الواقعي وغير الواقعي في النص الديني


 

لعل من أفتى بنسخ بعض الآيات المكية في القرآن بأخرى مدنية، اعتمد على فكرة أن النزول المنجم للقرآن ترتب حسب الحقب التاريخية التي عاشها الآسلام في صدره الأول.. أي الفترة المكية ثم الهجرة إلى المدينة، إلا أن للواقع قراءة أخرى، تلك هي أن تجميع القرآن لم يراع تسلسل النزول أو مكانيته، ومعظم السور الطوال أو متوسطة الطول، لم تنزل في أحد المكانين بل في كليهما معا.. أو ربما في مكان ثالث قد يكون موقعا أو طريقا لغزوة من الغزوات، فالترتيب المكي ـ المدني لا يعني بالضرورة بأنه ترتيب زماني لنزول الآيات القرآنية.. ويقودنا هذا إلى التأكد من أن الفكر السلفي باعتماده على فتاوى نسخ آيات القتال والسيف المدنية لسابقاتها المكية التي كانت تحث على السلم والتعايش بين الناس من كافة الأديان، إنما يعتمد تأويلا خاطئا، ولو توخينا الدقة فإن تقسيم المكي ـ المدني ليس واقعيا، فهناك فترة مكية تلت فتح مكة، ولم تكن آياتها تحرض على القتال.. ومن المؤكد أن السنوات التي تلت وفاة النبي محمد (ص)، تم فيها الإعتماد بشكل كامل على النص القرآني وتأويلات الصحابة، لكن الأمور اتخذت مسارا آخر بعد قرنين كانت الدولة الإسلامية فيهما قد حققت توسعا كبيرا وازدهارا اقتصاديا ملحوظا، وشعر الحكام بحاجتهم إلى نصوص مؤيدة لوجودهم، مبررة لسلوكياتهم، فانبرى بعض المشتغلين بالشأن الديني لاستخراج نصوص الحديث أو لعلهم وضعوا بعضها بما يحقق أهدافا بعينها.. وهذا يعني أن افتراض وجود أسباب سياسية لظهور بعض الأحاديث مقبولا.. ولعب القرآن في تلك الفترة دور الدستور المتماهي مع الإرادة الملكية، فلم تسجل تقاطعات كبيرة بين النص حسب فهم المشتغلين به ورغبات الخلفاء والسلاطين، رغم أن الخروج على النص كان شائعاً، واقتراف المظالم والتجاوزات كاد أن يكون ممارسات يومية معروفة من قبل الجميع.. أما اليوم فإن الخطاب القرآني يقوم بمهمتين أساسيتين، هما مهمته الطقوسية، التعبدية، والأخرى تلبيته لحاجات المسلمين الوجدانية سواء في علاقتهم مع الله أو المناجاة الذاتية التي تأخذ شكل الدعاء أو التمني أو الرجاء.. ويكاد دوره الدستوري المقنِّن أن ينتهي بعد أن شاع التعاطي بالدساتير الوضعية شديدة المرونة والفهم لمتطلبات الناس وحاجاتهم في زمن لم يعد فيه الإنعزال عن العالم ممكنا، فلابد للدساتير أن تتأثر بالمحيط العالمي وتؤثر به، وأدرك الجميع أن النص القرآني لا يمتلك فرصا للنجاح في هذه الحتمية.. فمن المنطقي إذن أن نكف عن التعامل مع النص القرآني باعتباره دستورا، وهذا يعني بالتأكيد أن النصوص الأخرى المجاورة تأخذ الحكم نفسه، فمقارنة النص القرآني مع النصوص التراثية الأخرى تظهر تقدمه عليها بأشواط.. ففيه نقرأ مثلا ( لا إكراه في الدين)، وفيه نعرف أن لا حكم بالقتل على المرتد.. ( فمن يرتدد منكم عن دينه ثم يكفر، فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)… ولا إشارة في الآية إلى وجوب قتل المرتد، بل أُرجِعَ حسابه لله، وابتكر الفقهاء ومحترفوا المهن الدينية مرتكزات اعتمدوها لإصدار أحكام القتل على المرتدين.. مثلما اعتمدوها في تعاملهم مع أصحاب الديانات الإبراهيمية الأخرى…

لابد من وقفة متأنية اليوم كي لا يفقد الإسلام أواصره مع المسلمين، بعد أن أصبح الوصول إلى الحقائق أمرا متاحا ويسيرا، والكثير من هذه الحقائق ليست في صالح الصورة المألوفة للدين الإسلامي، لابد أن يعاد النظر جذريا في الخطاب المتداول داخل المساجد بما لا يتقاطع مع الواقع الراهن، فيسمح للقانون أن يحقق حضوره الكامل دون محاولات لتكبيله بنصوص لم تعد قابلة للتداول، والأمثلة كثيرة على سياقات أقرها الدين وتعامل بها لقرون طويلة ثم تآكلت وانقرضت لاحقا، مثل العبودية وملك اليمين والزواج المتعدد الموشك على الإنقراض، رغم كونه مباحا، لكنه لم يعد ممكنا لأسباب سوسيواقتصادية، وهناك العديد من الأمثلة المقاربة… لابد من إعادة النظر في الخطاب الديني الذي يكرس السلبية، مثل ما يشيعه رجال الدين من أن (كل بدعة ظلالة)… والبدعة في شكلها العام هي ابتداع ما لم يكن موجودا وهذا يشمل الإبتكارات والأفكار المتقدمة المتجاوزة لما هو ماضوي.. فإذا واصل الخطاب الديني قمعه لما هو بديع ومبتدع، سيجد أن الكثير ممن يؤمنون بضرورة تطور الحياة قد ابتعدوا عن مساره.. ولابد أن يعاد النظر في ما يشيعه رجال الدين من أفكار متعلقة بأننا خير أمة وأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، لأنها دفعت المسلمين سابقا إلى التعامل مع الآخرين بدونية لم يعد تداولها اليوم صالحا ضمن المعايير الإنسانية أولا، والواقعية ثانيا، وأعني بالواقعية أننا لم نعد خير أمة، بل ربما نبذل جهودا جبارة لنتجاوز واقع أننا في ذيل قائمة الدول التي لامسها الرقي والتطور.. لابد إذن أن تخلو المناهج المدرسية من الأفكار الشوفينية ومحاولة بناء أجيال جديدة تنظر بعين الاحترام للناس جميعا بغض النظر عن الاثنيات واللغات والألوان..

تواجه محاولات إعادة النظر في الشكل والمحتوى الإسلاميين مقاومة شديدة من رجال الدين الذي يشعرون بالتهديد إثر تنامي نبرة الخطاب التصحيحي، الأمر الذي يجعلهم إلى محاولة إفشال أي جهد حكومي يدعم الأفكار الإصلاحية، وقد تابعنا من خلال وسائل الإعلام الهجوم الشرس لرجال الدين على الحكومة التونسية إثر قراراتها التي أرجعت قوانين الأحوال الاجتماعية إلى الدولة متجاوزة ما سبق أن قرره رجال الدين.. حتى أن الأزهر دعا إلى إبعاد تونس من قائمة الدول الإسلامية.. وهذا يشير في الواقع إلى علاقة مرتبكة بين الدين والحاكم الذي يضطر إلى ممالاة رجال الدين كي يأمن بأسهم، فهم قادرون أكثر بكثير من الحاكم على تجييش عامة الناس ودفعهم إلى ما يسبب ارتباكا في مفاصل الدولة.. فما زال رجل الدين محتفظا بمنبره الذي ينصت إليه الكثير، ويسهل عليه أن يغرس في أذهانهم ما يريد أن يمرره كشأن ديني، حتى إن لم تكن له علاقة بالدين، ولن تنجح أية محاولة للإصلاح إن لم تتمكن الدولة من تقليم أظافر رجال الدين والتعامل معهم كمواطنين لا حقوق لهم أكثر مما يمتلكه منها عامة الناس، ولا تتاح المنابر إلا لمن يعرف جيدا كيف يتعامل مع الحياة كمعنى عام والدين كإطار روحي، وجداني، بمعايير متوازنة.. ولكي تتمكن الدولة من التقدم.. عليها أن تتحرر أولا من هيمنة رجل الدين..

لا تعليقات

اترك رد