منهج العقل العلمي بين آلية بنيوية سليمة وأخرى للتمظهر والإيهام

 

اشتغال العقل ينتظم بيولوجياً بمسار يتعلق بوجوده وتكوينه، ثم آخر يرتبط بتبادل التأثير مع بيئته وما يكتسب. والعقل عند كل الكائنات الحية وقبلها وبعدها عند الإنسان، يمثل المركز الذي يوجه وينتخب ما يراه ملائماً، وفيه يجري اكتناز التجاريب في ضوء مساري العيش النظري والعملي على وفق طاقات مفتوحة (مادياً فيزيقياً عضوياً) متجسدة بالمخ وملايين خلاياه والأقسام التي تنتظم فيه، والوجه الآخر له متجسداً بالوعي بمستوييه العقلاني الإدراكي واللاواعي غير الإدراكي حيث مخزن المعلومات…

إنّ قدرة الاشتغال البيولوجية للعقل تظل كما أشرنا مفتوحة الأفق، تتسع وتتعاظم حجماً كمياً نوعياً بطريقة التشغيل، فمع انتظام (التفكير) ومنهجته والتفاعل مع المتراكم مما سبق من تجاريب يكتنز العقل لا مجرد معلومات وإنما فرص اكتشاف جديدة أكثر تقدماً وأنجع وأفضل وأكثر نضجاً في منجزها وسلامته وتجنبه الوقوع بالخطأ أو الغلط على وفق الاستفادة المشار إليها للتو.

وبين العقل المدرك واشتغاله لاكتناز التجربة وما تتضمنه من معلومات وسبل آلية الاشتغال ومنهجه وبين العقل الباطن وما فيه من قيم تستقر بعد احتكام للاشتغال البيولوجي ولعمليات الإدراك الواعية؛ تستقر في مركز العواطف والانفعالات وما يدعى القيم الروحية أو حتى الأخلاقية بجانب منها، تستقر محددات اتخاذ قرار أو موقف بدوافع تستند إلى ما تغلَّب في بناء الشخصية \ وعقلها وما توطد من قيم إيجابية أو سلبية على وفق البيئة ومحددات القيم فيها.

ونحن هنا وعلى وفق علم النفس، نتحدث عن بعضٍ من الأعمال التي لا تتطلب التعاطي الإدراكي المباشر في أغلب تفاصيلها كأن تدير ماكنة أو تقود عجلة أو تطبع مادة على الآلة الكاتبة وتتحرك أناملك بضابط سياقي بعينه. وفي ضوء هذه الحقيقة ينصح علماء النفس على سبيل المثال الأشخاصَ، كيما يذكِّروا أنفسَهم باستمرار بأنهم قادرون على تجاوز عقبة أو أخرى مثل التردد والخشية والقلق وإنهاء سطوتها على أدائهم بفضل التوكيد على قدراتهم الداخلية وبأنهم يمتلكون الاستعداد الكافي للتعامل مع الفعل في لحظة بعينها مثلما ضغط لحظة الاختبار والامتحان أو مثلما مقابلة الناس باحتشاداتهم المختلفة في مدرسة أو ميادين تجمع وغير ذلك..

وبين الإرادي واللاإرادي من الأفعال يجد المرء مسارات تشغيل عقله للتحكم بوساطة التفكير بأنشطته وتلبيته التفاعلات مع بيئته ومحيطه. وإذا تركنا الفعل اللاإرادي لمواضع قراءته العلمية، فإن الآخر [الإرادي] سيتجسد في التفكير وقدرات الاستقراء والاستنباط والاستنتاج باعتماد كل طاقات العقل من معلومات مخزونة يستطيع استرجاعها من ذاكرته وحافظته بكل ما تعنيه عملية الاستدعاء لحظة التفكر والتدبر الإرادية بعملية التفكير، بسياقاتها، سواء منها ما جاء بمضامين أم بمنهج ومنطق يتحكم بالأداء…

إن فرص الإنسان في تحرير عملية التفكير بمنطق عقلي سليم سنستقر على تسمية (العلمي) بمرحلة لاحقة، تكمن في تحريره من كل أشكال الإجهاد والتسبب في التعب والإنهاك، إذ أن ذلك يقلص فرص استثمار ما يختزن الدماغ في ذاكرته من طاقات ومعلومات. وهنا بالمناسبة يكون الإجهاد الرياضي البدني والعقلي مما يبني ويقوي الذاكرة واشتغال العقل بأفضل طاقاته وليس العكس مع إتاحة الراحة الوافية بخاصة نسبة ساعات النوم اليومي التي يحتاجها وهي نسبية عند كل عمر وكل شخص..

ونود أن نشير أنّ الأنشطة المدنية التي يحظى بها المجتمع وعلى سبيل المثال الأنشطة الرياضية التي تُعنى ببناء الشخصية ومجموع الأفراد وليس تلك التي تركز على شخوص بعينهم ولا تشمل المجتمع ومثلها الأنشطة الفنية الأدبية مثل ندوات الشعر والنقد الأدبي والأعمال المسرحية والسينمائية ومعارض التشكيل هي من رياضات العقل التي تنميه وتساعد على انتقاله للإيجاب في اتخاذ القرار والخيار بعكس ما غذا جرى إهمال تلك الأنشطة يجري فرض خمول عقلي وغرس طابع السلب والسلبية في الأداء.. أشير بالخصوص هنا إلى فرص اعتماد القدرية والجبرية والاتكالية وسلبية التعامل والفعل ومن ثم شيوع استسلام شامل لمنطق الخرافة…

إن عوامل عديدة يمكننا رصدها في اشتغال العقل بمنطقه وبمنهج يلبي الإيجاب فيه هو المنهج العلمي، وتلك العوامل التي نحن بصددها، تقوم على بحث العقل العلمي عن الجواهر والأسباب قبل الانشغال في المظاهر بصيغة تبريرية ذرائعية؛ سواء في الشؤون الخاصة الذاتية أم العامة الموضوعية.

ولعل قدرات العقل في: التمييز، المقارنة، الإدراك، امتلاك خلفية قيمية وثوابت مكتسبة من تجاريب خاصة وعامة، وقدرة الحفظ بصيغ بصرية و\أو حسية من صوتية سمعية وذوقية وعطرية شمية وأية تجاريب حسية شعورية أخرى؛ هي ما تمهد لاتخاذ القرار بأفضل ما يتيحه العقل العلمي ومنهجه وبما يتلاءم مع مصالح الإنسان وقيمه العليا الأنجع والأنضج عبر استجابة تمثل وظائف العقل من تركيز وتفكير وتخيل وإبداع باستناد إلى عمليتي تخزين وتذكر أو استرجاع للمعلومة في ضوء ضوابط وآليات اشتغال بعينها.

إننا اليوم، غادرنا تقسيمات كانت القدرات الحضارية الأولى للبشرية قد تعاملت معها على أنها مسلَّمات من قبيل وجود فضاءات غير العقل توجه الإنسان وأفعاله؛ فلقد توصل عصرنا بوضوح إلى قراءات نوعية تخص سيطرة العقل على كل أنشطة الشخصية ومرجعيته العليا لها كافة بما يفضي إليه اشتغال العقل الواعي بحدود 10% من عمل العقل واللاواعي بما يؤديه من نسبة 90% من اشتغالات العقل..

المشكلة اليوم، أن بعض من يتخذ القرار في الشأن العام يتناسى ما تشترطه عليه الحقيقة العلمية في وجودنا من ضرورة تجاوز منطق الخرافة وما يفرضه من آليات تعطيل العقل وإدامة سطوة قوى الاستغلال الظلامية.. بذريعة يتوهم سلامتها عندما يعقد قراراته على خلفية التوازنات الجارية ومثل هذا يخدم استراتيجيا الهدف المجتمعي السياسي المعادي للإنسان ولتطلعه للانعتاق والتحرر…

إن فرص التحرر لا تأتي من منطق اللعبة السياسية وآليات قوى تسطو على المشهد العام بل تأتي من جنين يولد في رحم كل مرحلة ليهيئ لمرحلة تالية.. وعليه فالقرار الصائب هو ما ينظر عميقا وبعيدا..

عميقا في جوهر الأشياء وحقيقتها، وبعيدا في الرؤى الاستراتيجية التي تعنى بالتغيير وهما أمران لا يتحققان بممالأة قوة تسيطر بالعنف على المشهد.. بل تؤكد ضرورة التصدي لمثل هذه السطوة ربما الطريق عبرها طويل ويتبدى بمصاعب أكثر ولكن طريق المهادنة والعبث أو دخول اللعبة بشروط المسيطِر يعني بالمقابل تعقيدات وإدامة للسطوة لمدى أبعد..

والسبب بوضوح يكمن في قبول تعطيل العقل ومشاركة من يتوسل آليات التعطيل ومنطق الخرافة وابطالها هم من يحمل ذاك المسار.. فهل سيصر الذين يجروننا إلى مسار لا عقلاني على قرارهم أم سيتحررون منه ويساهموا بمسار التحرر والانعتاق حيث تحرير العقل من منطق الخرافة؟؟؟

إن الاستفادة من قراءة منطق العقل العلمي تبدأ كما أوردنا هنا من الذاتي ومن الشخصي ومن الإنساسن الفرد وعقله وتشغيله ولكنها لا تنتهي عنده بل تواصل المشوار إلى الجمعي المجتمعي العام الموضوعي في وجوده.. ومن هنا ضرورة مثل هذه المعالجات لمن يقرأ من اصحاب العقل ومن النخبة أولا وعبر تحرير قوى المجتمع الحية يمكن الوصول إلى المجهَّلين وغلى المعطّل تشغيل عقولهم علميا وبمنطق صائب سليم…

وبين قراءة الجوهر والسبب في حدث أو أمر وبين الانشغال بالمظهر تبريرا وتعكزا على ذريعة بعينها سيبقى العقل العلمي ومنطقه ومنهجه سببا جوهريا للانعتاق والتحرر وليس العكس…

لا تعليقات

اترك رد