السقوط المدوي … الشيخ احمد الكبيسي انموذجاً


 

تمر في حياة الإنسان ، أي إنسان ، لحظات من الفشل أو النجاح، من الهبوط أو الصعود و التألق و التلألؤ، لحظات يشعر فيها إنه في القمة، و أخرى ربما يشعر أنه في الحضيض، و ربما هو نفسه لا يريد أن يعرفها و يصرح بوصوله للحضيض ، و هناك لكل إنسان سقطات في لحظات أو مناسبات ما، لكن عندما يكون ذلك الشخص في عمر و مركز و منزلة علمية و إجتماعية و وظيفية معروفة و مرموقة، فأن سقوطه ذلك سيكون عندئذ سقوطا مدويا ..

و هذا ما كان و حصل برأيي في حالة الشيخ أحمد الكبيسي، فكثير من العراقيين و العرب يعرفون هذا الرجل كونه من كبار علماء أو رجال العلم الإسلامي و الديني من أهل السنة في العراق، و له مساهمات كثيرة في هذا المجال داخل العراق و خارجه، لكنه كما يبدو فقد البوصلة و أضاع الإحداثيات بعد إحتلال العراق عام ٢٠٠٣ ، نراه يتقلب بين الدين و السياسة أو يخلط بينهما إلى درجة ربما هو لم يعد يعرف في مواقفه أو تصريحاته إن كانت تعبر عن رجل دين أم سياسة ..

أحمد الكبيسي يعرف رسميا بأنه،  داعية إسلامي و أحد علماء الإسلام العراقيين، ولد في محافظة الأنبار في العراق عام ١٩٣٤  و حصل على شهادة  بكالوريوس  و ماجستير  و دكتوراه  في الشريعة الإسلامية، و ينتمي إلى عشائر مدينة  كبيسة  المعروفة في  العراق، و شارك في كثير من المؤتمرات الإسلامية، كما ساهم في العديد من البرامج الإذاعية  و التلفازية  في  العراق و الإمارات ..

من غرائب مواقفه التي أتذكرها، ذهابه للعراق بعد الإحتلال بفترة قصيرة و محاولته بشكل ما دعم قوات الإحتلال و من جاء معهم ممن يحكمون العراق اليوم و الترويج لهم و الحث لعدم محاربتهم و مقاومتهم، و أشيع يومها أنه كان يطمح لمنصب ما، لكن كما يبدو محاولاته باءت بالفشل حينها، و لم يكن ما قدمه يغري و يرضي حكام العراق الجدد، فعاد بخفي حنين إلى مقره و عمله في الإمارات، و قلنا في حينها ربما كانت غلطة أو سوء تقدير ..

لاحقا نرى الرجل يتقلب في مواقفه و تصريحاته بشكل صريح، حتى إنها أحيانا أغضبت السلطات في الإمارات كما قيل، و كانت معظم تلك المواقف و التصريحات فيها نوع من التقرب و التنازل لحكام العراق الجدد و من يمثلونهم في بلاد فارس، لكن السقطة الكبرى له كانت قبل أيام، عندما رأيناه في بغداد فجأة و بدون سابق إعلان يستقبل بحفاوة كبيرة، و رعاية رسمية غير مسبوقة من النظام الرسمي العراقي الجديد، حيث تم إستقباله من قبل رئيس الوقف السني الهميم، و رئيس الوزراء العراقي العبادي، و من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، و كما يقال فأنه قرر قطع برنامج و العودة فورا للإمارات بعد ساعات قليلة من مقابلة المسؤولين العراقيين ..

أحد التقارير أشار إلى أن محاولة الكبيسي تلميع القيادة العراقية الحالية و تهنئتها بما سماه بالنصر، و ترتيب زيارته في هذا الوقت و قبل الإنتخابات العراقية القادمة، ربما يحمل رسالة أخرى تتضمن دعما من القيادة و الدولة الإماراتية للعبادي في مواجهة خصومه، و ربما بادرة لفتح خط للتدخل و التلاعب الإماراتي في العراق كما يحصل في ليبيا و اليمن و سوريا و مصر و غيرها ..

و طافت إلى السطح الكثير من التصريحات و الإشاعات و المقولات و المقالات، منها أنه سيؤم و يصلي الجمعة في أحد مساجد بغداد الكبيرة، و أنه قد وعد بمنصب ما، و أنه أستلم دعما ماليا كبيرا من حكومة المنطقة الخضراء نظير زيارته و مواقفه الجديدة، إلا أن السقطة الكبرى التي لا أعتقد إنها ستغتفر، هو إعلانه دعمه للهميم، رئيس ما يسمى بالوقف السني العراقي، و ترشيحه أن يكون مرجعا عراقيا عاما للسنة و ممثلا و إماما و مفتيا لهم، و كلنا نعرف من هو الهميم، و من يمثل ، و من هي مرجعيته ..

هذا الموقف المريب له لن ينسى، فإن كانت مواقفه السابقة لم تؤخذ محمل الجد كثيرا، لكن هذا الموقف غريب و كبير و شاذ، و جوبه برفض كبير و جامع و سخط و غضب عراقي إسلامي سني، لعدة أسباب، فعدا معرفة الجميع بشخصية الهميم المشبوهة، و التي كال لها الكبيسي الكثير من المديح و الصفات البراقة، فالكبيسي لا يملك أي سلطة لا قانونية و لا شرعية و لا شخصية لأن يرشح و يزكي أحد لمثل هذا الموقع و المنصب، و أعتقد أنه قد نال بعض الشئ من التوبيخ و التقريع فور إعلانه هذا، بشكل ما و طريقة ما، بحيث أنه بادر إلى إلغاء كل مشاريعه في العراق و العودة سريعا للإمارات، و لا ندري تطورات الأمور لاحقا، إن كانت الإمارات أو السعودية أو تركيا أو المؤتمر الإسلامي و غيرها من المرجعيات الإسلامية السنية ستتجاوز و تغض الطرف عن مواقفه و تصرفاته هذه ..

و قد ذكرت التقارير، أن الشيخ الكبيسي عند ذهابه إلى مسجد الإمام الأعظم لإلقاء خطبته أو كلمته، و التي على الأغلب كانت معدة لكثير من الإطراء و المديح لأبن هميم و العبادي و حكومة المنطقة الخضراء، و دفع و تشجيع العرب المسلمين للمشاركة في الإنتخابات القادمة و إعطاء أصواتهم لمن يترشحون تحت إشراف النظام في إيران و المنطقة الخضراء، لكنه فوجئ بتجمع لأبناء الأعظمية الأبرار في باب المسجد يهتفون للرئيس الراحل صدام حسين حسب التقارير و الأخبار، و هذا كما يبدو أربك خطط هميم و الكبيسي و جعل الكبيسي يحول خطبته ليتكلم عن فلسطين و مآثر الرئيس صدام رحمه الله، مما أجبره لاحقا و كما أشرنا أن يلغي كل خططه و يقفل راجعا إلى الإمارات ، و هذا ما وأد المخطط المرسوم و هو في المهد، و الذي كان كما يبدو يستهدف العرب المسلمين في العراق كما ذكرنا، علما أن الكبيسي كان ينوي أن يؤم المصلين يوم الجمعة الماضي المصادف ٢ شباط لكنه إضطر للمغادرة قبل ذلك ..

لقد نسي الكبيسي أو أنه تناسى أن سنة العراق من العرب ليسوا لقمة سائغة، و لن ينحنوا لأي كان إلا لله تعالى، و عندما كان، و لا زال معظم جبابرة العالم يحاربونهم و يحاولون كسر شوكتهم، فلم و لن ينجحوا بإذن الله تعالى، فلن تنجح خيانة الكبيسي لأهله و ناسه في كسر شوكة العرب المسلمين في العراق و خارجه، و لن تنجح محاولات حكومة المنطقة الخضراء في زرع الفتن بين المسلمين و زرع الخونة المأجورين و تنصيبهم كقيادات عليهم ..

تاريخ الشيخ الكبيسي، و خاصة خلال السنوات الأخيرة كان مليئا بالمفاجآت، و كان واضحا محاولاته التملق و التقرب للنظام في بغداد و طهران، ففي لقاء تلفزيوني على قناة دبي عام ٢٠١٢ ، شن هجوما غير متوقعا و لا مسبوقا على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، و هاجم من أسماهم بالنواصب الذين يبغضون أهل البيت، و يخير المسلمين فيه بين إتباع طريق علي عليه السلام و بين طريق معاوية، و كما قيل في حينها فأن الشيخ محمد بن راشد أمر بإيقاف جميع برامج الكبيسي نتيجة ما يصرح به ..

و قبلها و في عام ٢٠١٠، شن هجوما لاذعا في لقاء تلفزيوني آخر على قناة دبي، على ما سماه بالوهابية، متهما متبعيها بالتشدد و التزمت ..

و في مقالة نشرتها شبكة إيلاف في شهر نيسان من عام ٢٠١٢ ، أشارت إلى أن شرطة دبي أحالت الشيخ أحمد الكبيسي إلى النائب العام للتحقيق معه، بعد قيام محام سعودي بتقديم دعوى ضده لهجومه على الإمام محمد بن عبد الوهاب، و وصفه الوهابية بأنها صناعة يهودية ..

من مواقفه الغريبة و التي تدل على قصر نظر و ضعف خبرة في الأمور العامة، توقعه قبل عدة أشهر قيام دولة كردية في العراق، و أن العرب السنة سينضمون إلى هذه الدولة التي سترحب بهم، و أن هذه الدول هي التي ستساهم في ” تحرير فلسطين من المحتلين ” ، و أشار في تصريحاته هذه إلى أن إيران ستدمر كل المدن السنية و بطريقتها الخاصة، لذلك لن يبق هناك أي خيار أمام السنة العرب غير الإنضمام للدولة الكردية، و أنه يؤيد ذلك بشدة، و هنا لابد من الإشارة إلى هذه التصريحات من جهة، و زيارته و تصريحاته الأخيرة في بغداد خلال مقابلاته مع المسؤولين من جهة أخرى، و الإزدواجية التي تنعكس من هذه التصريحات و التعليقات، مما قد يشير إلى درجة عالية من عدم الإتزان و الوضوح في شخصية هذا الرجل .. ..؟؟!!

لقد شاهدنا و تابعنا في حالة الوضع العراقي، إثنين من الشخصيات الذين كان لهم تاريخ سابق محترم و عريق من بين عدد كبير من الشخصيات ربما بمستوى أقل و أدنى، و هم في أرذل العمر إتخذوا قرارات خاطئة و مواقف غريبة تسببت في ضياع كل تاريخهم العريق و حرق أوراقهم، هاتين الشخصيتين هما الباججي و الكبيسي، و الإثنين يسكنان و يقيمان في الإمارات منذ زمن بعيد، و الإثنين رأينا لهم مواقف متباينة منذ الإحتلال و حتى اليوم لكنها في معظمها تميل للإصطفاف مع المحتل و من جلبهم لحكم العراق، و الأثنين رجعوا و عادوا لمقر إقامتهم بخفي حنين، و لا ندري إن كانت مواقفهم الخاطئة كانت بسبب عارض صحي عقلي أصابهم نتيجة التقدم بالعمر، أم خطأ في الحسابات، أم ربما بدفع أو تأثير من سلطات الإمارات لسبب أو غرض ما في نفس يعقوب، و الله أعلم ..

أخيرا ليس لنا إلا أن نقول .. رحم الله أمرئ عرف قدر نفسه ..

لا تعليقات

اترك رد