المكان سفيراً


 

أهم مافي المكان حين يُصبح ُزماناً ، والأمكنة التي تتحول الى أزمنة هي من تشهد وقائع التاريخ واحداثة وجهود الانسان وإنجازه الثقافي والمعماري ، بل يتعدى ذلك الى تطوره العقلي وخبراته المتراكمة .

ولذلك ليست المدنُ الأثرية ذات الطابع السياحي أمكنة للمتعة المجردة ، أهميتها وجمالها وعظمتها تاتي من كونها دليلك الى الماضي وشاهدا مشاركا في صنع احداثه ، المكان الذي تبدو تجاعيد الزمان على تضاريسه بارزة يجعلك تقرأ حياة أناس تركوا بصماتهم في هذه الدنيا ورحلوا . فتمر عبر مشاهدات موجزة على تواريخ ومراحل صاخبة من نمو المجتمعات حتى الحروب ، وبذلك يتحرر المكان من كونه جغرافيا فقط ليصبح الناطق باسم التاريخ البشري بصور متعددة من الاماكن الحية التي تتحدث وتتضخم بالحكايات ، وتتقدس بالعقائد والطقوس .

دون ذلك لايمكن معرفة قيمة المكان الذي يتحول من مساحة من التراب الى مساحات من الخيال والتوقع والعادات ومخلفات الأرواح في الأرض والقيم ايضا .

وتتعدد وتتنوع حكايات الأماكن ، حسب الحياة التي عاشتها والأرواح التي دخلت الى جمادها ، فتجد الأماكن المنفعلة والأماكن الحالمة والأماكن الآمنة والأماكن الغامضة ، فليست السجون والمقابر كالمساجد وليست ساحات الحروب مثل الجنائن المعلقة أو الكهوف ، لكنها مجتمعةً تشترك في ميزة انجذاب المكان الى الحلم الى التامل الى الخيال .

في عالمنا اليوم أماكن يدفعك تذكرّها الى التوتر وربما الخوف ،فيما تمنحك أخرى الدعة والهدوء والأمان ، منها أماكن الراحة والعبادة أو الدراسة ، تنقلك الى حنين البيوت ودفئها ، وليس مصادفة اننا نكتب هذه اللحظة عن أحد هذه البيوت التي تحولت الى شاهد على مجالس ومدارس وراحلين تعبدوا وتعبوا واستراحوا بين النجف وكربلاء، انّه خان النخيلة ، خان يحط عنده الزوار الذين ينشدون الثواب والغفران منذ القرن الثامن حتى اصلاحه حديثا وافتتاح مرة أخرى ومنحه وساما تكريميا وهو اقامة مهرجان خاص باسمه .

عاش هذا الملمح الحضاري والإنساني مثل الناس ، مذكراته مذكراتهم وعذابه عذابهم حين انتهك وهدم وحوّله الطغاة الى مشاجب للاسلحة ، ليعيد اهله الحياة اليوم الى جسده . ويصبح مثل جميع الامكنة التي ترحل من جغرافيتها الى تواريخ الشعوب ، مبنى ًومعنىً ، ويكون سفيرأ عامراً بالقصص والمعرفة ، حاملاً رسائل الجمال والسلام الى العالم .

شارك
المقال السابقالتطرف الديني وجذوره
المقال التالىأمريكا ” العظيمة “
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد