الاستثمار في الوفاء

 

وأسأل نفسي دائما عن الوفاء والانسجام مع الذات في غمرة الحكايات عنه في الشرق وسحره والتطابق بين النظرية والتطبيق وغياب الوعي واهتزاز الإيمان بالعقيدة في سلوكنا وممارساتنا اليومية .
الوفاء هو الالتزام بالقانون على المستوى الشخصي والعام والشفافية في حياتنا وعقلنا. الوفاء هو مجموعة المعلومات التي نبرمج بها حياتنا ؛ هي صدقنا ومصداقيتنا ؛ هي قولنا وفعلنا ؛ هو صورتنا الإيجابية التي نعمل على تحسينها ليل نهار ؛ هي اكتشافنا لذاتنا وللآخر. والوفاء يعشعش في حياة الانسان والحيوان والنبات ونجد في تاريخ البشرية ضروبا نادرة من الوفاء لا يمكن إلا أن تقف أمامها باحترام وإجلال . وهناك من روى حكايات الوفاء واستثمر بها وبنى مجتمعات رائدة وهناك مجتمعات روت حكايات الوفاء وتغنت بها ولم تعمل بها . الاستثمار في الوفاء لبنة أولى في بنيان المجتمعات وتطويرها وركوب سفينة التقدم والحضارة .
لقد مجّد القرآن الكريم الوفاء وبالغ في التشديد على أهميته في أكثر من موضع وكان مثالا رائعا يحتذى به في الحياة . يقول الله تعالى في كتابه العزيز :
(( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين )) آل عمران
((وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا )) الإسراء
(( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )) البقرة
))وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا )) الأنعام
(( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)) البقرة
(( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)) سورة النجم
(( وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )) الفتح
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (( المائدة
(( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)) مريم
يحكى أن الفاروق عمر كان جالسا في مجلسه وحوله بعض الصحابة وإذا بشابين قويين يحضران شابا وسيما إلى مجلس الخليفة ، ولم يبدُ على هذا الشاب أي اضطراب أو خوف. وقص الشابان للخليفة حكاية هذا الشاب فهو قاتل والدهما. فقد ذهب الأب إلى حديقته ليقطف بعض ثمارها غير أن هذا الشاب قاتله وقتله.
استمع الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشاب وهو يتحدث عن حقيقة ما حدث برباطة جأش دون أن يعتريه الخوف وروى حكاية تقول إن أعرابي يعيش في البادية وأنه كان يسير خلف بعض نياقه . وأسرعت النياق نحو الحديقة ، حيث كانت تتدلى بعض غصونها خارج الأسوار، فمدت رؤوسها لتأكل بعض أوراق أشجار الحديقة ، وإذا بشيخ يزمجر اقتحم السور وفي يده حجر كبير، فضرب فحل الإبل بهذا الحجر حتى قتله . فما كان من هذا الشاب إلا أن تقدم وأخذ من الرجل نفس الحجر وضربه به حتى قتله هو الآخر.
ومن هنا كانت الجريمة حقيقة اعترف بها القاتل وإن كان المبرر أنه انتقاما من الرجل الذي لم يرع حق (الفحل) وقتله لسبب تافه وهو امتداد فمه على بعض أوراق من أشجار حديقته.
قال الخليفة : قد اعترفت بما اقترفت ، وتعذٌّر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين مناص .أجاب الشاب: سمعا لما حكم به الخليفة ، ورضيت بما اقتصته شريعة الإسلام ، لكن لي أخا صغيرا كان له أب كبير خصه قبل وفاته بمال جزيل، وذهب جليل، وأحضره بين يديٌ، وأسلم أمره إليّ، وأشهد الله عليّ.
ثم تابع قائلا هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدمنا (دار قديمة) ووضعته فيه، ولا يعلم به أحد إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافيا بالزمام، ولي من يضمنني علي هذا الكلام.
أطرق الخليفة عمر ثم نظر إلى من حضر وقال: من يقوم على ضمانه والعودة إلى مكانه؟
نظرالشاب حوله فوقعت عيناه على أبي ذر الغفاري ، وأشار إليه بأنه هو الذي سيضمنه . وافق أبو ذر على الرغم من أنه لا يعرف الفتى وقبل الشابان مادام أبو ذر قد وافق على أن يضمنه حتى يرد الحق لأخيه ويعود لينفّذ فيه القصاص. وتمضي الأيام الثلاثة.
وينتظر الجميع عودة الشاب في نهاية اليوم الثالث ولا أحد يعرف الفتى وإلى أي القبائل ينتمي فالخليفة مضطرّ أن ينفّذ القصاص . أشفق الجميع على أبي زر وطلبوا من الشابين أن يأخذا دية القتيل لكنهما رفضا .
وبينما أخذ الصحابة يتداولون الرأي لحل القضية وإذ بشبح الشاب يأتي من بعيد، ثم تقدم حتى وصل إلي مجلس أمير المؤمنين، ليوقع قصاص الشريعة.
وقف الشاب أمام الخليفة رابط الجأش مطمئن البال بعد أن أدى لأخيه حقه حسب وصية والده، ولم يعد يشغله شاغل سوى أن يقع عليه القصاص.
وعندما سُئل الشاب عن السبب الذي جعله يرجع مع أنه كان في إمكانه الفرار والهروب من الموت. كان رد الشاب أنه يخشى أن يقال أن الوفاء قد ذهب من الناس.
قال أبوذر الغفاري : لقد ضمنت هذا الغلام ولم أعرفه من أي قوم ولا رأيته قبل ذلك اليوم ولكنه نظر إليّ دون من حضر فقصدني وقال: هذا يضمنني.
فلم استحسن رده خائبا ورأيت المروءة أن تجيب قصده إذ ليس في إجابة القاصد من بأس كيلا يقال: ذهب الفضل من الناس.
وأمام هذا الموقف النبيل لم يجد الشابان مناصا من التنازل عن دم هذا الفتى الذي كان في إمكانه أن يهرب من العدالة ولكنه آثر الوفاء بوعده.. كما خجلا من موقفهما من أبي ذر الذي ضمن الغلام دون سابق معرفة لا لشيء حتى لا يقال أنه ذهب الفضل من الناس.
و يحكى عن الوفاء أنه في قديم الزمان عاش أمير في أحد البلاد البعيدة في قصر كبير وفخم مع زوجته وطفلة الصغير، وكان الأمير يمتلك كلباً شديد الوفاء، وكان الناس يتعجبون من علاقة هذا الكلب المميزة بالأمير وعائلته ، حيث كان له مكانة خاصة وعظيمة في قلب هذه العائلة وخاصة في قلب الأمير الذى كان يعامله معاملة أهلة ويعتبره أقرب صديق وفي إليه ، يأخذه معه في جميع رحلات صيده وتجواله .
وفى يوم من الأيام توفيت زوجة الأمير فجأة ، وحزن الأمير عليها حزناً شديداً، وبعد فترة من وفاتها قرر أن يخرج في رحلة صيد طويلة لينسى حزنه وهمه ويبدأ بداية جديدة ، ولكنة وقف محتاراً في أمره لا يدرى ما يفعل في طفله الصغير ومع من يتركه ويثق به ليعتني به ، وكانت المفاجأة أن الأمير اختار كلبه الوفي ليترك الطفل الصغير في حراسته وحمايته وقلبه مطمئن.
خرج الأمير في رحلته لكنه لم يستمتع بها مثل المرات السابقة وذلك لأن كلبه لم يكن معه كما كان يفعل دائما وقلق على ابنه الصغير، فقرر أن يعود باكرا وينهي رحلته. وعندما اقترب الأمير من المنزل فوجىء بالكلب يركض من بعيد وهو يعوى وهو مغطى بالدماء. شعر الأمير بالخوف الشديد وبدأ يصرخ في الكلب ماذا حدث؟ ماذا حدث؟ ركض الأمير مسرعاً الى القصر في هلع شديد وأسرع إلى غرفة طفله فوجد السرير فارغاً وجميع الأغطية ملطخة بالدماء. فزع الأمير وظن أن الكلب قد قتل طفله فأخرج سيفة وقتل الكلب في الحال ، ولم يستجب لعواء الكلب الذى يناجيه ولم يشعر تجاهه بأية رحمة ، بل على العكس شعر بالندم الشديد لأنه وثق بالكلب وترك معه الطفل دون رعاية بشرية وبدأ يبكي. وفجأة أثناء بكائه سمع صوت الطفل الصغير فنهض مسرعاً من مكانه وهرع يبحث عنه في القصر فوجده في الغرفة المجاورة يلعب على الأرض وبجانبه ذئب ضخم ملقى على الأرض مقتولاً ومغطى بالدماء، حينها فقط فهم الأمير القصة وعلم أن طفله مازال على قيد الحياة.
أكمل الأمير بكاءه ندماً على ما صنعه وعرف بأنّ الكلب لم يقتل طفله بل قتل الذّئب الّذي حاول أكله . جرى الأمير مسرعاً نحو الكلب لينقذه ولكن الكلب كان قد مات ومنذ ذلك الحين والأمير لم يبتسم أبداً وعاش حزيناً نادماً على ظلمه لأوفى صديق .
ويحكى عن الوفاء في قصصه الواقعية في العصر الحديث أنه في عام 1923 وجد المواطن الياباني ايزابورا كلبا أسماه هاتشيكو في صندوق صغير داخل عربة من عربات القطار الذى كان يستقله يومياً لعمله و كان الكلب لا يزال جروا صغيرا .. أخذه ورباه في بيته .. تمر الأيام و يكبر الكلب هاتشيكو. وكان ايزابورا يذهب للعمل كل يوم بالقطار و كان هاتشيكو معتادا أن يوصله للمحطة و يظل ينتظره فيها حتى عودته بعد بـ 10 ساعات تقريباً كل يوم. في يوم من أيام سنة 1925 أصيب ايزابورا بأزمة قلبية في عمله وتوفي على أثرها فوراً و لم يعد إلى المنزل . لكن هاتشيكو ظل منتظراً صاحبه على رصيف المحطة لمدة 10 أعوام كاملة حتى مات أيضاً . تم تصميم تمثال له في مدخل محطة شيبوي للقطارات في اليابان لاتزال ماثلة حتى اليوم رمزا للمحبة والوفاء والالتزام.
الوفاء كلمة أثقل من الجبال وأطول من الحبال . معانيها كثيرة : بذل و تضحية وصدق وعطاء بلا حدود. والوفي أعرف الناس بنفسه قبل غيره فأين موقعنا على خارطة الوفاء؟.

لا تعليقات

اترك رد