هل تنجح شراكة واشنطن مع الهند إعادة المشهد الجيوسياسي؟


 

أسفر الصعود الصيني السريع عن تفاقم الوضع ليس فقط مع الولايات المتحدة بل مع أوربا ودول آسيوية من أبرزها الهند، وحذر ستيف بانون كبير الخبراء الاستراتيجيين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة في حرب اقتصادية مع الصين محذرا من أن واشنطن تخسر المعركة لكنها على وشك توجيه ضربة للصين بخصوص ممارسات تجارية تصفها بغير العادلة، وستحقق الصين الهيمنة العالمية في غضون 25 أو 30 عاما إذا استمرت الولايات المتحدة في نهجها الحالي وإذا ما واصلت الولايات المتحدة هذه الحرب ستصل إلى منعطف بعد عشر سنوات على الأكثر لن تكون الولايات المتحدة قادرة على التعافي.

فيما صرح ستانلي فيشر نائب رئيسة الاحتياطي الفيدرالي بأنه يخشى على الولايات المتحدة بأنها لم تعد مرساة للاقتصاد العالمي، وأن الولايات المتحدة آخذة في فقدان مكانتها المهيمنة تماما كما حصل لبريطانيا ولم يعد من المسلم اعتبارها ضامنا للمؤسسات المالية العالمية، بعدما تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من تجميع نظام عالمي بعد الحرب العالمية الثانية عمل بشكل فاعل للغاية لكن من غير الواضح أنه سيبقى فاعلا.

الولايات المتحدة والصين أكبر اقتصادين في العالم، لكن يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 ضد النقل القسري الصيني للتقنية من الشركات الأميركية التي تعمل في الصين وأن يعقب ذلك تقديم شكاوي إغراق بخصوص واردات الصلب والألمنيوم القادمة من الصين، لكن حذرت الصين من التحركات الأمريكية ضدها وهي واحدة من نقاط الاحتكاك بين البلدين، وهذه الخطوة تنفيذا لوعود ترمب الانتخابية لحماية العمال الأمريكيين في الوقت الذي اتهم الصين بالاستيلاء على وظائف قطاع التصنيع الأمريكي.

ليس هذا فحسب بل هناك أسراب من طائرات الدرون لتحدي الهيمنة الأمريكية، حيث يعتقد البعض في بكين أن الأسلحة الهجينة منخفضة التكلفة تقدم للصين أفضل الطرق لمواجهة الولايات المتحدة، لكن لا يزال آخرون في المجال العسكري غير مقتنعين بذلك.

رغم ذلك هناك سؤال يقلق البنتاغون في الولايات المتحدة عن احتمال نشوب حرب روبرتات في المستقبل يثير مسألة ما إذا كانت الكمية ستتفوق أخيرا على النوعية عندما يتعلق الأمر بالمعدات العسكرية، خصوصا وأن الجيل التالي من تكنولوجيا الدفاع لا يمكن تمييزه أكثر فأكثر عن التكنولوجيات المدنية التي تنتج بكثرة في مدن مثل شنزن.

في حين أن الانجازات الأخيرة في مجال أجهزة التوجيه الدقيق كانت في تطبيقات عسكرية بحتة، إلا أن الجولة التالية قد تكون في مجالات مثل التعرف على الوجه والقيادة الذاتية، ومن المرجح أن تأتي من القطاع الخاص بقدر القطاع العسكري، في كل من الولايات المتحدة والصين، عدم وضوح الخطوط هذا أدركه الرئيس تشي جينبينج الذي أنشأ لجنة تطوير التكامل العسكري والمدني وعين نفسه رئيسا لها.

ليس فقط على الصعيد بين الولايات المتحدة والصين بل أيضا على الصعيد الآسيوي ليس بمقدور الهند البقاء في الظلال أمام التوسع الصيني الإقليمي في المنطقة وتعتقد الصين على الدوام أن منطقة آسيا – المحيط الهادي تشكل التهديدات المباشرة ضد هيمنها التوسعية في جنوب شرقي آسيا، وعلى صعيد التجارة ما زالت الهند بعيدة عن هدفها لزيادة التبادل التجاري مع دول رابطة الآسيان الدول العشر إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2020 ويبلغ المستوى الحالي 71 مليار دولار مقارنة بحجم التبادل التجاري لرابطة آسيان مع الصين البالغ 470 مليار دولار.

استضافت مدينة سوتشي الروسية كوكبة من رؤساء الدول الثماني الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون في 2017 التي تعني بالشؤون السياسية والأمنية التي تأسست عام 2001 بمبادرة روسية وصينية بعد أحداث 11 سبتمبر بعد تنامي النزعة العرقية والأصولية وبدأت تعني بقضايا مثل الإرهاب والتطرف والحد من النفوذ الأمريكي في عدة مناطق، وتضم المنظمة في عضويتها روسيا والصين وكازخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وباكستان التي أصرت الصين على إدراجها في المنظمة وأخيرا الهند ويعتبرها البعض قوة موازية لمنظمة حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

كانت روسيا عازمة عند تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون على استعادة بعض نفوذها التاريخي في الامبراطورية السوفياتية السابقة، لكن المشهد الجيوسياسي قد تغير كثيرا خلال ال16 عاما الأخيرة إذ تحقق الصين قفزات كبيرة في المنطقة، وشعرت روسيا بأنها أصبحت الشريك الأصغر المحاصر من قبل الصين، مما دفع بروسيا إلى البحث عن وسيلة لتحقيق التوازن مع الصين خشية تحول الدول الصغيرة الأخرى في آسيا الوسطى إلى المعسكر الصيني، خصوصا بعدما ضمت الصين حليفتها الباكستان إلىالمنظمة بعدما طالبت الهند بالعضوية الدائمة بعد حضورها الفعاليات بصفتها مراقبا لما يزيد على 10 سنوات، أي أن في المنظمة عضوين غريمين نوويين خاضا 4 حروب متتالية.

لذلك لم تحقق منظمة شنغهاي الكثير من أهدافها كمجموعة إقليمية، خصوصا وأن المنافسة بين الصين والهند بشأن القضايا الإقليمية قد تسفر عن صعوبة في الوصول إلى إجماع للآراء حول بنود جدول الأعمال المشترك، ولكن الصين وروسيا هما اللاعبان الكبيران اللذان يوزعان البطاقات، ولذلك هناك خوف من عزل الهند التي تدعمها الولايات المتحدة وتعتبرها القوة الديمقراطية الوحيدة في المنظمة.

لذلك نجد أن الباكستان تتهم واشنطن بالتآمر مع الهند ضد المشروع الاقتصادي ممر الصين – باكستان كجزء من سياستها لمواجهة النفوذ الصيني، وأعربت الباكستان عن رفض المخاوف الدولية بشأن دور الباكستان في محاربة الإرهاب بل تعتبر نفسها تعاني من مشاكل أمنية منذ 40 عاما والسلام في أفغانستان لا يزال على رأس أولوياتها، بل تعتبر دعم القوات الأميركية في المنطقة هو الذي أدى إلى ظهور الإرهاب في البلاد، وعندما زادت قوة طالبان في أفغانستان بدأت أمريكا ترمي باللوم على الباكستان لتبرير فشلها.

ويشمل مشروع الممر الاقتصادي الذي وقعته بكين مع إسلام آباد في 2015 إنشاء شبكة طرق تمتد لنحو 3 آلاف كلم بين البلدين ويشمل كذلك سكك حديدية ومشروعات اقتصادية في مجالات مختلفة، بعدما تمكنت الباكستان من إقناع الجماعات المسلحة المدعومة من جهات خارجية بإلقاء السلاح وأن الأوضاع في بلوشستان في جنوب غرب الباكستان تتجه نفس الاتجاه، وبدؤوا ترديد عبارات تعيش الباكستان وهو ما يزعج الهند استقرار الباكستان.

في المقابل وقعت الهند مع إيران وأفغانستان لتطوير ميناء تشابهار على خليج عمان مقابل تطوير الصين ميناء جوادر على الساحل الباكستاني الذي يقع على بعد 100 كلم من شابهار الإيراني بهدف زيادة حجم التبادل بين الدول الثلاث،ووقعت الهند اتفاقا مع أوزبكستان بشأن استيراد أكثر من ألفي طن من اليورانيوم شبيه باتفاقها مع كازخستان، وتعمل الهند في الوقت الراهن مع أوزبكستان على احتمالات توسيع جسر الصداقة للسكك الحديدية حتى إقليم هيرات في غرب أفغانستان، ومن شأن قمم منظمة شنغهاي أن توفر الفرص القيمة للقادة الهنود لأن يلتقوا ويتفاعلوا مع زعماء دول آسيا الوسطى

بصفة متكررة ومنتظمة، وهناك اعتقاد بأن وجود الهند في المنظمة يضفي طابعا من التوازن إلى حد ما بين الوجود الروسي والنفوذ الصيني في تلك المنطقة.

يعتقد البعض أنه يؤدي إلى تآكل الهيمنة الصينية على الكتلة الاقتصادية والأمنية الإقليمية، وأن الهند تستفيد من التحولات الجارية في سياسة المنظمة على المدى البعيد، والاضطرابات السياسية التي خلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والتناقضات الضمنية بين المصالح الروسية والصينية التي من المحتمل أن تعاود الظهور في مرحلة من المراحل، رغم ذلك ستقدم المنظمة دعما عاجلا وتأييدا لمبادرة الحزام والطريق الصينية فيما لدى الهند تحفظات صارمة بشأن هذه المبادرة.

ستكون هناك شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة والهند لمائة عام باعتبارها دولة ديمقراطية كبرى وهي بحاجة إلى شراكة قوية بين الولايات المتحدة والهند في المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، بعدما دعا تيلرسون نيودلهي إلى أداء دورها كاملا فيما يخص الأمن الدولي عن طريق تعزيز جيشها وقدراتها الدفاعية، وامتدحت دور الهند في أفغانستان وهي شريك للسلام وهي ترحب بالدور الهندي في المساعدة على تنمية هذا البلد.

حيث ترى الولايات المتحدة الصين دولة غير ديمقراطية ولن تكون معها نفس العلاقة بسبب أن نموها كان على حساب تقويض النظام الدولي وقواعده مشيرا بالخصوص إلى الأنشطة الاستفزازية الصينية في بحر الصين الجنوبي، اعتبرت الصين أن واشنطن تعتمد موقفا مغرضا من بكين، وستأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي للهند ولكن الزيارة ستشمل أيضا الباكستان الجارة اللدودة للهند، وتود واشنطن من الباكستان أن تتخذ إجراءات حاسمة ضد المجموعات الإرهابية الموجودة على أراضيها وهي تراها عامل أساسي في تحسين العلاقات بين إسلام آباد ونيودلهي.

لا تعليقات

اترك رد