اللحية


 

«ربما تكون هذه أول مرّة تقوم فيها امرأة بكتابة بحث علمي عن جسد الرجل وشكله،» صرّحتْ للجميع. «لطالما كتب الرجال عن جسد المرأة وكيف يرونه هم. حان الوقت لنغيّر ذلك.»

تستغرب أحياناً أنك لم تعر انتباهاً لبعض التفاصيل. اللحى مثلاً. هذه مستديرة وكثّة، وتلك نهاياتها حادّة، وأخرى مصبوغة باللون الأسود، أو البني. البعض يهتمّ بها ويتفنّن في تشذيبها، وآخر لا يهمه كيف تبدو للآخرين.
بعد الانتهاء من حفل عيد ميلاد رامي، بقي الحديث عن اللحى محط اهتمام جميع الحاضرين.
بدأ صديق العائلة توفيق، صاحب اللحية الكثة، بشيء من التفاؤل والأمل: «أشعر بالوقار مع لحيتي. بدونها أحسّ بأي مراهق.»
ضحكَ أكرم، وأردف: «لي صديق يربي لحيته كي يخفي عيوب وجهه.»
أضافت بسمة: «كثيرون لا يحلقون لحاهم نتيجة الكسل.»
أكّد عمّار أنه يطيل لحيته كي يبدو أكبر سنّاً ويلفت انتباه الفتيات إليه.
«دعونا من كلّ هذا،» قالت خالدة. «أريد معرفة أسباب التنوع. هل للجانب النفسيّ دور في ذلك أم أنه الركض وراء الموضة؟ انظروا إلى شباب اليوم. أغلبهم يميل إلى إطالة لحيته بشكل يختلف عن السابق. قبل أيام صادفتُ شاباً في بداية عقده الثالث يمشي محتضناً باقة من الزهور امتزجت رائحتها برائحة عطره القويّة. أُصبتُ بالذهول وأنا أشاهد طريقة تصفيف شعره وشكل لحيته العجيبة.»
«كيف كانت لحيته؟» سأل رامي.
«لحية لا أستطيع وصفها. متناثرة وكأنها جُمعت بالكاد من أماكن مختلفة وألصقت على وجهه. أما شعر رأسه فكان على شكل خطوط متوازية وأخرى متساوية في التدوير، وبين كلّ خطين متوازيين مسافات تضيق تارة وتتوسّع تارة أخرى.»
تنهدت مريم وأعقبت: «المتديّنون من المسلمين يرون أن اللحية يجب أن لا تزيد عن أربعة أصابع مضمومة. أما الصابئة المندائيون فيطلقون لحاهم دون قصّ أو تشذيب. وكذلك يفعل المتديّنون في ديانات أخرى في الهند والباكستان وأندنوسيا والصين واليابان وغيرها. ولكني أريد أن أفهم العلاقة التي تربط اللحية بالدين، وهذا الاهتمام الزائد بها دون أشياء أخرى.»
في صحوة مفاجئة، قررتْ بلقيس أن تكتب بحثاً مُطولاً عن اللحية. شغل الموضوع تفكيرها ولم تعد تسمع ما يقوله الآخرون. بعد قليل بدأتْ تتفق مع الأصدقاء عن الطرق الممكنة لالتقاط صور مختلفة لدعم بحثها الجديد. تدخلت خالدة ثانية وهي تشرح للجميع كيف يقضي قريب لها يوماً كاملاً كلّ أسبوعين أو ثلاثة في انتزاع شعر وجهه بالملقط دون أي تذمر أو شعور بالتعب. لكن بلقيس كانت مستغرقة في أحلامها، يداعبها شيء من الفخر أو الغرور.
«ربما تكون هذه أول مرّة تقوم فيها امرأة بكتابة بحث علمي عن شيء يخصّ جسد الرجل،» صرّحت للجميع. «لطالما كتب الرجال عن جسد المرأة وكيف يرونه هم. حان الوقت لنغيّر ذلك.»

لا تعليقات

اترك رد