وثائق بنما وتبييض الأموال!


 
بنما

نشر موقع ويكيليكس الذي يشرف عليه ادوارد سنودن الذي أثار ضجة كبرى خلال السنوات الأخيرة، لتسريبه معلومات خطرة، وثائق جديدة عُرفت باسم وثائق بنما، واعتبرت هذه الوثائق ” أكبر تسريب في تاريخ الصحافة” ، لاسيّما كشفها تورط عدد من السياسيين والمسؤولين الحكوميين وشخصيات عامة في الشبكات المالية غير المشروعة، العاملة في ملاذات ضريبية سرّية (أو فراديس) تُعرف بـ أوفشور.

وبغضّ النظر عن ردود الفعل الروسية التي أثارت شكوكاً حول نزاهة مشروع وثائق بنما، والتي اعتبرتها موجهة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحديداً، بل إنها مؤامرة أمريكية صرفة، تم تمويلها من وكالة (يوسايد) أي “وكالة التنمية الدولية الأمريكية” وجورج سوروس الأمريكي الهنغاري الأصل تحديداً، فإن ما نقلته الوثائق يطرح أسئلة ذات دلالة مهمة بخصوص خبايا السياسة والسياسيين وخفاياهما، ليس في عالم المال فحسب، بل علاقة هذا المال التي تجري محاولات لتبييضه، بالجريمة المنظّمة والارهاب والاتجار بالبشر والمخدرات والسلاح وغير ذلك. وتكشف الوثائق كيف ساعدت شركة موساك فونسكا الشديدة السرّية والغموض، وهي شركة خاصة بالخدمات القانونية، زبائن على غسيل الأموال وتفادي العقوبات والتهرّب من الضرائب.

ربما نستطيع أن “نتفهم” إن معارضين أو “ملاحقين” لأسباب سياسية، قد لا تروق وضعياتهم للجهات الدولية المتنفّذة أو حتى المحلية، يحاولون إخفاء أموالهم، فضلاً عن توظيفها لكي تأتي بالأرباح عليهم وعلى حركاتهم السياسية، لاسيّما وهم غير مطمئنين لوجودها في بلدانهم الأصلية بحكم التعقيدات السياسية، ولكن من الصعب الاقتناع لماذا يحاول مسؤولون، وهم في قمة السلطة، أو كانوا فيها للأمس القريب، إخفاء أموالهم، فضلاً عن توظيفها خارج بلادهم؟ فما بالك إذا كان كل ذلك يتم بطريقة سرّية وغير شرعية، وباستخدام حيل قانونية للتملّص من جريمة غسيل الأموال، أو التهرّب الضريبي أو التورّط بأعمال خارج القانون أو محرّمة دولياً.

لقد عملت شركة موساك فونيسكا وهي جمعت اسم المحامي الألماني غوردان موساك والمحامي البيروني رامون فونسيكا، طوال 40 عاماً، ولم يكن أحد يتصوّر إن الاتهامات والشكوك ستلاحقها كما هو حاصل الآن، لكن تسريب وثائق بنما وضع المسألة برمتها على طاولة البحث والتحقيق وقد تبقى لفترة طويلة، ليس بخصوص أوضاع الحاضر فحسب، بل لكل تاريخ هذه الشركة التي استطاعت اقتناص هذا العدد الهائل من الشخصيات العامة.

والدليل على أهمية هذه الوثائق هو مشاركة هيئات ومؤسسات إعلامية مهمة مثل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين مع نحو 100 وسيلة إعلامية من أهمها الـ BBC وصحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة لوموند الفرنسية وتلفزيون WDR الألماني في الاستقصاء والبحث وإجراء مقابلات، بهدف التأكّد من صحة ما ورد فيها، وذلك في إطار بحث الإعلامي عن الحقيقة، كما ضم فريق العمل الاستقصائي حوالي 400 إعلامي، وسيتم نشر الوثائق كاملة حتى نهاية مايو /أيار المقبل (2016). وكان من أولى ضحايا وثائق بنما هو رئيس وزراء آيسلندا غوتلوغسون الذي اضطر للاستقالة من منصبه بعد أن تعرّض إلى إنتقادات وضغوط شديدة، إثر كشف الوثائق عن أموال سرّية يملكها هو وزوجته.

ولعلّ الجريمة التي يحاسب عليها القانون ليس امتلاك شركات عابرة للقارات والقيام بنشاطات تجارية ما فوق قومية، وإنما هو الوجود الوهمي لتلك الشركات أو المؤسسات، والأهداف التي تقف خلف التستر على مالكيها الأصليين الذين يسعون لامتلاك أصول مالية سرّية في الخارج بعيداً عن دائرة الضوء والرقابة.

من الدلالات الأخرى لإخفاء السياسيين مصادر أموالهم وأصولهم المالية أن هذه الأموال قد تكون جاءت عن طريق غير شرعي، ويتم توظيفها كذلك بصورة غير شرعية، وأحياناً تجاوزاً على القوانين الوطنية والدولية، بما فيها أساليب التجارة غير المشروعة، وقد يكون من بينها التورّط في أعمال إرهابية أو محظورة قانوناً.

إن تبييض الأموال في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الاعلام والطفرة الرقمية ” الديجيتل”، يعطي نتائج سريعة وأحياناً خارقة. ويقدّر صندوق النقد الدولي إن ما بين 2-5% من الناتج الإجمالي العالمي يأتي من التجارة غير المشروعة، وهذا ما يحصل عبر شركات الأفشور المتداخلة.

وكانت الولايات المتحدة قد بحثت مطوّلاً لوضع يدها على أصول مالية وشركات متنوّعة قيل إنها تابعة للنظام العراقي السابق أو لبعض أنصاره، لكنها لم تصل إليها ولم تكشف لنا الوثائق وجودها، على الرغم من الفساد الذي ساد فترة الحصار الدولي، وخصوصاً ما عُرف بمذكرة ” النفط مقابل الغذاء”، لكن هذه الوثائق وغيرها كشفت عن تداخلات لبعض أركان النظام الحالي في العراق، لاسيّما في ظل هشاشة البيئة التشريعية وغياب إرادة سياسية لمكافحة الفساد المالي والإداري، حتى أصبح العراق من أكثر البلدان في العالم يعاني من هذه الظاهرة، حسب تقارير منظمة الشفافية العالمية.

وقد كانت واشنطن من أشد المتحمسين ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على مكافحة سياسة تبييض الأموال، ولكن النتائج كانت مخيّبة للآمال، بل إنها كانت شريكاً بتشجيع الفساد وهدر المال العام ، وهو ما حصل إبان فترة الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر 2003-2004، حين بدّد ما يزيد عن 8 مليار و800 مليون دولار أمريكي، قال إن 780 مليون دولار منها قدّمه على شكل منح ومساعدات للمجتمع المدني وجهات إعلامية. وهكذا كان فيروس الفساد ينتشر لدرجة الوباء في ظل غياب المساءلة والشفافية، وتعطيل الإرادة السياسية وضعف هيبة الدولة ونظام المحاصصة الطائفي والإثني.

وتمرّ عملية تبييض الأموال بثلاث أدوار، الأول هو توظيفها وذلك بالتخلص من الكميات النقدية الكبيرة، ولاسيّما التي تأتي من خلال مصادر مشبوهة، والثاني، هو تجميعها، من خلال فصل الأرباح غير المشروعة عن مصدرها، أما الدور الثالث فهو الخاص باندماجها في الاقتصاد، من خلال شراء عقارات وإقامة مشاريع وغير ذلك لكي تكون ضمن الدورة الاقتصادية.

متى يعرف الرأي العام العربي لماذا يخفي سياسيون في موقع السلطة أموالهم ويذهبون بها بعيداً عن مكان إقامتهم؟ إن سؤالاً من هذا القبيل هو بحد ذاته علامة استفهام قبل التحقّق من الوثائق، التي تفترض مساءلة من موقع المسؤولية القانونية بما يلحق ذلك من ضرر بالبلاد والعباد وبقضية التنمية المستدامة ومستقبلها؟!!

لا تعليقات

اترك رد