عدن ترفض الحرب وتحب السلام

 

“هناك من يرجع تسمية عدن إلى العدون بمعنى الإقامة أو التوطن بالمكان . وقيل أن الأحباش عدوا في سفنهم إلى عدن ، وخرجوا منها ، فقالوا : عدونة ، وتفسيره : خرجنا . ويروي أبن المجاور بأن عدن كانت سجنا لأصحاب الجرائم .

ففي رواية الطبري أنها سميت بعدن بن عدنان ، وكان لعدنان من الأولاد معد وعدن . وأن عدن اسم لشخص يدعى عدن ” وأشتق اسم عدن من المعدن وهو معدن الحديد ” . والنسبة إلى عدن العدني تطلق على من سكنها وأنتقل إليها وأستقر فيها ” – حسب ما أورده المؤرخ د. محمد الشمري ” .

و اسم عدن ساحر يفجر القصص والأساطير ، فثمة قصص وأساطير تحوم في سماء هذه المدينة الأنيسة فيقال :

” أن قابيل بعد أن قتل أخاه هابيل فر إلى عدن مع أخته إقليمة ليحتميا فيها من أبيهما آدم عليه السلام . وبعد أن دفنا جثة هابيل فوق جبل يقال أنه جبل تعكر – جبل حديد – ظهر لهما إبليس وأغراهما بعبادة النار وبنى لهما معبداً للنار فوق جبل صيره ” . ويضيف المؤرخ حمزة علي لقمان في كتابه ( تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية ) : ” أن القديس المعروف ( سان برثو لوميو ) زار عدن وهو في طريقه للهند وأنه رأى العدنيين واقعيين تحت سيطرة الأرواح الشريرة يعبدون الشيطان ويقدمون له القرابين . وكان الشيطان يسكن بئراً في عدن يقال : أنها تقع فوق جبل صيرة ، ويقال أيضاً : أنها في شارع الزعفران . وكان الناس يحصلون على مائهم من هذه البئر . وحين يجتمع الأهالي حول البئر كان الشيطان يصرخ من بطنها ويقذف اللهب فيخر الناس سجوداً على الأرض يترنحون ويقدمون القرابين .فغضب القديس المسيحي وقرر أن يحضر إلى البئر ويشاهد أعمال الشيطان . ولما رأى الشيطان القديس صرخ وقذف بالماء والنار من بطن البئر فوضع القديس عباءته حول وجهه وصرخ قائلاً : ( بسم المسيح المنقذ ابتعد أيها الشيطان وليتجمد ماء البئر ) وفي الحال خمدت النار وفر الشيطان إلى غير عودة وتجمد ماء البئر ” .

فعدن – فضاء واسع للتساكن والتسامح والطمأنينة والانسجام المجتمعي والانفتاح والرفقة والعلاقات الإنسانية الحميمة ، فهي ليست على وئام مع التعصب والحرب والانغلاق وظلمات الفوضى واليأس والتخريب المادي والفكري والنفسي و الوجداني وضد ثقافة العزلة ومنابذة أهل الحكمة والعقل وضد التحريض المهووس الذي يكسر عنق العدل ويخل بموازين المواطنة الواحدة .

فمن سجاياها الغفران وغسل ذنوب الآثمين الذين جبلوا على الخشونة والعنف والنهب والهيمنة والجمود وتيبست أدمغتهم وأصيبوا بأمراض العقل المتصلب . والسمة اللافتة لهذه المدينة العريقة أنها تهضم ثقافات وأفكار ومعتقدات صعبة الهضم وتستوعب الاتجاهات المتباينة فتنبجس من جوفها ثقافة حضرية بقيم جديدة حافلة بالمعاني الإنسانية وبرؤية أوسع كوسع سماء وبحر هذه المدينة الأنيقة المفعمة بمسرودات العشق والمتشحة بالنبل والمزدانة بالانشراح الروحي ، تعيش في خصام دائم مع التبلد والخسة الإنسانية والقيم الجامدة والخبث والرياء والنفاق والفساد والتربح غير المشروع .

لقد شوهت الأيادي القذرة أنامل وخصلات شعر هذه المدينة وأدموا جسدها بتحرشات أليمة تفرض الظلمة على كل شيء وقسط من الأجلاف طمروا البحر وابتلعوا الرمل وزرعوا الشوك وخدشوا روح المدينة في الصميم وأهانوا قاطنوها وأسيء معاملة البشر حتى صاروا على حافة البكاء يعيشون في دوامة من العذاب .

فعدن مدينة رائعة تنام فوق سرير من الماء وفي بحر السكينة والهدوء ومترعة بالتمدن وفضيلة الاتساق يتعذر الإحاطة بسحرها وأساطيرها فهي مشتبكة بالأسطورة والتاريخ والأصالة ومستودع ضخم لمعاني المحبة والوداد والتسامح تركض سريعاً صوب الانعتاق وكسر قوقعة التخلف ولا تطيق الحرب و القمع والجهل وتمزق أثواب القرون الوسطى ولا تستسيغ علاقة تقوم على الإكراه والعنف والطغيان بكل ملابسها وأبعادها المستترة .

عدن ترفض الحرب وتحب السلام ولا تتكلف الكبرياء والتغطرس فمجتمعها فضيل يحمل رنين المعدن الأصيل تقاوم ببسالة خسة الأخلاق وصلف الحاقدين والمتآمرين وحرائق الدسائس العمياء ولن يرغمها الزمن على تقبيل أيادي القتلة واللصوص ودجاجلة الفساد في مناخات الجهل والفوضى والحرب وسياسة كسر الرقاب .

لا تعليقات

اترك رد