة تفسح المجال بقوة لمخاطبة الآخر بهدوء وعقلانية، وبلغة واعية، لبث وتأصيل تلك القيم الإنسانية، وتغيير الصورة النمطية السلبية المعهودة عن الإسلام والمسلمين، حيث أن الإسلام دين إنساني عالمي ختم الله تعالى به الرسالات والنبوات، وجعله صالحاً لما تبقى من عهود وعصور، كما يعتقد ويدعي أصحابه وأتباعه، وهذا ما يحتّم عليهم (على أتباع هذا الدين ونخبه ورموزه) أن يدعو إلى القيم الدينية الإنسانية بلغة العصر كما ذكرنا، وأن يواكبوا كل المتغيرات والمستجدات حفاظاً على أصالة الفكر وحيوية المعرفة الإسلامية، وصوناً لهذه الهوية من الضياع، روحاً وعقلاً على مستوى النص أو التأويل.

والهويّة التي أعنيها هنا ليست هي الهوية المغلقة الثابتة والجاهزة والمعبأة نفسياً وروحياً في نفوس الناس وفي عقولهم على نحو خلاصي اصطفائي، وإنما هي كل تلك المبادئ والقيم المعنوية الإنسانية الأصيلة (من حرية وعدل ومساواة وإخاء، وو… إلخ)، وهذه الروح الحية، وحالة النقاء الروحي الإسلامي المنطلق من فكرة المحبة لله، وفي الله، ومن أجل الله، التي –على ما يبدو- أصبحت آخر هموم كثير من رموز ودعاة الفكر والخطاب الإسلامي المعاصر الذين استغرقوا في السياسة والتنظيمات السياسية والعقائديات الدينية، ونسوا أو تناسوا أهمية الروح والعامل الروحي كأحد أهم مضامين ومكونات الفكر الديني الهوياتية.. فالهوية الأساسية المقصودة هنا هي هذه الروح الإنسانية الصافية المركوزة في كينونة الإنسان، والتي تحتاج إلى عوامل مؤهبة خارجية لاستثمارها في البناء والعمل والنماء المادي الحضاري لما فيخ خير وصلاح البشرية جمعاء.

2. ضرورة تعميق وتوسيع أسس ومتطلبات عمليات التجديد في أبنية الدين الفكرية، وبلورة صيغ معرفية عملية جديدة، يمكن أن تقدم الإسلام كفكر حي معاصر ومواكب للحياة والتطورات الإنسانية في الزمان والمكان.. ليكون فكراً إنسانياً أصيلاً، رافضاً للعنف والإقصاء والتكفير، كما هو في واقعه الذاتي، بعدما أحاطت به (وغلّفته) رؤى وتفسيرات مشوهة وشروحات منحرفة على مدى التاريخ كله.. بحيث نجعل منه موضعاً للاستقطاب الروحي والمفاهيمي، ونقصد بهذه الصيغ أو الأفكار ما يتناول قضايا العصر، ومستجدات الأحداث، وحاجات مجتمعاتنا المسلمة الكثيرة فيه، إذ علينا أن نواكب التطورات العلمية والفكرية والثقافية كما قلنا، ونسهم في تيارات العصر بإيجابية، وذلك عبر إبراز وتوضيح الرأي الديني الصحيح تجاه مختلف قضايا الفكر والمعرفة والثقافة المعاصرة.

وضمن هذا الإطار، لا يمكن تحقيق التجدّد من دون فاعلية عقلية حقيقية، شرحاً وتفسيراً وقراءات نقدية متجددة تقوم بها الثقافة النقدية التي ينبغي تعميقها في بنية الفكر الإسلامي.. وهذا هو دور العقل المعرفي العملي في فهم النصّ المؤسّس، حيث يجب أن يكون الفقيه والمثقّف متحرّرين من أيّ قيد أيديولوجي أو مزاجي في دراسة النص، وأن تكون الحرّيّة هدفهما ومنطلقهما في ذلك.. وهذا ما سيؤدي، عبر استمراريّة التجربة، وتراكم الفعل المسؤول والواعي، إلى تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير ديناميّة التحول الاجتماعي في مجالنا الإسلامي من كوابحها ومعوقاتها الذاتيّة والموضوعيّة، حتّى تأخذ التعدّديّة في السياسة والتعبير موقعها الأساس في تنظيم الخلافات والصراعات، وضبطها، وحتّى تتجه كلّ الجهود والطاقات نحو البناء، والسلم، والاندماج الاجتماعي والوطني، وتعميق موجبات العدل، والمساواة، والحرّيّة.

والفكر الإسلامي الحقيقي المطلوب منه التحرك باتجاه تفعيل تلك القيم، لا يمكن أن يعيش، ويتطوّر، ويتكامل، إلا بالتفاعل الصريح والواضح مع الواقع المعيش، وإنّ بقاء النص غائباً (أو مغيّباً) عن الواقع سيقلّص مساحة الحرّيّة أكثر فأكثر في داخل اجتماعنا الديني والسياسي.. وسيكرس فيه دوماً بقاء الحالة الحزبية السياسية الدينية بمعانيها وتجلياتها الأكثر عنفاً وتطرفاً..

3. التمسك بقيم المواطنة والمدنية والحداثة العقلية والآليات السياسية التداولية.. أي عدم تسييس الدين، أو تديين السياسة، في كل ما يتصل بطبيعة علاقة رجل الدين (والمثقف الديني) بالمحاور السياسية، واقتصار الارتباط بينهما (بين المثقف والسياسة) على مستوى التواصل مع العناوين الخارجية بما ينفع مصلحة المجتمع والناس ومقاصد الدين العليا.. ولا نقصد هنا ابتعاد رجل الدين عن الحياة العامة، وإنما أن يشارك فيها من موقعه كمواطن فقط (له رأيه وحضوره مثل باقي الأفراد والمواطنين في الشأن العام السياسي وليس الديني المختص به وحده دون غيره)، وليس كرجل دين يريد فرض قواعده وانتظاماته ومعاييره الدينية المقدسة على الناس والمجتمع وباقي التيارات. وهذا لن يتحقق إلا في ظل الدولة المدنية، دولة الحق والكرامة الإنسانية. دولة التداول السلمي للسلطة، والتنافس ليس في الوصول إلى الكرسي، بل في خدمة الناس وتطوير المجتمعات.. وهذه الدولة (الدولة المدنية=دولة الإنسان والكرامة الإنسانية) هي المؤهلة فقط للقيام بدور فعّال في تعزيز دعائم “الوحدة الوطنية” في مجتمعاتنا المتنوعة والفسيفسائية، من منطلق كونها الوحيدة القادرة على احتواء التنوعات الطائفية والإثنية والقومية والمذهبية تحت عنوان المساواة والمواطنة الصالحة وحكم القانون، وعدم السماح باختراقها أو استهدافها بمشاريع أيديولوجية أو مذهبية أحادية من شأنها تفجير كيان الدولة، ومحو هويتها، وتفتيتها إلى أشلاء كيانات اثنية ومذهبية متصارعة، في ظل ازدهار للنزعات الانفصالية والاستقلالية.
ولا شك أن بناء الدولة المدنية كما قلنا، هو شرط التنوع وازدهار قيم الاعتدال والانفتاح، وهذا بدوره مرهون للإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي والتعليم وتعزيز مكانة المرأة، ودورها وحضورها في المجتمع المسلم بعيداً عن نماذج التشويه التاريخي لها، ومع استحضار فاعل للنماذج المتألقة في هذا التاريخ.

4. تقوية المؤسسات والهيئات الدينية والاجتماعية المعتدلة، في مواجهة نوعين من الغلو والتطرف، أولاً: تطرف الحكام والمؤسسات الرسميات التي تسببت بهذا الخراب الروحي والمادي الهائل الذي طال واقع هذه الأمة، واضطرها للخنوع والركوع أمام الآخر طلباً للعيش الوجودي الآمن.. وثانياً: تطرف وعنف وغلو تنظيمات وجماعات الفكر الجهادي الدموي، وعموم الحركات الراديكالية المتطرفة..
والهدف من وراء تقوية ودعم فكر الاعتدال ومؤسساته ونخبه، وتأمين موارد مادية لهم للنهوض والقيام بمسؤوليته، هو فسح المجال لهم لتقوية وجودهم وإنشاء مراكزهم وقواعدهم المطلوبة لتلك المواجهة، بهدف سحب البساط من تحت أرجل دعاة الغلو والتطرف الرسمي والديني، وكسب ثقة الجموع المؤيدة لتلك الحركات، ونقْلها بوعي وقناعة إلى خيارات والتزامات جديدة وسطية معتدلة، مرتبطة بمصالحها الواقعية، فالناس لا تريد سوى تحقيق أمنها واستقرارها وتأمين متطلبات عيشها الصحيح.
إن تشجيع الأفكار المنفتحة والتفسيرات الدينية العقلانية الهادئة التي تعيد للدين ألقه وفكره المتسامح الرافض للغلو والتطرف، وربطه بدورات الإنتاج والفعل والحضور لأتباعه في ساحة الحياة والعمل، وجَعْل الناس ترى وقائع عيانية مادية حقيقية ماثلة أمامهم عن تلك القيم الإسلامية الأصيلة المنفتحة، هو الأمر الأشد تأثيراً في نقلها من التطرف والغلو إلى الوسطية والاعتدال، فالفكر إذا بقي محلقاً في الفضاء بلا تأثير وقدرة على إثبات الذات والوجود والحضور، لا معنى ولا قيمة له، ولن يهتم به أحد إلا بالأحلام.. حتى الدين نفسه لا بد أن يعايش تجارب الناس، وينزل إلى أتون محرقة الواقع من دون أن يحترق بلهيبها… بطبيعة الحال..

5. ربط المثقف الديني النقدي بقضايا الحياة والعصر المتحرك والمتغير بعيداً عن لغة الأيديولوجيا الشمولية والقناعات المزيفة، بما يمكن أن يؤدي لاحقاً إلى تحريره من سيطرة العقلية الدوغمائية المزيفة التي أسهمت في وصول مجتمعاتنا إلى ما هي عليه الآن من دمار فكري وأخلاقي مريع نتيجة هيمنة أفكاره المعلّبة، وتصوراته المغرقة في رومانسيتها الحالمة.

وعلى هذا الطريق، ما ينقصنا نحن اليوم –على طريق تفعيل وإعادة الروح لمشروعنا النهضوي العربي- ليس الرؤى التنظيرية فقط، وهي متوفرة وخياراتنا فيها واسعة بطبيعة الحال، بل ربما هناك حالة تضخم فكري وفائض أيديولوجي حولها.. ما ينقصنا هو معرفة شيء واحد، وهو أن النهضة لا تصنعها الأفكار فقط، بل توفر الإرادة القوية، وهي غير حاضرة، أو مشلولة اليوم، بل وتتم مواجهتها –في حال حضورها- بالقوة والعنف.. فالعقل النخبوي السياسي العربي المسيطر ما زال موضوعاً “غير قابل”، أي رافض وغير قادر على تقبّل فكرة وجود شعوب حرة ذات إرادة واعية، تصنع نهضتها بوعيها ومواهبها وطاقاتها الهائلة، ويقتحم أبناؤها مجالات ومواقع الإبداع والإنتاج والتطور العلمي وغير العلمي.. فهذا غير مسموح البتة في كثير من مواقع اجتماعنا الديني العربي والإسلامي، فقط لأن القائمين على أمر هذا الاجتماع غير قادرين على تقبُّل فكرة أن تشاركهم شعوبهم في صناعة القرار والمستقبل، وتقرير مصيرها بنفسها وبإرادتها..

المقال السابقكرهت الربيع العربي: السودان (الحلقة 3)
المقال التالىمصر..الإستقلال التان .. ياندان بيكنان
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد