قصة الأعمى الذي يرى


 

عاد الي منزله علي غير عادته فاضطجع في فراشه … فراي فيما يري النائم احد عشر كوكبا و بينهما كوكب واحد يسير في السماء المظلمة … يسير وحيدا في برد قاتل و صحراء موحشة… التقاه في المنام فبدا له غاضبا صائحا ’’ لماذا اضعتم الفرصة الاخيرة و قد كدتم تصنعون امجادكم من جديد فصار حالكم حال اعمي يعقد اللؤلؤ و لا يصيب .

لم يترك لي الفرصة كي اجيب ….

انفلت وسط الجموع الهادرة الغاضبة و هو يصرخ ’’ ايّها العميان من بقايا هذا الزمان … رعاع و همّج, نصّابون و غلمان … ها انتم تنامون في الشوارع و تلتحفون الاعلام … افق ايها الانسان المهان و لا تكن ذبابا يطرق كل الابواب و يستجدي موائد و فضلات الطعام … سر خلف الشباب و لا تطعمه احلام الغياب و تجعله يتيه وراء سراب … و لا تنحز لمن يدفع اكثر و يسيل اللّعاب … من بقي من الرجال ؟؟ لقد اضعتموهم في نصرة الأقصى و اعدمتوه يوم عيد الأضحى و سلّمتم ارضكم لمسيلمة الكذّاب و استقبلتموه بالتّرحاب …

من بقي منكم من الرّجال ؟؟

اسلمتم علي يد ابي بكر البغدادي وصلتم لجدود الشّام في جنح الظّلام تحت غطاء الاسلام ثمّ الحجّ الي باريس و لندن و سلمتم خراج مكّة لنا كناكحي النسوان فلو رايتم مؤخّراتكم لتمنّيتم ان تمسخوا كالحيوان و قد اقسمتم علي المصاحف ايها الغلمان ..

يا حفنة من الاعراب ما دخلتم قرية الا لتفسدوها في بلد يولد من قبر بلد و انتم ملوك و عبيد للابد … دعك يا هذا من نفاق ابي لهب فليست الكثرة دوما بالعدد …

قال ثمّ اختفي وسط الزّحام فهتفت اريد اللّحاق به و لكنّ الحائط حال بيني و بينه و تركني وحيدا في الصدى خائر القوي كصفصافة متعبة هزّها الهواء… تظاهرت بكوني اعمي كي لا اري فأدرت وجهي و بحثت عن وجهتي فلم يعرني احد اهتماما …

عدت ابحث عنه عن صورته في الزّحام و قلت في نفسي ’’ لماذا تركتيني وحيدا ارقص في ليل مأساتي و افرّ من ذاتي الي ذاتي افتّش عبثا عن صباحاتي و اهذي من حماقاتي لا الارض ارضي و لا السماء سمائي …

اسكنت احلامي بواد غير ذي زرع فأبحرت الي وجهة غير معلومة . شرّقت غرّبت و هلّلت و كبّرت … طارت احلامي و هي باقية و ان غادرت قلت و قد اعياني الرّحيل و اضعت القافلة و الدّليل ’’ في وسعك ان تكون و ان تعبر حلمك نحو الجنون و تتخلّص من خطاياك كي تكون.

جريت … صرخت … اردت اللّحاق به فلم يترك لي الفرصة ليسمعني .. لسعني البرد و هذا الشتاء يزحف . تهت و اضعت الوقت في اختيار الحذاء دون الطريق….

ركضت … صحت … لهثت … لمحته هناك واقفا ضاعفت من سرعتي حتي ادركته … و حين وصلت رايته جسدا ممدّدا بدون حراك . لمسته كان جسما باردا .. انحنيت و اخذته بين ذراعي لأسقيه شربة ماء و لكنه اسلم روحه بين اصابعي … تزاحمت حولنا الجموع .

هتفت به لماذا لا تنتظر بضع دقائق ؟ كانت عيناه مفتوحتان بلا حراك و كان سيبعث من جديد لو وصلت قبل خمس دقائق .. خمس دقائق كانت كافية لإسعافه .

حاولت التقاط انفاسي و كان قلبي يدقّ بلا نظام … كنت اهذي و انا اتعرّق … اتجمّع و اتفرّق…

اصبحت كل ليلة اتواصل معه في المنام … احادثه و يسمعني … اجد صعوبة في جمع شتات افكاري لأعلمه بالجديد .. يعجز اللسان عن التواصل ويقرع اسمه راسي العنيد .

لا اكفّ عن السؤال ’’ هل احرمنا بحقّ البلاد او العباد ؟ و هل سلّمنا ثمرة اتعابنا للغرباء, فأهديناهم ثيابنا و لبسنا ثياب الحداد ؟ التلفزيون العنيد في خبر عاجل يعلن ’’انجز الشعب ذات جانفي ثورة ’’ ثم تأتي مذيعة الارصاد الجوية الجميلة لتقول عن طقس الغد ’’ ريح شرش و زوابع رعدية ’’.

تمطر … لا تمطر و العجيب حتي الحيتان الكبيرة تنتظر المطر ’’

راي نعشه ممدّدا في القبر … لم يرافقه الي مثواه الاخير غير النزر اليسير … تواترت بذاكرته صورة كارل ماركس صاحب راس المال … مات فقيرا و لم يحضر جنازته غير احد عشر شخصا بمن فيهم الموظف المكلّف بالدّفن .

هل من فائدة لاستحضار التاريخ ؟ .. مازلت تكتب كي لا تصيح او تمحو من ذاكرتك نحيب الرّيح …

لا تعليقات

اترك رد