الارهـــــــــــــــــــاب الدينـــــــــــي


 

“” الحداثه من اين نبدأ !”

مقدمـــــــــه لا بد منها.

يعرض لنا التاريخ الانساني ان البشرية مرت باشكال متعددة من الارهاب، لكن الارهاب الديني كان وعلى طوال السنين الاكثر وحشية.

فاثناء تمرد اليهود على الحكم الروماني بعد احتلال اسرائيل ظهر تنظيمان دمويان هما ” الغيورون و الطاعنون بالخناجر ” استخدما من العنف ما يصعب وصفه.

وفي اوربا كانت حرب الثلاثين عاما ( 1648-1618 ) من اكثر الحروب وحشية و دمويه بين الطوائف المسيحيه. حيث يضع بعض المؤرخين بان تلك الحرب ” الاكثر والاعنف وحشية في تاريخ الانقسام الديني”. وفي مجزرة ما يسمى سانت بارتيليمي بين الكاثوليك و البروتستانت قتل 50 الف شخص.


اما في الاسلام فانني ساسرد هنا فقط طريقة تصفية المعارضين او المختلف في الراي، لان ذلك سنعود له في متن المقاله. تمت تصفية الحلاج ” الحسين بن منصور ” المولود في واسط-العراق بطريقة ان وصفت بالوحشيه فان ذلك لا ينصفها. حيث ضرب بالسوط نحو الفي جلده ، وقطعت يديه ورجليه وضرب عنقه واحرقت جثته. وتقول بعض المصادر انه وقبل موته سلخ جلده عن جسمه وترك في العراء لمدة يومين .

لنعود الى زمننا الحالي، ونطرح سؤال للمحاججة. ما الذي يجعل من الارهاب الديني الاكثر شراستا و دمويتا من كل انواع الارهاب الاخرى ؟ و لماذا يظهر الارهاب الاسلامي الان بهذا العنف وبشكله الجماعي ولم يعد حكرا على عنف السلطه، بل اصبح شعبويا ؟

ول الارهاب الدينــــي.محاججـــــــات ح

قبل ان ندخل في المحاججه لابد من تدوين ان ما ساتناوله وما يهمني ليس الدين نفسه، بل الفكر الديني، اي ما يوجد في عقل الانسان من فهم للدين.

في مؤلفهما “الارهاب الديني” للباحثين جيرون جانينج و رتشارد جاكسون يحددان خطر الارهاب الديني حيث ” يمثل الارهاب الديني تهديدا مختلفا جدا عن اي تهديد يمثله الخصوم الارهابيين و التقليديين المالوفين ، و يمكن له ان يكون ان يكون اشد فتكا و بطشا ” . هنا صنف الارهاب الديني كاعنف انواع الارهاب وهو مختلف عما سبقه من ارهاب. ولكن لماذا يمتلك الارهاب الديني هذه السمه ؟. لان ” الواجب الديني….هو السمة المحددة الاكثر اهمية للنشاطات الارهابيه الراهنة”.

من المحاججتين السابقتين المحددتين لسمات الارهاب الراهن بكونه “اشد فتكا و بطشا” وانه ” واجب ديني ..”. بمعنى ان الارهابي المؤمن يقوم بافعاله منطلقا من ايمان بان ذلك واجب ديني، المشترط ان يكون هذا الفعل باعلى اشكال الفتك و البطش.وهنا نواجه قضية مهمة هي ان كل التحليلات و المحاججات السابقة عن الارهاب شيئا عفى عنها الزمن.

فالارهاب الديني المختلف عن الارهاب العلماني لان الارهاب الديني يتسم بكونه ذو اهداف متعاليه او طوباويه او دينيه. فالارهاب الديني غير معني باصلاح العالم وليس همهم بناء عالم افضل، بل همهم هو تدمير العالم نحو هدف تعجيل عودة الاله او المسيح او المهدي. فهدف الارهابيين الاسلاميين هو توحيد جميع المسلمين في دولة واحده تبسط هيمنتها على العالم اجمع .

و يكمن خطر الارهاب الديني بانه ضد الحداثه، متمثلا بالعودة بالمجتمع الى نسخة من الماضي، فهي اذن ضد الحداثه و ضد الديموقراطيه و التنمية البشريه.

لندخل الان في محاججه ما هي ادوات الارهاب الديني؟ يعمل الارهاب الديني لخلق مفهوم جديد يرتكز على التدينيه القتاليه. وهو اذن وكما يصفهم ماثيو موركان ” ان ارهابيي اليوم لا يريدون الجلوس على الطاولة، وانما تدميرها و تدمير جميع الجالسين حولها”. وفي توصيف القاعدة يقول ” بسبب نطاق مطالبها الشاسع و اجندتها الاوسع التي تروم تصحيح ما تراه وضعا مذلا ، ورؤيتها للعالم المسممه التي تمجد الجهاد بوصفه هو الحل، فان استرضاء القاعدة عسير نظريا و مستحيل عمليا”. فركيزة الارهاب الديني كما في قناعة الارهابي ” المقدس”، ان النشاط هذا هو فعل مقدس هو واجب ديني ينفذه كاستجابه مباشره لمطلب الاهي. فهو اذن لا يعتبر العمل الارهابي عملا تكتيكيا من اجل هدف سياسي. لان الارهاب الديني هو فعل رمزي وليس فعلا ستراتيجيا سياسيا. ومن جهة اخرى فان الارهاب الديني لا يقوم بذلك نيابتا عن وسط اجتماعي او سياسي بل هو فعل تطهيري عن طريق التضحية بالنفس عوضا عن انجاز غايات سياسيه. فهو على سبيل المثال لا يسعى لارغام الخصم الى الجلوس حول طاولة المفاوضات.

وبما ان خطر الارهاب الديني لا يكمن في تحقيق انتصارات ستراتيجيه، ولا سياسيه، فخطره كامن في ” ….ما يجعل العنف الديني متوحشا ولا يعرف اللين هو كون منفذيه يضعون الصور الدينيه للصراع الالهي-الحرب الكونيه في خدمة معارك سياسيه ملتويه . ولذا السبب ليست افعال الارهاب الديني مجرد تكتيكات ضمن صراع سياسي و انما استحضاراً لصراع روحي اكبر”. ومما يضيف الى خطر الارهاب الديني ان لديه القدره على بعث مشاعر الالتزام التام و التعصب في اتباعه، وانهم يتسمون بالقدرة على اليقين الجازم، وبرؤية ان العالم ينقسم الى عالم خير (هم يمثلونه) وعالم شر ( يمثله الاخر). وفي هذا يستند الى يقينيات و وعود بالاخرة والتي تكون عوامل محفزه اساسيه في دفع الشباب غير المستقر نفسيا والمهمشين والشاعرين بالاغتراب للالتحاق بالجماعات الارهابيه كوسيله من وسائل الدعم النفسي. فهم يتورطون في الارهاب ليمنحوا انفسهم الاحساس بالقوة.

ومن كل ماسرد من محاججات فان الارهاب الديني يعتمد على المكون الديني سبب مركزي للعنف. وهذا يعني ان الافكار الدينيه لديها القدرة على تسبب العنف، لان الارهاب الديني يجد في الافكار الدينيه قاعدته، لانه يوفر له الدوافع والمبررات والتنظيم ورؤية العالم.

ولا يمكن هنا انكار دور الافكار الدينية في اندفاعات الشباب نحو الاهاب الديني ليرفع شعار ” يحيا الموت “، من اجل ” الشهادة”. فعلى سبيل المثال فان منفذي العمليات الاستشهاديه من الشباب يؤمن ان الانفجار الذي يقتلهم سوف يدفع بهم الى سرير في الجنه، حيث ما فوق البذخ في الملذات الجنسيه التي لا يصيبها الضعف اطلاقا فهي متجدده باستمرار بمقدره الاهيه كمكافئه على استشهادهم.

محنــــــــة ابن رشد وانطلاق الانحطاط

اتهم رجال الدين في الاندلس ابن رشد بالكفر والالحاد. اما “خطيئته” فهي قوله ان لا تعارض بين الدين و الفلسفة، حيث يقول ان هناك حقيقتان احدهما دينيه و حقيقة فلسفيه . فاصدر الخليفة المنصور منشورا يحرم الفلسفة ونفي ابن رشد الى مدينة قرطبه بتهمة الكفر والالحاد والزندقه ( والذي يتوجب قوله هنا ان تكفير ابن رشد لم يتم فقط من الجانب الاسلامي بل ايضا من الكنيسة الكاثوليكيه) و احرقت كتبه في ساحات قرطبه. وقبل وفاة ابن رشد بسنتين اصدر الخليفة المنصور منشوره، وكان الهدف منه القضاء على الفلسفة في الاندلس. ثم جاءت الضربة القاتله على يد الامام الغزالي في مؤلفه ” تهافت الفلسفه ” لتعلن بداية مرحلة الانحطاط.

مذ ذلك خر العديد من المثقفين صرعى على يد الارهاب الديني. خذ بعضهم اسعد الشرياق، الكواكبي و تكفير طه حسين ثم اغتيال فرج فوده وتكفير نصر حامد ابو زيد و رشدي العامل و فرج الله الحلو وكامل مروه و مهدي العامل و حسين مروه و كامل شياع. البعض منهم كُفّر لانه غير مذهبه فقط ولم يعلن تغير دينه اواعلن الحاده. والبعض منهم تخاذل بعد فترة من عمره وتخلى عن الشك الديكارتي كما فعل طه حسين.

التنويـــــــــــــر بـــــدل الخاتمــــــــــــه

من السذاجة بمكان تصور ان مهمة المثقف في منطقتنا هذه بانها مهمة سهلة و تسير بخط مستقيم. فالسعي نحو دوله علمانيه، دولة مواطنه، تواجهها العديد من العوائق يتوجب على المثقف مواجهتها وايجاد الحلول للسير نحو الدولة العلمانيه.

التحول الجوهري الذي حدث في موقع رجل الدين من السلطه، بعد 1928. قبل ذلك، واختلافا عن ما كان في اوربا، فان رجل الدين الاسلامي كان في خدمة السلطان يقدم التفسير والفتوى لصالح السلطان . حين تاسس تنظيم الاخوان المسلمين في مصر من قبل حسن البنا، كُِفر المجتمع والسلطة السياسيه مالم تكن تؤمن بما ينادي به الاخوان . فتحول موقع الفكر الديني هنا من خادم للسلطان الى مسيطر عليها و موجها لها حسب المفاهيم الايديولوجيه للاخوان المسلمين. وحدث هذا في الفكر السني .

1979 ثورة الخميني والتحول في الفكر الشيعي من انتظار المهدي الى الحكم المطلق لولاية الفقيه، اي سياسيا اخضاع السلطة للفكر الديني بشكل مباشر.

ضمن هاذين الحدثين الابرزين في الفكر الاسلامي ظهر الفكر التكفيري الجهادي ونظم نفسه في تنظيمات متعدده، القاعده والنصره وجيش الشام وداعش و سيناء التوحيد والجهاد وتنظيم انصار بيت المقدس و انصار الجهاد ، بعضها يكفر المجتمع وبعضها الاخر يكفر الدولة العلمانيه . الخطر هنا كامن في ان هذا الفكر اصبح شعبويا بصورة ساطعة . الخطر من الفكر الجهادي، او الارهاب الديني، لا يتاتى فقط من وسائل اعلام هذه التنظيمات بل ايضا، وبشكل جلي، من المناهج التعليميه نفسها تقع على عاتق المثقف مهمة استثنائيه بتثقيف الجماهير عبر المطالب بتحسين ظروف العمل والاجور و الحقوق وكذلك العمل الفكري وتعريه محاولات رجال الدين وضع الدولة داخل عبائتهم، وهي مهمات ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة ايضا .

لا تعليقات

اترك رد