راقصة المتشرّد


 

كنت أستمتع برشف قطرات القهوة السّوداءالدّافئة على مهل، وأنا أرمق المارّة عبر زجاج المقهى الواقع على ناصيّة شارع جاكوب. شارع أنيق من شوارع مدينة باريس العتيقة. لمحته عندما جاء حاملا بيته على ظهره كالحلزون، وكلبه يتبعه.
كان البرد قد سلب وجوه المارّة ألوانها. وكان اللّون الرّمادي قدفرض سعته على الأكوان.

بكلّ هدوء حطّ حمله بالقرب من باب ضخم يبدو أنّه لم يفتح منذ زمن بعيد؛ ثمّ فتح حقيبة صغيرة وسحب منها مجموعة من علب الألوان رصّفها على عتبة الباب، ثمّ نصب الحامل ووضع فوقه اللّوحة. بعد ذلك أشعل غليونه ووضعه بالزّاويّة اليمنى لفمه، وجذب نفسا عميقا ونفث الدّخان عبر فمه ومنخري أنفه، بعد لحظات.

غرس المثقب اللّولبيّ في فلّين قارورة النّبيذ وجذب، أحدث فتح القارورة صوتا أثار انتباه الكلب المقرفص بجانبه، فرمق صاحبه بنظرة من تعوّد مشاركته في شرب النّبيذ. رفع الرّسام يده بتؤدة ومسح شعر لحيته القذر ثمّ مرّر أنامله على رقبة الكلب، ورفع القارورة إلى فمه ومزّ منها بشهيّة شرسة وحرّك لسانه وأداره حول شفتيه ليلعق ما علق بهما من النّبيذ. إثر ذلك صبّ قطرات في حلق الكلب الذي هرّ معلنا شعوره بالرّضى والنّشوة…

تحرّكت يده بخفّة فرسمت إحداثيات اللّوحة، ثمّ مزجت الألوان. بدأت ريشته تتحرّك بحرفيّة.
رسم كومة طين بنيّة تميل إلى السّواد وبها بعض الخطوط “الآجريّة”. رسم إحداثيات الفتنة لجسد صارخ الأنوثة، ثمّ غاص في عمق الأحمر والأبيض واستحدث اللّون الوردي لوّن به الجسد الذي فجّر الأرضيّة، وتصاعد مخترقا عمق الطّين. رسم ذراعين يتّجهان إلى الأعلى فيكسبان الجسد حركة ورشاقة، ثمّ استدرج الظّل والضّوء فصار الجسد ساحرا تتناغم حركاته مع حركات الرسّام الذي يتمايل وهو يستمع إلى الموسيقى المتسلّلة من المقهى الغير بعيد فتعجّ بداخله المشاعر وتعربد فيصفّر متناغما مع اللّحن. الجسد تتغيّر حركته حسب الزّاويّة التي ينظر منها مشاهد اللّوحة.

أنا كلّ حركاته و أتابعه بوله… ها هو قد توقّف عن العمل قليلا كمسافر يريد أن ينال بعض الرّاحة، ثمّ يتابع رحلته مع الألوان. بعد حين تناول فرشاة ثانية أدقّ من الأولى ولوّن الشّعر بلون عسليّ غاية في الجمال؛ بعد ذلك رسم الحاجبين فالعينين ولوّن القزحيتين فبدتا كزمرّدتين تشعّان من تحت الأهداب الرّائعة. آخر شيء لوّن الشّفتين المكتنزتين بلون الكرز. حرّك فرشاته وجعل الضّوء يلفّ الجسد ويتفجّر من بين الذّراعين، فتبدو الرّاقصة كأنّها تحضن النّور النّابع من بين أصابعها. بحركة لا إراديّة حاولت جذب ثيابي لأطمئنّ على تغطيّة جسدي، أمام أنامل هذا المتشرّد الذي عرّى كبرياء الأنثى كنحات يوناني، وتوغّل بفرشاته داخل دهاليز هذا الجسد الذي يرسمه ويلبسه غلالة شفّافة زرقاء سماوية، ويظهر كلّ مشاعره ويجعلها ترتسم على رصيف ملامحه. اعتراني الذّهول أمام هذه المرأة التي تجمّعت تحت أقدامها خصوبة الكون.
في الجهة المقابلة ومن خلف البلور كنت أرى ما لم يراه أحد. الحياة بدأت تدبّ في الجسد الذي رسمه هذا المتشرّد الثّمل. الأجفان تتحرّك والابتسامة تعلو الشفتين الكرزيّة اللّون. رأيت أجنحة شفّافة ملوّنة تنموا خلف ظهر الشّابة الرّائعة. وشعرت بالدّفء يسري في جسدها فيتوهّج وجهها الجامد… يتورّد ويشعّ منه نور غريب. صارت الرّاقصة كالحوريات في قصص الخرافات. بدأت تحرّك قدميها بأناقة فيحدث وقع حذائها البلّوري صوتا منغّما. حرّكت أجنحتها وغادرت اللّوحة. اخترقت جدران كنيسة “نوتردام” القريبة منّا. كان وقت أداء صلاة الغروب عشيّة يوم السّبت. تحرّكت على الجدران وتدلّت من الثريّا التي تتوسّط سقف الكنيسة كما تفعل لاعبات السّرك تأرجح الجسد الفاتن، امتلأ المكان غواية… لم يتوقّف عازف البيانو ولا توقّف الرّاهب عن تلاوة الدّعاء والحاضرون يردّدون من بعده أمان وعيونهم معلّقة بالجسد السّاحر.

الكلّ مفتون بهذه الحوريّة التي استباحت المكان المقدّس. الكلّ غافل عن بعض. الإنشاد يعلو… ويعلو…ويعلو… والجسد يتحرّك متّبعا النّغم في حركة مبهرة. سكن الجميع فاخترقت الرّاقصة الصّفوف كالنّيزك واخترقت الجدران السّميكة ومرّة أخرى رحلت.
في المسجد اصطفّ المصلّون خلف الإمام لأداء صلاة المغرب. بدأ الإمام يتلو سورة الفاتحة ثمّ سورة الفجر. سكون يلفّ بيت الصّلاة ورهبة وخشوع يسكن قلوب المصلّين وهم بين يدي ربّهم. اخترقت الفاتنة الجدار وتصدّرت فوق المنبر. لم ينتبه المصلّون لوجودها لأنّهم كانوا ينظرون إلى أماكن سجودهم إلّا شخص يقف في آخر الصفّ قد رفع بصره لأنّه أحسّ بحركة غريبة. ما إن سلّم الإمام حتّى صرخ فزعا. تحرّكت الأجنحة في خفّة، وطارت الرّاقصة لتحطّ على قبّة ” الأبيرا”.

غادر المصلّون المسجد وقد أصابتهم الدّهشة ثمّ احتلّهم الغضب. صرخ أحدهم: _لابدّ من القضاء على خالق هذه الفتنة! لابدّ من قتل هذه الفاتنة اللّعينة التي استباحت حرمة المسجد. كيف تحدّثها نفسها باقتحام المسجد. عمّ الهرج وارتفعت الأصوات.
الخلق في خلاف شديد. فجأة مرّ الجسد الفاتن واخترق جدار أحد الملاهي الشّهيرة . دخلت الرّاقصة حلبة الرّقص فذهل الحاضرون وأصيبوا بالدّهشة أمام هذا الجمال الصّاعق، وتابعوا حركات الجسد المنسجمة مع النّغم، والذي يتغيّر حسب وقوع الضّوء عليه ليملأ المكان شبقا. غفل النّاس عن الفتنة وعن خالقها وزارعها وصفّقوا إعجابا. عندها انتبهت إلى الجسد الأسمر الطّويل الذي انتصب أمامي فحجب عنّي المشهد، ووضع ورقة صغيرة بها ثمن الكابوسان…

المقال السابقغاص في النهر البطيء للوقت ” فيسيلا ديموفا “
المقال التالىذا بوست
راضية قعلول أستاذة تعليم ابتدائي وعضوة باتحاد الكتاب التونسيين .أصيلة مدينة مساكن ولاية سوسةز.صدر لي مجموع قصصي بعنوان" على رصيف الذّاكرة"2015 ورواية بعنوان رتيبة 2016 عن دار رسلان للطّباعة والنّشر وقريبا ستصدر لي رواية جديدة بعنوان زهرة العوسج....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد