الهيئة العامة للترفيه … كم انا حزين


 

تعودت أن أجلس في الظلام من دون اصدار صوت لكي لا اوقض الصغار الذين لا ينامون بسهولة. و لم يكن لي أنيس سوى التلفزيون الصامت. هنا لا يوجد مفر من مشاهدة قناة ال MBC2 التي تعرض افلام امريكية على مدار الساعة و تعرض الافلام مع ترجمة عربية.
على كل حال، لم اتوقف ابدا عن الملاحظة و التفكر، حتى بمشاهدتي للافلام الأمريكية التجارية من دون صوت و بترجمة فقط.

الأمر المهم الذي اكتب عنه اليوم هو ليس الأفلام، و إنما الدعايات ، فالدعاية هي الرسالة الواقعية التي تصل الى المتلقي. فالافلام تنتج حول قصة معينة و لا تأمر المشاهد بفعل شيئ محدد مباشرتا، أما الإعلانات فهي مجموعة من الأوامر التي يتلقاها المشاهد بشكل مباشر و بذلك تعكس الدعايات الاتجاه السياسي العام للدولة.

إن المحتوى الاعلاني يشكل الجزء الأهم في الإعلام، لا بل أنك يمكن لك تحليل القناة التلفزيونية أو الصحيفة من خلال كمية و نوعية الدعاية.

هنا تكون الدعايات التجارية هي التي تمول عمل القناة، و هناك ايضا الدعايات الحكومية التي تحتاج لوقفة اطول و تمعن. اهم تلك الدعايات التي تحتاج تركيز هي التي تعرض بالفترة الأخيرة تحت رعاية “الهيئة العامة للترفيه”.

ففي الاونة الاخيرة، أرى نسبة لا بأس بها من الدعايات حول عروض ترفيهية تحت رعاية الهيئة العامة للترفيه، و هنا نرى بهرجة و ألوان، أشخاص يتنططون على مسرح و مغنين العالم العربي و عارضين ترفيهيين اخرين يقومون بشتى أنواع الفنون.

قد تعتبر هذه نقطة إنتصار لفئة الذين يتوقون إلى التمتع بالحياة، لكن في الحقيقة هذه هي انتكاسة بالنسبة للمجتمع السعودي و العربي و حتى بالنسبة للحاكم (محمد بن سلمان).

“الوناسة” هو مفهم شعبي يستعمل في الشرق العربي و هي كناية عن كل الفعاليات الترفيهية و الفكاهية و تكون الوناسة بمثابة الحلوى/السكاكر التي يرغب لها الأطفال، فتخيلوا كيف سوف يصبح الشعب عندما يتناول “الوناسة” من دون قيمة غذائية تذكر.
الجانب الترفيهي من الثقافة هو جانب مهم جدا، ولكنه يجب أن يكون جزء من منظموة ثقافية متكاملة، تماما كما الغذاء، فالجسم الصحيح يتطلب تغذية متكاملة و ليس فقط “السكاكر”.

على كل حال، عندما كنت في مكة، كنت ارى سيارات “هيئة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر” تجوب الشوارع و تلاحق الذين لا يخضعون للاوامر و النواهي الدينية، و كانوا لا يتوانون للحظة عن استعمال الخيزرانة أو حتى احداث مشكلة للمشاكسين و خصوصا في اوقات الصلاة التي تدوم لقرابة الساعة.
اليوم نرى افول تلك الهيئة و صعود نجم هيئة أخرى، و تبقى المعضلة موجودة كما هي. فمفهوم الحرية لم يطبق لا في ما سبق، و لا في ما هو آتي. ففي ما سبق كانت الحكومة تدفع الأفراد دفعا الى التدين، اليوم تحاول الحكومة أن تدفع الأفراد إلى البهرجة، و لم يفهم الحاكم بعد أن الحرية ليست بأن يقوم هو بدفع الفرد إلى فعل او نمط معين و انما الحرية الحقيقية هو ترك الفرد يختار ما يريد من فعل و نمط حياة.

إن نسبة الجهل المتفشية لا يمكن لها تغييب نسبة الوعي و الثقافة العالية الموجودة لدى المفكرين في الوطن العربي و خصوصا في السعودية، فمهما كانت فكرتك سيئة حول السعودية و السعوديين، فلا تجعل هذا يعمي نظرك عن القمم الفكرية الموجودة في هذا الشعب العربي الشقيق.

كلما ارى دعاية للهيئة العامة للترفيه، اصاب بالحزن، اهذا هو نتاج ثوراتنا العربية، مهرجين يتراقصون على مسرح و عقل عربي مغيب عن التطور الفكري؟

لا، هذا ليس ما نطمح له، نحن نطمح إلى الحرية في التفكير و التصرف، نحن كباقي البشر في كل مكان في العالم نستحق فضاء حرية يتيح لنا أن نكون مفكرين و منتجين فكريا.

نعم الشعوب تحتاج إلى الترفيه، لكن ليس على حساب عقلها.

ولكن لماذا هذا الكلام يجب أن يهم الحاكم؟ في الحقيقة الرؤية المستقبلية للسعودية التي طرحها الامير محمد بن سلمان (و التي سوف يحتذى بها في باقي الدول العربية) تحسب فقط عدد الدولارات الامريكية التي تخرج خارج المملكة عن طريق السياح السعودين (100 مليون $ سنويا) و التي يمكن استذجابها من خلال المنظومة الترفيهية التي تدار من قبل الهيئية العامة للترفيه. فالمواطن السعودي لن يحتاج إلى السفر إلى خارج المملكة لكي يحظر فلم او مسرحية، و إنما سوف يصرف تلك الأموال داخل المملكة. لكن بمجرد فتح الباب، فيجب على الأمير أن يتوقع من الشعب السعودي المطالبة بفتح المجال للمزيد من التحرر في مجال الترفيه، و لا يستوي المر إلا بالسماح لفتح الحانات و نوادي الديسكو. إن هذه الخطوة تؤدي إلى تحويل الشعب السعودي من شعب مكبوت إلى شعب يستهلك الوناسة و لا شيء آخر.

إن الوطن لا يبنى بعقول ضحلة، تعمل طول الاسبوع في وضيفة فارغة مجرد لتمضية نهاية الأسبوع في الملاهي.
إن أساس الوطن القوي لا يبنى إلا على العقول النيرة و المبدعة، التي تفكر و تعمل و تنتج في شتى المجالات و لا سيما في مجال الفن.

1 تعليقك

  1. تحية طيبة : وما المانع ان يكون هناك ترفيه في المجتمع
    المواطن يستحق ان ترفه دولته عنه
    على الاقل دولته لا تزجه في حروب اجبارية تستنزف حياته وموارده

اترك رد