عن سياسة التصنيف


 

دعونا نتفق بغض النظر عن صحة الخبر من عدمه ، أن إشاعة حذف مؤسسة الأزهر الشريف في مصر لتونس من على قائمة الدول الإسلامية، قد اثارت الكثير من ردود الأفعال المتناقضة، من شامت لمتهكم لمبتهج لحزين.

طبعاً أعتقد أن لا وجود لقائمة مثل هذه، وأعتقد أن وجود قائمة كهذه لا فائدة منه ترتجى ، وليس أمراً منطقياً من الأساس.

مسألة التصنيفات و القوائم تلك ليست إختراع اليوم، وهي ليست حكراً على أحد منا للأسف .

أتذكر لكم أمراً واجهني منذ أشهر عدة .

فقد إستقبلتني في تلك الأمسية صديقتي الغربية المتطوعة في إحدى المؤسسات الخيرية بإبتسامة هادئة، قبل أن تدعوني للجلوس ، حين اختفت ابتسامتها بشكل مفاجئ ، و بدأت ترميني بأسئلة لم أحضّر لها أبداً أيّ إجابات .

قالت و الألم جعل أنفاسها تتسارع بشكل تلقائي :

-هل حقاً تعتقدون أن الله قد قسم الخلق لمسلمين خيّرين و كفّار ملعونين ؟ أعطاكم كمؤمنين صكوك خلاصكم وحرمنا حتى من فرصة المُحاججة ؟

– و هل حقاً تؤمنون بأنكم تملكون الحقيقة المطلقة و أننا صمٌ بكمٌ كالحيوانات ؟

-هل حقاً تعتبرون أنفسكم خير من باقي أمم الأرض، و أنه من العدل أن تتحكموا بمصائر البشرية و بتفكيرهم و بطرق معيشتهم بل و حتى بنوعية طعامهم ؟

-هل حقاً تعتبرون أنّ كل نسائنا عاهرات ؟ و أنّ كل رجالنا دواويث ؟ و أنّ فتياتنا خُلقت لترضي غريزتكم و أنّ غلماننا خلقوا ليخدموكم ؟

-هل حقاً تعلّمون أولادكم أنّنا نجس ، و أنّه عليهم عدم مصافحتنا و تناول الطعام معنا ؟

-هل حقاً تؤمنون أنه اذا صافحت سيدة منكم رجل منا فإنها تتطلق من زوجها بشكل أوتوماتيكي ؟

– هل حقاً على نسائكم أن يستروا شعورهم من نسائنا ؟

-هل حقاً أموالنا لكم حلّ ؟ و بناتنا و حتى دمائنا ؟

كانت الأسئلة استفزازية و غير مسبوقة ، فبدى عليّ التحرّج ، و بما أنّها لم تكن تنتظر جواباً منّي على ما يبدو ، فقد أكملت :

-أسألك لأني أعرف أنّك لست بمؤمن جداً ، و أرجو أن تشرح لي إن كنتُ مُحقّة أو على خطأ .أنا قرأت سيرة محمد و لا أعتقد أنه قد أمركم بذلك مطلقاً.

كنت أسرح في أفكاري حين استرجعني وصفها لي بأنني لستُ مؤمناً.

فقلتُ لصديقتي التي بدأت تبكي غيظاً :

-لم يأمر محمد بذلك، ولا رب محمد، وليس هناك أبداً أيّ اعتبارات لتصنيف البشر على أساسات غير منطقية.

أعلم أنك تُعانين من بعض المشاكل مع القادمين الجدد لبلدك، إلا أنك يا صديقتي وقعت بذات الخطأ حين صنّفتني بأنني غير مؤمن، لمجرد أنني لا ألتزم بلبس زي الصحراء العربي، ولا أرطن بالفصحى، ولا أوزع نصائحي يمنة ويسرى.

دعينا نتفق أنّ الأخطاء بشرية المصدر، وأنه ما من أحد يملك تخويلا بتصنيف البشر ، و أنّ ما في القلب لا يعلمه إلا رب ذلك القلب .

اطمئنت صديقتي يومها لكلامي ، و لكني الآن بعد إشاعة تونس والأزهر، بدأت الشكوك تنهش يقيني أنا ، وبدأت أصلي ألا تنزلق آخر مؤسساتنا العربية المحترمة لهذا المنزلق الذي لا عودة عنه، ولا تبرير له.

دعونا كلنا نصلي لأجل ذلك.

لا تعليقات

اترك رد