التنفيس والتهويس

 

حاول لص سرقة بنك ، فدخل البنك، شاهرا مسدسه في وجه أمين الصندوق، وسلمه ورقة كتب عليها: “سلمني كل ما لديك من مال دون كلمة وإلا أطلقت النار عليك”. ابتسم أمين الصندوق وسلمه المال بكل أريحية. والسبب هو أن الورقة ما هي إلا كشف حساب الراتب من الشركة التي يعمل بها الرجل/ اللص، ومسجلٌ فيها اسمه وعنوانه بالكامل، وقد كتب رسالة التهديد على ظهرها، وقبل وصوله الى المنزل وهو يحمل المال وجد الشرطة بانتظاره.

*****
يمكنك أن تنعت هذا اللص بالغباء والحمق، بل قد لا تصدق القصة في الأساس، وتقول: إن هذا ليس لصًا، فلا يوجد لص بهذا العبط. وهذا وارد بالفعل، حتى إن أحد المحامين القدامى، جاءته قضية قتل، والمتهم فيها مقبوض عليه من الشرطة، وكان الدليل الدامغ في القضية: العثور على البطاقة الشخصية للمتهم في موقع الجريمة، فضحك المحامي المخضرم، وقال: براءة مقدما، فلما سألوه عن ذلك، أجاب: بكل بساطة، لا يوجد قاتل يلقي ببطاقته الشخصية في موقع الجريمة، فهناك من سرقها منه، وألقاها. فعادوا يسألون المحامي: وهل تستطيع الوصول إلى اللص؟ أجاب: نعم، وبأيسر السبل، فاللص يعرف المتهم جيدا، ويتآمر عليه. وسنبحث في هذه الدائرة.وهو ما نجح فيه المحامي بالفعل، وقدّم الجاني الحقيقي، وكان صديقا للمتهم.

*****
عندما يتعاظم الفساد في بعض الحكومات، ويكاد شعبها أن يصل إلى حافة الانفجار، يتدخل أحد الساسة متظاهرا بالدهاء، متوجها بالنصح إلى صناع القرار بامتصاص غضب الجماهير، ومنع هوسهم وصخبهم، وذلك بإنتاج بعض الأفلام السينمائية، التي تعبر عن هموم الشعب، وبالتالي تجد الجماهير أن ما تهمس به سرا، يقال علانية وعلى الشاشة الفضية في السينما؛ فتهدأ، وتنصرف إلى حياتها العادية بكل مصاعبها، فيكون الفيلم تنفيسا عن هوس الاحتجاجات الجماهيرية.

ولكن الداهية السياسي نسى أن القضية ليست تنفيسا، وإنما مأساة شعب قد ينفجر في أية لحظة، ويكون الانفجار دمويا وناريا ومدمرا، وهو ما حدث، ولا يزال يحدث أمامنا. مما يجعلنا نستحضر فكرة اللص الغبي، الذي سرق وترك عنوانه، أو القاتل الأحمق الذي ترك البطاقة الشخصية لغيره، فالنظم الفاسدة تتوقع أن التنفيس عن الشعب، يعني أن كل شيء قد انتهى، ولا تعرف أنه قد يكون المسمار الأول للانفجار، التي تنتظر لحظة الاشتعال التي قد تتعجل أو تتأخر، ولكنها ستأتي مهما طال الزمن، وتعاظمت المحن، فتلك سنة من سنن الله.

*****
والمثال على التنفيس المصطنع، هو فيلم ” التقرير” ( 1986م)، من بطولة وإخراج: دريد لحام، ومعه عدد من النجوم والفنانين المشهورين في هذه الحقبة، وقد كتب السيناريو المبدع “محمد الماغوط”، وجاءت القصة بقالب كوميدي ماتع .

الفيلم يدين الفساد الذي نخر في البلاد في عهد حافظ الأسد، من خلال تقرير مفصل عن وقائعه يكتبه بطل الفيلم عزمي . وتكمن المفارقة في أن الفيلم أنتجته الدولة ، ممثلة في المؤسسة العامة للسينما. وهو روائع السينما العربية بلا شك. الفيلم بكل المقاييس ساخر، وقد أدانه بعض النقاد والمثقفين العرب فلا يليق أن يتحول الفن إلى تنفيس وإلهاء للشعوب، ولكن هناك وجهات نظر أخرى مخالفة.

*****

يعرض فيلم” التقرير” قصة عزمي بك، المستشار القانوني المسؤول عن استخراج التصاريح في إحدى المؤسسات الحكومية, لكنه وعلى غير العادة يمثل قمة الاستقامة والنزاهة والضمير الوطني، والحرص على الصالح العام, وعلى الرغم من الضغوط التي يتعرض لها إلا أنه يظل متمسكا بمواقفه، مؤكدا أن قوته كامنة في إخلاصه الشديد في العمل وهذا وحده يحميه، دون دعم أي جهة عليا.

وكانت الحادثة الكبرى التي أطاحت بالمستشار، عندما رفض عزمي بك التوقيع على ميزانية الاحتفال بمشروع الحنفية ، والذي هو مشروع صغير لتوصيل المياه. فالكارثة أن ميزانية الاحتفال تصل إلى ضعف ما تم إنفاقه على المشروع كله.

وتلك من أعراض الاستبداد والفساد، عندما يتم التغني بمشروعات بسيطة، على أنها إنجازات عملاقة، فالمهم هو الصورة الملتقطة في النهاية، ويظهر فيها المسؤولون، يرتدون السترات الأنيقة، والنظارات الشمسية، وقد لمعت شعورهم ووجهوهم، وبالطبع فإن كادر الصورة يشمل الوزير وكل المسؤولين أسفله، وأعلى الكادر صورة الزعيم المفدى ” الأسد” ، راعي النهضة والمشروعات العملاقة.

يقرر عزمي الاستقالة من عمله، ومعه سكرتيرته الخاصة كذلك ، ويعكف على كتابة تقرير مفصل، يسجل فيه كل مظاهر الفساد، ليرفعه إلى المسؤولين، الذين حتما لن يشكوا في صدقه وإخلاصه، فقصة استقالته تتردد على الألسنة كلها.

يقضي عزمي شهورا في كتابة تقرير شامل وافٍ مدَّعم بالصور ؛ عن كل ما يراه من مهازل يومية لتقديمه للجهات العليا، وفيه مختلف جوانب التسيب الإداري.

وعندما ينهي كتابة تقريره، يحاول الاتصال بالمسؤولين فتخبره سكرتيرته التي ساعدته في إنجاز التقرير: إن المسؤولين جميعهم في ملعب كرة القدم يحضرون مباراة مهمة. فيتوجه عزمي إلى الملعب ويطلب من الحَكَم وقتاً مستقطعاً لأهمية الأمر، إلا أن الحَكَم يتجاهله وتدوسه أقدام اللاعبين حتى الموت بينما تتطاير أوراق التقرير، أما المسؤولون فهم مشغولون بأحداث المباراة.

مسكين عزمي، راح ضحية إخلاصه وحسن ظنه، فهو أشبه باللص الغبي سارق البنك، مع الفارق طبعا، فاللص كان مهتما بالحصول على المال فقط، دون النظر إلى أمور أخرى، وهو نفس مع فعله عزمي، الذي انخرط في التقرير ولم يقرأ الواقع ولا أبعاده، وكلاهما سقط؛ اللص في قبضة الشرطة، وعزمي بين أقدام اللاعبين.

معلومة لم تذكر:

لم ينتبه عزمي إلى أمر مهم، فبعد تقديم استقالته، قامت السلطة بتعيين موظفة مغمورة مكانه، لا يهمها إلا مصالحها الشخصية، فوقّعت على كل المعاملات المطلوبة، فإذا كان “عزمي” مخلصا واستقال، فإن هناك آلاف الموظفين المستعدين للقيام بكل ما هو مطلوب وأكثر، فحتما سيستفيدون من الغنيمة.

معلومة أخرى لم تذكر:

ترددت في الفيلم، أغنية لبنانية ، وكانت منتشرة زمن إنتاج الفيلم، وتقول كلماتها:

صيدلي ياصيدلي ياصيدلي
بدي دوا إلها ، وبدي دوا إلي
قلبها صاير صاير صاير شعلة نار
وقلبي قلبي قلبي عم يغلي غلي
عم يغلي عم يغلي عجل ياصيدلي

الأغنية غرامية، ولكنها تعكس جزءا من الواقع البائس، فالفساد منتشر، والشعب يئن اقتصاديا واجتماعيا، ومع ذلك فإن الألسنة تغني مستمتعة، تطالب الصيدلي بدواء ، لأن قلبي الحبيب والحبيبة يغليان حبا وولهًا، ولا حل إلا بدواء عاجل من الصيدلي.

*****
لا تتعجب من سلوك الموظفة المغمورة، التي انخرطت في الفساد مباشرة، دون تردد أو خوف، فهناك مغمورون في قعر السلم الوظيفي، يتظاهرون بالقناعة بما هم فيه، ولكنهم يتحينون أي فرصة ليصعدوا على” وش” الدنيا، باقترابهم من أحد المسؤولين.

وقد تناول ذلك أحد الأفلام التلفزيونية المصرية، حيث اختار المدير العام الجديد في مؤسسة حكومية كبرى؛ أحد الموظفين الصغار من قاع المؤسسة الممثل في إدارة الأرشيف، ويقول له بكل وضوح: سأجعلك سكرتيرا خاص لي، وأنت نكرة لا تساوي شيئا، فإياك أن تفكر يوما أن تخالفني، وإلا أرجعتك إلى حيث كنت أو إلى السجن.

وتكون المهمة الأساسية للسكرتير هي التكتم على أسرار المدير العام وسرقاته ونزواته، في مقابل تمتع هذا الموظف بكل المزايا المادية الرسمية وغير الرسمية من ميزانية المؤسسة.

يخرج المدير العام إلى المعاش، ويجد السكرتير نفسه دون سند. وحين يتسلم مدير عام آخر جديد، يدخل السكرتير عليه، مقدما نفسه إليه بأنه يعرف كل الخفايا في المؤسسة، وسيكون ساعده الأيمن المؤتمن الكتوم، فيغضب المدير العام الجديد ويصرخ: أنا جئت هنا لإصلاح الفساد، وتقويم الاعوجاج، فأنا حريص على الصالح العام، ولا مكان لأمثالك بجانبي. ومن ثم يعيد المدير السكرتير إلى الأرشيف.

ثم يختار موظفا آخر ليكون سكرتيرا جديدا، ويغريه أولا ، ثم يهدده ويتوعده.

*****
إن الفساد دائري في منظومته، هرمي في بنيته، تكراري في أحداثه، وقد نظن أن الفاسدين لصوص أغبياء، يتركون عشرات الأدلة والشهود عليهم، ولكننا ننسى أن منظومتهم لحمة واحدة: تحمي بعضها البعض، ويتستر اللاحقون على السابقين.

لا تعليقات

اترك رد