هجرة المثقف الثانية

 

تذبذب استجابة الجمهور ، ومضايقة السلطة عنصران يشكلان محور التحدي للمثقف في الفضاء الاجتماعي بالعراق طبعا ، وهذا كحد اقصى قياسا مع عوائق ثانويه نتاج البيىة المحلية ، الا انها اقل وتيرة واخف عبء ، وهم ليس محل سطورنا الان . وعلى الرغم من تلازمية العنصرين لكننا سنفصل بينهم اعتمادا على الترتيب التاريخي ، ففي نهاية عقد الثماننيات ضغطت ادارة حزب البعث على المشتغلين في الحقل المعرفي باختلاف صنوفهم وتخصصاتهم ،وبغض النظر عن نتاجهم الفكري والانساني ، انما كانت الغاية ادراج الجميع في بودقه التايد وكسب انصار يقفون بالضد من الاقلام التي بدات تكتب وان كانت خجولة عن انتهاكات اخذت تسجل ازاء الجمهور واعضاء الحزب (بعد تصنيفهم كخونه) وكان هذا يشكل هاجس عند السلطة التي وضعت خطة طويلة الامد لابتلاع المعارضين ، وتقزيم الدولة بمؤسساتها ، كما ان ضمهم للنخب يعد احد ركائز استمرارية الاستحواذ وتطبيق مشروع الحكم المختمر في ذهن الديكتاتور صدام ومع القائمين على المشروع هم الخط الاول من الحزب ، لكن لم يدرك الكثير منهم ذلك وحتى من الدائرة المقربة نتيجة سياسة الصمت والتعتيم. هذا الاجراء نفذته الخلايا الحزبيه المتصدية بمرسوم رئاسي على اسماء ثقافيه مؤثرة في الراي العام وصناعة الموقف ، فنقسمموا الى ثلاث فرق الاول استسلم وخضع لابتزاز السلطة ، فيما لاذ الثاني بالصمت والاعتزال ، اما الثالث فقد هرب خارج البلد ، وهذا القسم وقود المقال، حيث اجبرتهم الحكومة على المغادرة تاركين خلفهم ملامح خراب اخذت تلوح في الافق السياسي والتعليمي والاجتماعي وحتى الاقتصادي ، وكانت الخيارات امام هذا القسم شحيحة انذاك ازاء هذا التوجه الحاد في ادارة الدولة ، وهم اضحوا في مرمى النظر لاسيما بعد تسريبات المخابرات عن مصير المعارض التي تملا اسماع النخب وبدات الاخبار تتناقل عن اعدامات في الوسط الثقافي والديني ، فصار لابد من التفكير بمخرج من خناق الادارة العليا ، وليس ثمة انفراج سوى الحدود التي تتلهف لها الطاقات الثقافية وعلى امتداد خريطة العراق ، واخذت الاعداد تتزايد حتى سجلت اعلى النسب في منتصف التسيعينات او اواخرها .
هذا الواقع فرض نفسه على الجميع وبدات الجموع تتسارع بالهروب خوفا من البطش وحفاظا على المنجز الثقافي من الانبطاح مع السلطة ، المستنكر والمرفوض على كل فاعل ثقافي ، ولاشك فان هذه هي الهجرة الاولى وهجرة مطاردة بخوف ورعب ليس بالضرورة تكون موجهة بل اغلبها كانت غير موجهه ، فالمهم ترك منطقه الالغام، وبالتالي هذا القسم توزع على المنافي ومنهم من اعتزل ومنهم من انصهر ومنهم غادر منصه الثقافة ومنهم ظل مسكون بالحنين وظل يعاني قسوة الغربه وبعضهم حافظ على نتاجة وسجل حظور في المنافي لايستهان بها، حيث اصدر شعرا واخرج فكرا، ومع الملاحظة المهمة فنحن لانريد التتبع التاريخي بقدر ما نبحث الجانب الثقافي وتاثيرات الهجرة ، بالعموم مثلت هذه المرحلة اشكالية عميقه في بنية الثقافه التي بقت تجتر مقولات وخطب شمولية وانبرا طبعا ، صحفيون وكتاب لهذه المهمة لاسيما من هم يرقصون على انغام السلطان في الوقت الذي بقى قسم من الكتاب في العراق رافضا مايجري ولم يقترب من السلطة ، الازمة اتجهت اجتماعيا بعد ان ضمن صدام القدر الكافي من المروجين والكتاب واطمئن الى غياب المعارضه الثقافية بالتحديد، فحدثت الاشكالية اذ الجميع ظل يعيش واقع خاوي وثقافة ارتكاسية ميته افضلها قصائد حب الوطن نزولا الى باقات واعمدة وقصائد التمجيد والدعم ، هذه المرحلة انتجت سكون وجمود معرفي وخلل سلوكي رافق ذلك تعليم مسيس خالي من بث المفاهيم والقيم الفلسفية والفكرية ، وهي ما توصف بفترة (القطيعه الثقافية) عن المحيط الجغرافي والثقافي للبلاد وهي تشبه ستراتيجة “العزل البشري”، فقد خلالها المواطن اي فهم حضاري او علمي ، في وقت كان العالم يتسابق بعجلة ضخحمة على اكتشاف المزيد من التيارات والاطر والتمثلات والاختراعات وغيرها ، هذا الجو المعقد بحمولاته المرهقه والمتعبه وسلوكياته الاجتماعية الفقيرة وفقدانه المناعة المعرفيه ، مهد وسهل الهجرة الثانية التي بدات بدخول عام الفين وستة حتى اللحظة الراهنة اي ان الهجرة الثانية لم تكن مخاوف من السلطة بقدر ماكانت عجز وفشل في التواصل مع الجمهور والتماهي في المجتمع من اجل الصعود والنهوض به فضلا عن الاحباط ، فالطاقات التي عادت شعرت بالاغتزاب مرة اخرى بيد ان هذا الاغتراب كان اجتماعيا وليس سياسيا اي ان المثقف اولا اصيب بخيبة امل مع الواقع المزري للافراد والجماعات ولم يكن يملك العدة المرنه للتاقلم والتكيف مع المناخ الجديد ثم ان هناك حلقه مفقودة لايمكن اخفاءها بين العائدين والباقين من المثقفين انفسهم ولاشك رافق ذلك خيبات اخرى تتصل بالوضع السياسي وتعثر الديمقراطية ومعضلة تعزيز المواطنة وازمة التسليم السلمي للسلطة بالاضافة الى سرقة المال العالم ةاستحواذ الطبقة السياسية الحالية ع مقدرات البلاد ، والعمل على تحقيق المكاسب والامتيازات الفردية للاحزاب والحركات ، كذلك يضاف لها الارهاب والحركات المسلحة المنفلته وغير ذلك من العناصر التي اسهمت في خلق حالة من الانفصال والتجاذب في ذات المثقف العائد بحلم الدولة المدنية ، بالاجمال فان الهجرة الثانية تسجل ماخذ على المثقفين اكثر من الهجرة الاولى لاسباب قد لاتغيب على احد ، فالاولى الكفاح ينحصر بالشنق او الهروب فيما الهجرة الثانية اقتصرت على الياس والقنوط والاخيرة لاتبرر المغارة فامكانية العمل والتاثير متاحة رغم اننا لاننكر الارهاب وكيف فتك بالناس والفوضى والتصادم والارباك المحدق بكل شيء لكن كلها اقل وطاة مقارنة بالاولى حيث مواجهة المقصلة لامحال لكل معترض او حتى معتزل في بيته ، . هذا الحال يؤشر على ضعف في المثقف وهو عامل تاريخي تعرض له العراق اكثر من مرة خلال عمره منذ تاسيس الدولة الحديثه ، فالهروب او الصمت او المحاباة حاضرة في اكثر من محفل ومناسبه وذلك جعل حواجز بين الفرد والمثقف فكليهما ينظر للاخر بعين الريبة والتقصير فالاول يعتقد ان البرج العاجي مكان المثقف دائما فيما يعتقد الاخير ان الافراد لايستجابون ولايتفاعلون مع نظريات التحديث والتجديد وانهم يميلون اي الافراد الى ثقافه الصوت والسمع اكثر من مناقشه الافكار والنظريات العلمية والتيارات الادبية المطروحة في الدول المتطورة ، وهنا لاننكر قصور الجانبين الا ان كفة المواطن في نقده قد تتفوق هذه المرة في التاشير على الخطا.
فدور المثقف الرسالي لايتوقف عند حد او تخوم متعرجة يصعب التحرك عليها بل مطالب منه اقتحام المناطق الاكثر وعورة حتى يثبت قدرته على تحمل المسؤالية ونشر المبادىء الانسانية التي في جعبته ، واي خلل يعتري المشوار هو يتحمل تبعاته وليس الفرد القابع والمهدور، هذه الازمة المتداخلة اي الهجرتين خلفت تركة ثقيلة علينا اليوم فالعمل بعد عقود من غياب النخب ثم تبعته هجرة ثانية مع الافراد يشوبه حذر وعدم ثقه وايمان من المواطن تجاه النخب وهنا القيادة والتوجيه تكون صعبه وغير مجديه اذا ما تقدم المثقف الى ذلك ، بدافع نشر وصناعه الوعي بين الشرائح، حدود المازق اذن واضحة لكنها غير محددة بزمن لتعاود النخب تمارس دورها فنحن اليوم ابعد ما يكون عن الجمهور والمسافة تتمدد بطهور اساليب ووسائل اقناع جديدة تنفذها جهات دينية وحزبية ، تكسب فيها جمهور واسع ..

لا تعليقات

اترك رد