” الْبُرُنْزِيُّ “ وَشَهْلَاؤُنَا مِنْه


 

راسخة قدمه في أرضه؛ يعرف شعابها وأحراشها ومَرْواتها، ويَمِيز شَرود نبتها وحشائشِها، يرعى مواشيها مُدّة نايٍ من حنين مطمئنّا إلى مجلسه من شيخة الشّجر الخرّوبة العظيمة، ماض هواه لوطنه إذ يتحدّى المستعمرَ فيكسب الرّهان، ويُتلى نشيدٌ غيرُ نشيده فتعتصر قلبَه الأشواكُ، وإذ يفزع إلى معركة الجلاء شاهرا تميمتَه “ميتةَ أنوفا في سبيل الوطن”، وإذ يُفتَن” بالتّعليم على قلّة ما تلقّى منه” يراه أساسَ البناء وشرطَ التّرقّي وبلوغِ الأسباب حتّى أوى وشهلاءَه إلى ابنتهما الشّريفة بالتّعلّم المكينة به؛ كبُرت في عينيه فهو يُجلّها، واصطحب أحفاده إلى مدارسهم مفتتحَ كلّ سنة دراسيّة، وإذ يُحلم نفسه بأن يكون جدّا لطلبةٍ وقد أعجزه أن يكون لهم أبا.

وهذه منسأته شاهد على أصل حتِد فيه وكرُمَ، وعلى عقل يردّ إلى هُداه ما ازّاور فكان له صدر المجالس وفصل القول، إنّه جبل من قِيَم وشَمَم.

هذا البرنزيّ سَمِيُّ معدن تضامّت فيه المعادنُ، وسَميّ لون من تراب البلد وزيتونه. وإنّما المعدن منبتُ الشّيء وجوهره. وهو في القصّ أصلٌ ترتدّ إليه فروعه فمهما أوغلتْ ونأتْ في المكان عطفتْ عليه “رحلاتٌ باطنيّةٌ” أساسها القلب والنّفس والخيال والذّهن والفكر والحلم تخرق الخطيّة بالاسترجاع حينا والسّبق آنا آخر:

على فراش فرنسيّ وثير يعالج الأنوثة، تذكّره ملاءتُه الشّبقةُ كدرونتَه الباليةَ راعيا فيذكّره مقامُ الرّعي يتمَه، تعيده قطرة ندى إلى مقام الرّعي وتعيده قطرات ماء باريسيّ إلى فراشه الوثير، وهو في مجلسه في حيّه يسامرهم في حفلهم يتجلّى أمام ناظريه صباه الحالمُ وحبُّه الغضُّ يوقظه منه لفحُ غيرة أصاب وجهه، وهو في وحدته في السّقيفة المظلمة وشهلاؤه في مشفاها تطبّب أمومتها ذكر موت عمّه بوسدرة كافلَه وامتداده في الحياة وقد أمدّه الحكمة والبصيرة. …

كذا تتالى فصول الرّواية لوحاتٍ يتقاطع فيها الماضي والحاضر والمستقبل، التّاريخ والرّاهن، وتتضامّ فيها الأزمنة وتتجاور فيها الأمكنة غربيّها وعربيّها، مدرها وحضرها، أليفها وغريبها، وتتناوب فيها الصّور متكاثرة متدافعة وتلتقي فيها شخصيّات وألسن وتصاريف كلام.

رحلة في ذاكرة البرنزيّ؛ يحملنا تيّار وعيه الحرّ في ما شاء من وُشوم حسّه، ومن فِكِره الباطنة ومن عفو خواطرَ تمتلئ بها نفسُه ويُعرب عنها ضميرُه قبل أن تتخلّق كلاما يجهد الرّاوي في سياسته فهو في تمتمة أو صمت أحايينَ، ويكابد الكاتب ريشةَ قلمه يخطّها ويمضي في ذلك معه “حيث شاء ممّا ضُربت عنه الأستار والحُجب”

هذا البرنزيّ مِنه سُردَ الرّاوي فبعينيه يرى ويرسم، وبقلبه يألم ويأمل وتعتاده الأطراب والأشواق، وهذا الكاتب قد تامه هواه، كما تامنا نحن القرّاءَ، فهو” تيموميّ، التبس به وشاع فيه حتّى تعانق ماضي القصّ وحاضر الكتابة، وحتّى أبصر بحياته الماضية حياتَه الحاضرةَ، وحتّى اقتحمت شخصيّاتُ الحكاية “نفقنا الواقعيّ” تُرينا ما لا نرى من أنفسنا وتَفتق جراحنا ” لدرء العلل ويثّ حياة جديدة في الأجسام والعقول”، وحتّى بثّ في تضاعيف السّرد رؤاه وقناعاته الحميمة وعاداته الأليفة.

البرنزيّ وراويه و”تيمومه” نصّ من روح الإنسان يذهب بنا بعيدا في فضاءاتنا الرّحبة، وفي علاقاتنا الحميمة، وفي أنفسنا، يرهف السّمع إلى وساوس صدورنا: يجسّ آلامنا ويقرأ آمالنا ويقول عنّا أسرارنا المخبوءة، نألفه حتّى نُدمنَه وقد أعادنا إلى ماض نعرفه في طفولةٍ قطَعْنا وفي حكايات استمعنا إليها وفي مرابعَ أنِسنا إليها، وإلى أوقات ضاعت في قلوبنا ضوْع حنين نستشعره في بقيّة عهدٍ: عمامةٍ أو منسأةٍ أو بندقيّةِ صيد أو مُزقةِ ثوب…، وإلى جبل من قيم: نخوةٍ وحميّةٍ وغيرةٍ ونجدة وعفّةٍ وكبرياء وحكمة وحبّ وكرم… ” للّه درّ تلك الأيّام وأهليها”.

نصّ يدعونا إلى التّفكير وتمثال “المفكّر” لأوغست رودان أوّلُ عتباته، والصّخرة الّتي لا يني “العريف” يعلوها “شبيهة صخرة سقراط العظيم”:

التّفكير في” فاتنة حبلى وعجزاء”” شهلاء الوطن والحبّ والأنس” كيف نحبّها ونعلقها ونذبّ عنها فنصدّ أعداء الدّاخل والخارج؟، كيف نحترم تاريخنا وتعتدّ بأمجاده؟، كيف نسلم من نفاقنا وأقنعتنا فنجرُؤ على المكاشفة؟، كيف نفتح أقفالا على البيوت وعلى الصّدور؟ كيف نَنفخ “الأرواحَ في الجثث والعزائمَ في العُطُل”؟ كيف نغادر “قناعةَ المستكين” وحالَ “المتنطّع في غير سبيل” ” والظّلمَ والتّيهَ والفوضَى”؟، كيف نهذّب ذوقنا بالخطإ؟ وكيف يبلغنا الزّيف “مصاعد الصّفاء”؟، كيف نورّث أحفادنا ” خلّتي الحياء والمضاء”؟، كيف توازن المرأة في مجتمعنا بين بعديها النّوع والجنس” تروم بفكرها الكمال وتحتفي بالحبّ العفيف الشّهيّ؟، كيف يبيت الدّرس العنصر الأهمّ في حياة أبنائنا؟، وكيف يبيت معلّموهم يملؤون أجوفَهم ” عبرا وعلما ومعارف”؟ وكيف تكون مدارسنا” معبدا للعلم”؟ وكيف نعتدل “على البسيطة في غير ميلان ولا عوج ولا عرج”؟ …

عشقتُ هذا البرنزيَّ كما عشِقْتْه حسناوات التّاريخ وغيده، وكما تُيّمت به تانك الفتاتان اللّتان شهدتا طورا من أطوار تخلّقه، أحببتُ فيه تأمّله فينا مُشرفا على مَرْوَته أو صخرته، أحببت فيه أهازيج جدّاتنا، وأحببت فيه محمودا المسعدي وزهيرا بن أبي سلمى وأبا نواس وتوفيقا بكّارا يجلو بدائع النّصوص.

أحببت فيه تحطّم أسيجة الزّمان، ونضافر أعوان السّرد، وهذا السّبح في “الأرواح والعقول والأخيلة” مخابرِ الإنسان، أحببت فيه تمرّد الرّواية الجديدة في التّبئير الوصفيّ والحوار الباطنيّ والمناجاة والإيقاع الحركيّ للصّور واللّوحات عبر” المونتاج” (Montage) وحبكة الفانتازيا (Fantaisie) والميتاسرد (Métarécit).

أحببت الكنايات والاستعارات، أحببت صمت الرّاوي يدّعي الحياء وما هو بحَيِيّ، أحببت لغةً من رمز شفيف لا تقول حتّى توحي، تَنوّق فيها صاحبنا التّيموميّ حتّى قلقت في مكانها منها لهجاتٌ أليفةُ أو هجينةُ وعباراتُ نَبَتْ فردّتنا إلى الفصيح الصّحيح.

أحببت فعلا قارب الوقوع فكرَبَ، ولونا بلغ مداه حتّى “افعَالَّ” … .

سأصمت وما قضيت بعدُ من “البرنزيّ” شهلائي.

لا تعليقات

اترك رد