في مسألة الديمقراطية وهيمنة بنى التخلف والرجعية


 

ربما يعتبر سؤال التخلف والتقدم في مجتمعاتنا، من أكثر الأسئلة طرحا وبحثا في الوعي العربي، وخصوصا بعد انتكاسات وإخفاقات المجتمعات العربية في تحقيق هياكل عربية ديمقراطية تحتوى على مدارات العلم والمعرفة والمواطنة وفقا لرؤية عربية تنطلق من الداخل العربي، وتنتهي بقيام وحدة عربية كاملة في السياسة والاقتصاد والمجتمع. فواقع الأمر أن الشعوب العربية اليوم تعيش أنماطا مختلفة من التعاطي مع المشهد السياسي العربي الذي تفرزه عوامل دينية وثقافية بالإضافة الي التحولات الإقليمية والدولية، فثمة مخاطر يثيرها المشهد السياسي العربي بعد توقف الثورات العربية عن استكمال شروط نموها ونضجها المعرفي، فأول هذه المخاطر هو افتقاد الشروط الثقافية التي تكفل قيام النظم العلمانية الديمقراطية، وهي شروط تتمحور حول تجانس رؤية الشعوب العربية لما يريدون تحقيقه من بعد ثوراتهم الشعبية، إذ واقع الأمر يكشف أن المواطن العربي، بتجلياته وتناقضاته ومنظومته الفكرية، لا يصدر قراراته الشخصية عن قناعة غالبا، بل تكون الولاءات الهامشية هي المسيطرة على القرار والاختيار، وهو ما يضعنا أمام حالات من الاستلاب الفئوي والعرقي والديني لصالح بقاء الأنظمة العربية ودوام تحكمها بمسيرة التغيير والتبديل. فحين تضعف إقامة الشروط السياسية الديمقراطية للأنظمة العربية، فضلا عما تعكسه اللحظة التاريخية الراهنة من تراجع قومي وعربي في مختلف المجالات، يأتي هنا العقل العربي محملا بشتى رواسب العجز عن التكامل والاتحاد من جهة، والإعجاب بالنماذج الماضوية الدينية من جهة أخرى، ليتشكل في نهاية المطاف تناقض يدفع الي جمود وعصبية العقل العربي، وبالتالي الإبحار في المجهول دون رؤية واقعية أو قيادة ثورية قادرة على مسك زمام التحرك والتنظير واتخاذ القرار بصورة شعبية تبدأ من الخليج العربي الي المحيط الأطلسي.

لقد فشلت الممارسة التاريخية العربية في تجاوز تحديات البناء والتنمية، وتجلى ذلك في عجز الأنظمة العربية ومؤسسات المجتمع المدني عن ترجمة طموحات الشعوب العربية في التقدم وبناء المجتمعات وفقا لنموذج الدولة الحديثة، مما جعل من غالبية الشعوب العربية تعتبر مشاريع النهضة عاجزة عن التحقق والاستمرار. فمشكلة التخلف اليوم أعمق مما تبدو ظاهريا، إذ لا يقف انقسام الدول العربية والشعوب عند نمطه الآني، بل تجاوزه الي انقسام آخر أكثر خطورة وتأصيلا على الصعيد الاجتماعي وهو يتمثل بجزئيتين، الأولي التقليد والتاريخية: ونعني بها استمرار انتاج المنظومات التاريخية بصورة اجتماعية واقتصادية ريعية غارقة في النمذجة، مع هيمنة الثقافة القبلية والدينية التي تعلى من عوامل الانشطار وعدم التسامح، مما يجعل المجتمعات العربية تعيش في حركة ركود وثبات وجمود. والجزئية الثانية تتعلق بالحداثة المظهرية: حيث أصبح هذا العامل من أهم الأسباب التي جعلتنا نركن الي وضعنا الحالي، فتغليف مجتمعاتنا بإنتاجات الغرب المادية جعل من الانسان العربي يكتفي من الحداثة، وينكر عليها الفلسفات السياسية والاجتماعية والفكرية الداعمة للتغيير وتداول السلطة وخلق الانسان الحر، فكرا وعقيدة ورأي.

إذن، وفي سياق التقليد والتاريخ، والحداثة المظهرية، تعيش مجتمعاتنا العربية انقساماتها، وتتنازع أهواءنا مرجعيات متعددة، ويأتي الأمن السياسي والاجتماعي كأحد أبرز مظاهر الفشل في تحقيق أي من التقدم النهضوي، ولا يعزو العرب هذا الفشل إلا الي نظرية المؤامرة كحل أخير يواجهون به ثقافة الاستبداد التي خلقوها في وعيهم ولا وعيهم الباطني وذلك لعدم قدرتهم على مواجهة الخوف وتخلفهم. وهكذا أتي التفكير السياسي العربي كأحد عناصر ثقافتنا، الغارقة بالتدين، بعيد عن القواعد والآليات العقلانية ليكون مشحونا بالعاطفة، معولا على النوايا، ومحتكما الي الصدفة والتقليد، ومجافيا لشروط العقلنة التي تربط المقدمات والنتائج، حتى ليبدو القرار السياسي، سواء الصادر من الأنظمة العربية أو من الخيار الشعبي محكوما بمنطق الأزمات والمفاجآت فضلا عن الإملاءات والتبعية والولاءات الدينية والطائفية. إن السياسة العربية تواجه مشاكل حقيقية في المدى القصير والبعيد، في ظل تصاعد المشكلات الداخلية للدول، الطائفية وغياب الديمقراطية والعلمانية، وصعود التيارات الدينية، والتدخلات الإقليمية والدولية واسعة النطاق في المنطقة، ومدى قدرة القيادات العربية الجديدة، سواء الإسلامية أو القومية، هذا إذا استبعدنا التيارات العلمانية والليبرالية لمحاربتها بشكل قوي من قبل السلطات الدينية والأنظمة العربية لاعتبارها الخصم القوي الوحيد، على إيجاد صيغة إقليمية تحقق مصالحها في إطار متعدد الأطراف، دون أن تهدد المصالح الدولية، وغالباً فإنه إذا لم يتم التمكن من ترتيب الأوضاع الخاصة ببناء الدولة المدنية والهياكل التنظيمية في هذا المدى، سوف تتحول السياسة العربية إلى مجرد هوية استبدادية على المدى الطويل.

إن ضرورة استعادة الشعوب العربية شعورها بجدوى المشاركة السياسية وجدوى التحولات المدنية الحضارية، يبدأ من زعزعة الأسس الاقتصادية والسياسية التي أسست الفساد والاستهلاك والتبعية والجهل، وتكريس جملة الممارسات الحقوقية والتنفيذية التي تمنع كل أشكال التعدي على حقوق المواطنين، الفردية والجمعية، وكسب المزيد من الحقوق الديمقراطية في الحياة السياسية، والحذر من تسطيح فكرة المجتمع المدني وتخفيضها واختزالها الى جمعيات غير حكومية تهتم بقضايا جزئية، والتأكيد على استقلالية المواطن، والنضال من أجل جعل حركة المجتمع المدني في المجتمعات العربية لا تنفصل عن حركة المجتمع المدني العالمية، ومواصلة العمل والكفاح في مجال الإصلاح الديمقراطي، والقيام بخطط لنشر ثقافة حقوق الإنسان والمساواة والحريات، وتطوير الديمقراطية داخل العقل العربي وثقافة المجتمع، ودعم المجتمع المدني بكافة مؤسساته ومنظماته، وتفعيل الحوار بين مكونات المجتمع العربي بهدف بناء الإنسان العربي الجديد على اساس ديمقراطي علماني.

لا تعليقات

اترك رد