صفقة القرن : البيئة والجذور – ج ٢


 

أزمة النظام السياسي الوطني وانعكاساته الاقليمية :

من الصعب الذي يلامس حدود الاستحالة اختصار منعطفات التاريخ التي مر بهااقليم معقد مثل الشرق الاوسط على مدى اكثر من سبعة عقود في صفحات ناهيك عن سطور ، لكنني كمتابع في هذا الموضوع توصلت الى قناعة مفادها ان المشكلةالاساسية في المنطقة تنبع من أزمة النظام السياسي في دوله جميعاً بدون استثناء، بضمن ذلك اسرائيل . جميع هذه الأنظمة تعيش مايمكن وصفه بأزمة النضوج .

في مرحلة النمو المبكر التي تعيش فيها بلدان المنطقة ، فقد امتزج مفهوم الدولةبمفهوم النظام السياسي ، وان بدرجات متفاوتة ، وتمّ تقديم الأيديولوجيا الشعبويةعلى المصالح ؛ نتيجةً لذلك تنقسم المجتمعات الوطنية على خطوط التنوع العقائديوالانتماء الديني او العرقي . يغمر هذا الانقسام الحكومات والنظام السياسي برمتهويمتد الى الدولة ذاتها رغم ان نقطة البداية بعد انتهاء العصر الإمبراطوري اثرالحرب العالمية الاولى كانت إيذاناً بمشروع مختلف هو الدولة الوطنية الحديثةمتعددة الأديان والإثنيات ، بينما تصنف دول الاقليم حالياً وفق معايير دينيةطائفية . حقق المشروع الابتدائي بعض النجاح ، ثم حدث انكفاء نتيجة الانقلاباتالعسكرية في المرحلة الانتقالية التي مرت بها مجتمعات المنطقة ؛ كانت قد تفككتصيغ الأواصر الاجتماعية القديمة مع قواها الاجتماعية المساندة لكن الوقت والمواردلم يؤمنا البديل المناسب ، واصبح هذا الخلط جوهر النظام الاقليمي ومنبع مشاكلهالمختلفة واصبح المحرك الرئيسي للسياسات هو الاعتبارات المتعلقة بتنمية لنفوذالجيوسياسي بديلاً عن التعاون والبحث في المصالح المشتركة ؛ لعبت الامپرياليةالقديمة والناشئة بحكم نفوذها التاريخي والمستحدث في دول الاقليم دوراً رئيسياًفي الحثِّ بهذا الاتجاه . تبعاً لذلك راوحت هموم دول المنطقة حول مفهوم الامنووسائل تأمينه المباشرة عبر أدوات القوة الصلبة مما منح المؤسسة العسكرية فيجميع دوله ادواراً استثنائية على حساب المجتمع المدني الضعيف اصلاً بحكمحداثة النشوء .

ست دول في الشرق الاوسط شكلت العمود الفقري للنظام الاقليمي قبل عام٩٠-١٩٩١ ، وما عداها فقد كانت تتبع هذه الدولة او تلك : اسرائيل ، ايران ، تركيا، السعودية ، مصر والعراق . ثلاث منها وجدت مصلحة مباشرة في تغييب دورالعراق الاقليمي وهي السعودية وايران واسرائيل ولكل منها اسبابه المختلفة ، وقدتحققت أمنياتها اثر تداعيات قضية الكويت . اما تركيا فقد كان وجود حكومةمستقرة في العراق مصلحة دائمة لها بفعل المصالح التجارية المتنامية خاصة بعدبدء العدوان الايراني على العرق منذ اوائل أيلول عام ١٩٨٠ ، كما وجدت تركياتعاوناً مستمراً من الحكومات العراقية المتتالية لاغراض تأمين الحدود المشتركةفضلاً عن المواقف الهادئة من جانب العراق لمعالجة موضوع تدفق المياه عبر دجلةوالفرات هذا اضافة لاستمرار وتنامي الطموح التركي في نيل عضوية الاتحادالاوروبي والذي دفعها لتنمية علاقاتها الغربية خلال تلك الفترة ، وحتى حين التفتتالى جنوبها العربي ظل طموحها ذو طابع اقتصادي – تجاري حتى قيام الربيعالعربي الذي بدأ يضفي ضلالاً سياسية ستراتيجية على توجهاتها ثم انكفأت معانكفاء الربيع العربي . اما مصر فقد انسحبت من المنطقة بشكل ملحوظ لكنهاتمتعت بعلاقات اقتصادية متنامية مع العراق كما اتخذت موقفا. صارماً من العدوانالايراني في بداية الثمانينات من القرن الماضي وباعت للعراق كميات كبيرة منالأعتدة خلال الحرب خاصة حين أوقف السوڤيت بيع السلاح للعراق اثر اندلاعالحرب مباشرة مع ايران ولفترة قصيرة ، كما رأت مصر في العراق عامل استقراريساعد المنطقة على التصدي للنفوذ الايراني من خلال الأقليات الشيعية مما يرفععن كاهل مصر التزامات قومية لم تكن راغبة او جاهزة لادائها في مرحلة مابعداتفاقيات كامب ديڤيد .

لقد شكلت ظروف الحرب الباردة والثنائية القطبية الامريكية – السوڤيتية طوالالحقبة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع التسعينات من القرن الماضياطاراً عبرت عنه القوى الاقليمية الثلاث ، السعودية وايران واسرائيل ، عن أولوياتهاالامنية تجاه العراق تحت عناوين محددة .

لقد نظرت السعودية الى العراق دائماً باعتباره تهديداً من خلال عدائها للهاشميينالذين اعتبرتهم التهديد الاول لها وفقاً لما قاله الملك الراحل عبدالعزيز ال سعود عام١٩٥٠ لمساعد وزير الخارجية الامريكية جورج ماغّي ، ولم يكن ذلك غائباً عن تفكيرساسة العراق انذاك فقد ذكر السفير الامريكي غولدمان عن نوري السعيد قوله لهخلال لقائه به على هامش مراسم افتتاح اعمال الاجتماع الاول لحلف بغداد انالسعوديين وليس المصريون هم مصدر مشاكله .

لقد اعتبرت ايران العراق كياناً يستحوذ بشكل غير مشروع على مقدسات الشيعةورفضت الاعتراف به كدولة مستقلة عام ١٩٣٢ الا بعد تأخير وتردد ، وكانت قبل ذلكقد بذلت جهوداً دبلوماسية وغير دبلوماسية للحيلولة دون استقلاله ، ولكنها عدلت منرؤيتها هذه بعد الحرب العالمية الثانية بعد ظهور الخطر الشيوعي على حدودها وفيداخل بنيتها الاجتماعية – السياسية ممثلاً بالحركات اليسارية وحزب تودة ولذلكوجدت في العراق حليفاً طبيعياً ضمها معه حلف بغداد منذ منتصف الخمسيناتحتى قيام النظام الجمهوري ” اليساري ” فيه ولذلك يممت وجهها صوب المملكةالعربية السعودية بعد قيام الجمهورية العراقية .

مثل سقوط نظام الشاه في ابران عام ١٩٧٩ تحولاً جوهرياً في النظام الاقليمي .تحولت ايران من نظام ملكي محافظ يسعى لتعزيز نفوذه من خلال نسج تحالفاتاقليمية ( حلف بغداد ، اتفاقات وتعاون أمني مع السعودية .. الخ ) مع المحافظةعلى جوهر النظام الاقليمي الى نظام ” ثورة طائفية شيعية ” وفق صيغة دستوريةغير مسبوقة في المنطقة باستثناء الحلم الاسرائيلي بانشاء دولة يهودية خالصةوالنزعة الوهابية في السعودية إبان مرحلة التأسيس الطويلة وهي نزعة تراجعتبشكل ملحوظ لصالح مواقف تهدف لتبوأ مركز القيادة في العالم الاسلامي متعددالمذاهب .

اما اسرائيل فقد مثلت بالنسبة للقوى الغربية اداةً ” وحاملة طائرات كبيرة ثابتة “في اطار ظروف الحرب الباردة بعد شهر عسل قصير مع السوڤيت بحكم التوجهاليساري لحزب العمل الاسرائيلي الذي تولى قيادة الحركة الصهيونية قبل النشأةولبضع سنوات بعدها ، وانتهى شهر العسل مع اكتشاف السوڤيت الهوية الحقيقيةللكيان الجديد وأثر عقد صفقة الاسلحة الچيكية لمصر ، لكن اسرائيل تحكمهاعقيدة ستراتيجية عقائدية ذات سمات خاصة .

تتسم الرؤية الستراتيجية الاسرائيلية بجرأة الأحلام لانها تتكون أساساً من احلاممستوحاة من أساطير توراتية . يتسم الاداء الصهيوني بقدر كبير من الديناميةوالمهارة واقتناص الفرص ويوحد رؤى الصهاينة رغم تباين مشاربهم العقائدية ، منأقصى اليمين الى أقصى اليسار ومن أقصى التدين الى الالحاد ، وضوح الهدفمهما كان يبدو بعيداً عن الواقعية . في هذا الاطار تحقق للصهاينة قدر كبير منالنجاحات ؛ مهما كانت هذه النجاحات صغيرة او كبيرة فانها تمثل بالنسبة لهمتقدماً باتجاه الهدف ، وصورتهم وفق هذا المنظور هي صورة المنتصر المقتدر ، وهميبذلون جهوداً كبيرة لإظهار نجاحاتهم ويبالغون أحياناً في تكبير حجمها الى حدالمبالغة بقصد إيهام خصومهم وإيقاعهم في حسابات خاطئة ، وليس لخداعانفسهم ؛ لعل احد اهم عوامل النجاح التي حققها المشروع الصهيوني ، اضافةللعوامل الذاتية وكفاءة الاداء حتى الان ، هو انه جاء متوافقاً مع ماتبقى من الموجةالكولونيالية الكبرى التي بدأها الغرب في القرن الثامن عشر ومازالت بعض ذيولهاتعيش حتى اليوم رغم وصول بعضها الى طرق مسدودة قادتها الى التفكك ، وهوماينتظر المشروع الصهيوني في نهاية المطاف ، ومردُّ ذلك الى عجزه بفعل طبيعتهوجوهره عن حل المشكلات التي اثارها وجوده ومن أهمها وجود شعب كامل ذو عمقستراتيجي وحضاري وديموغرافي واسع النطاق مشرد خارج ارضه لصالح بضعةملايين من المهاجرين . لقد عجز النظام الذي إقامته الصهيونية عن استيعاب أقليةعربية ( حوالى ٢٠٪‏ ) رغم شكله الديموقراطي ، فكيف به ببقية الفلسطينيين الذينيزمع ضم أراضيهم الى مساحة كيان الأحتلال وبالتالي سيبقى يعيش تحتهواجس الامن والخوف وهو مايشكل جوهر سياسته في الاقليم .

منذ منتصف الخمسينات اعتبرت اسرائيل ان التحدي الاقليمي الأكبر الذييواجهها على المدى البعيد بعد مصر هو العراق لعدد من الاسباب ، أولها الواقعالجيوستراتيجي حيث يقع العراق على مقربة من خاصرتها الشرقية الرخوة فضلاًعن وفرة موارده وعلاقاته الغربية المميزة ؛ وقد تعاظم ذلك مع خروج مصر عملياً مندائرة الصراع العربي الاسرائيلي ليصبح العراق هو التهديد الاول منذ بدءالثمانينات خاصة مع ظهور بوادر على استعادة القيادة العراقية انذاك بعضاً مناهتمام الغرب والولايات المتحدة مما وفر للعراق أوراق قوة اضافية فشلت قيادته فياستثمارها بل انها وقعت في اوهام غرور القوة لتحل على العراق كارثة الكويت .

{ ملاحظة : يمثل حدث الكويت فرصة مناسبة لمحاولة فهم مابدا غير مفهوم في قرارالعراق دخول الكويت رغم التداعيات الخطيرة التي كانت اضحة عند اتخاذ القرار ،لكن الغرابة تتبدد عندما ندرس الامر في ضوء الفرضية التي بدأنا بها حول طبيعةالنظام الرسمي الوطني لبلدان المنطقة ودوره في رسم النظام الاقليمي .

يعتقد البعض ان صدام حسين وقع ضحية إيهام قامت به السفيرة الامريكية ،ويوحي البعض الاخر – استناداً لحديث ادلى به المرحوم طارق عزيز قبل وفاته فيالسجن – بان المرحوم صدام حسين كان في حالة صحية غير مناسبة بان ذلكربما كان اشارة الى حالة عقلية غير متزنة عند اتخاذ القرار يقدمها احد اقربمستشاري صدام حسين . اعتقد ان جميع هذه التفسيرات غير صائبة اذ لم يكنالرئيس الراحل صدام حسين ساذجاً ولم تكن تنقصه رجاحة العقل ، بل تلك هيطبيعة فهم الأمور من قبل النظام الرسمي في عموم المنطقة بما فيه النظام الصهيوني مع فارق الظروف والموقف الدولي ؛ كان العراق يعيش في ظرف يشبهالى حد كبير حالة كوريا الشمالية حيث تنتاب قيادتها قلق شديد من اي حراكامريكي تجاهها ، ذو طابع سلمي او مما يتخذ شكل تهديد او تآمر ، وهو السببالذي دعاها الى تجميد اتفاق المساعدات الامريكية منتصف التسعينات على خلفيةالقلق من تحول برنامج المساعدات الى بؤر لنفوذ امريكي ” مُفسِد ” في قلبالمجتمع الكوري الذي تم بناؤه وفق صيغة محددة تؤمن للقيادة الكورية احكامسيطرتها عليه . لم يكن تفكير القيادة العراقية انذاك بعيداً عن تصور كهذا معاختلاف المفردات ، وهذا الهاجس شكل الخلفية العامة التي تسود تفكير القيادةالعراقية ؛ كان هاجس له مشروعيته التي أضفتها التصرفات الامريكية المنحازة في الصراع العربي – الصهيوني ، وقد جاءت بعض التسريبات المخابراتية حولتحرك عسكري امريكي مؤكد ضد العراق لدفع القيادة العراقية الى المبادرة بأخذرهينة مهمة لإحباط المخطط . ان مجمل الوضع يقدم حالة نموذجية لسلوك النظامالرسمي الاقليمي وطبيعة محركاته ؛ كانت الرؤية داخل اوساط صناعة القرار فيالعراق يسودها نوع من التشوش وعدم الوضوح في فهم صناعة القرار الامريكيويأس من امكانية التأثير فيه ؛ ساد الاعتقاد ان امريكا كتلة واحدة صماءMonolithic وانها حسمت بشكل تام لصالح الصهيونية ، وهو تصور خاطئساهمت الدعاية الصهيونية في زرعه وساعدها في ذلك طبيعة الأنظمة العربيةالحاكمة التي يغيب فيها العمل المؤسسي المتعدد مما يتيح امكانية تقدير المواقفمن زوايا مختلفة ، وهذا هو مصدر الارتياب الذي يسود تفكير هذه القيادات … امرٌاستثمرته القيادة الصهيونية بمهارة وكان من عوامل تفوقها على القيادات العربيةالثورية التي جاءت بها الانقلابات العسكرية بينما واجهت فشلاً ذريعاً في مواجهةالقيادات المجربة . نشر الدبلوماسي الاسرائيلي ايتامار رابينوفيتش عدداً منالدراسات والوثائق الخاصة بالسياسات الصهيونية في المنطقة تحت عنوان

Israel in the Middle East

ويمكن تلمس مدى العزلة والاحباط الذي كان ينتاب القيادة الصهيونية ازاءسياسات التقارب التي كان يتبناها العراق مع الغرب ودول جواره خلال تلك المرحلةالامر الذي وضع اسرائيل في عزلة كاملة في المنطقة واغلق أمامها أبواب عديدة فياوساط القيادات الغربية وخاصة بريطانيا ، وكان ذلك واضحاً في مناقشات مجلسالعموم البريطاني الخاصة بحلف بغداد ، ويمكن ان نلمس بوضوح الفرحة والحبورالذي انتاب القيادة الاسرائيلية عند ورود أنباء الانقلاب العسكري في العراق عام١٩٥٨ بحيث قام بن غوريون بإرسال مبعوثيه فور ورود الأنباء الى كل من تركياوايران لاحياء التعاون القديم الذي شهدته الفترة السابقة لقيام الحلف ، كما ينبغياعادة النظر واعادة فهم المواقف الامريكية المنحازة للقيادة المصرية الثورية تجاهقيادة موالية تقليدياً للغرب مثل نوري السعيد وصلت حد رفض تجهيز العراق بمحطةإذاعة جديدة كان يريدها الأخير لمواجهة صوت العرب المصرية وقد كانت معلوماتالسفير العراقي في واشنطن انذاك ( وزير الخارجية فيما بعد ) المرحوم موسىالشابندر ان اللوبي الاسرائيلي كان يعيق عملية بيع المحطة } .

انتهاء الحرب الباردة والبيئة الستراتيجية الجديدة في الشرقالاوسط :

شكلت كل من السعودية وايران خلال الحرب الباردة عمودي ستراتيجية الولاياتالمتحدة في منطقة الخليج والتي انصبت تحديداً حول موضوع النفط ، وكان البلدانيتلقيان الاسلحة والمشورة العسكرية الامريكية بشكل منتظم منذ مطلع الخمسينات؛ كان لتدفق الثروة النفطية وتوجيهها نحو تحديث البنى الاجتماعية في البلدين دوراًفي زعزعة أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي فيهما ولذلك نشطت الحركاتذات الطابع الراديكالي فيهما . الشيوعيون والليبراليون في ايران والبعثيونوالقوميون اليساريون في السعودية ، ثم القوى الدينية الطائفية المتشددة في مرحلةلاحقة .

لقد حظيت الدول والحركات ” اليسارية ” العلمانية في المنطقة دعماً سوڤيتياًشكل في المقابل عامل تقارب بين الرياض وطهران وقد دفعهما ذلك الى التعاون فيبعض الملفات الاقليمية مثل محاربة المتمردين اليساريين في ظفار دعماً لسلطانعمان ، لكن قيام نظام الجمهورية الاسلامية ” الثوري ” في ايران خلط الاوراقوَقّاد الى قيام الولايات المتحدة بإصدار عدد من الإعلانات الستراتيجية في عهديالرئيسين كارتر وريغان بشأن عزم الولايات المتحدة التدخل في حال تعرض أنظمةالمنطقة الى الخطر وخاصة المملكة العربية السعودية ، وفي ذات الوقت استمرتالجهود الامريكية والاسرائيلية لمحاولة اعادة ايران الى المعسكر الغربي رغم تغيرالنظام السياسي فيها . قدم الطرفان مساعدات عسكرية جوهرية لايران خلالالحرب مع العراق التي ابتدأتها ايران في السادس من أيلول عام ١٩٨٠ .

بالنسبة للسعودية كان الامر مختلفاً . لقد ادى قيام نظام سياسي إسلامي شيعيفي طهران دوره في تحريك المشاعر الطائفية في المنطقة الشرقية للمملكة التيتقطن بعض أرجائها آقلية شيعية تمثلت في عدد من المظاهرات الطائفية في عامي١٩٧٩ و ١٩٨٠ نظمتها ” منظمة الثورة الاسلامية ” الشيعية بزعامة الشيخ حسنالصفار التي اعلنت ولائها لاية الله الخميني ، وقد تم استدعاء الحرس الوطنيالسعودي لاحتواء الموقف في حينه الامر ألذي ادى الى اعتقال العديد من قياداتهذا الحراك وهروب البعض الاخر الى الخارج ؛ كانت هذه التحركات تحظى بدعمسياسي وإعلامي واسع وعلني من قبل السلطات في ايران كما وجد الصفار ملاذاًامناً في طهران وأتم افتتاح عدد من المكاتب التي تمثل المنظمة في طهران ولندنوواشنطن .

انتفلت المواجهة السعودية الايرانية الى ساحة اخرى وهي لبنان حيث شكل الشيعةالنسبة الأكبر والأفقر بين سكان الجنوب اللبناني . وجدت ايران بيئة مناسبةلتصدير ثورتها وتمثل ذلك في تأسيس حزب الله اللبناني والذي أعلن نفسه قوةمقاومة رئيسية للاحتلال الاسرائيلي، وفضلاً عن نشاط المقاومة في هذا الاطار فقدكان من أعماله الرئيسية عام ١٩٨٣ عمليتان استهدفتا السفارة الامريكية ( مايس /مايو ) ثم مقر المارينز ( ت١/أكتوبر ) . كان لبنان انذاك غارقاً في أتون حرب أهلية، لكن السعودية تمكنت من جمع اطرافها في مدينة الطائف عام ١٩٨٩ وتم وضعحد لهذه الحرب من خلال منح سوريا الدور الرئيسي لضبط الامن باسم قواتالردع العربية ، وقد كانت سوريا تتمتع بعلاقات طيبة مع السعودية وتحالفية مميزةمع ايران مما كان يعني حينها منح حزب الله فرصة الاحتفاظ بسلاحه على خلفيةدوره الرئيسي في التصدي لاسرائيل وبالتالي منح ايران وجوداً مقنناً معترف بهفي لبنان ، وهو يعكس سوء تقدير من القيادة السعودية التي ارادت معادلاً للعراقالذي خرج من الحرب مع ايران باكبر قوة عسكرية في المنطقة ذات خبرة عميقةوتجربة عسكرية عملية ؛ ارادت ان ترى في سوريا المعادل لقوة العراق فمنحتها هذاالدور في لبنان بمباركة امريكية . تم استثمار هذا السيناريو امريكياً واسرائيلياً ،والذي تم تنفيذه على ارض الواقع ، جزءاً من سيناريو استدراج ايران للانغماسفي المزيد من شؤون المشرق العربي وحقق ذلك اهدافاً عديدة منها إظهار الحاجةالمستمرة لدى دول الخليج الى الحماية والسلاح الامريكيين والى اعادة ترتيبمعايير العداء والخطر بين دول الاقليم كما سنرى .

لقد أيقظت الثورة الايرانية ماكان قد خبا بريقه في المملكة العربية السعودية بعدالتأسيس اوائل الثلاثينات من القرن العشرين . نعلم ان المملكة قامت اثر تطوراتامتدت لحوالي قرنين من الزمن في الجزيرة العربية شهدا ولادة ” الوهابية ” ، التييخطئ البعض بإطلاق صفة مذهب عليها ولكنها لاتعدو اجتهاداً تجديدياً في اطارالمذهب الحنبلي وتحمل في طياتها عناصر تجديد واحياء للنقاء الطهوريالاسلامي ( Puritanism ) ، ولكنها تدرجت في تبرير الوسائل العنفية على خلفيةمالحق بالإسلام من تشويه وبدع غطت على جوهره وروحه في مهد ولادته ذاتها .كان العنف الوهابي المتمثل باعتبار التوحيد التطهري المطلق هو حجر الزاوية فيالاسلام الصحيح ، وهو اجتهاد صحيح من الناحية المبدأية العامة ولكنها تخطتادانة الصور الاخرى للعبادة ووسائل التقرب الى الله وأخرجتها من اطار المعاصيالى اطار التكفير ثم الذهاب بتفسير متطرف للتكفير باعتباره سبباً لاستباحةالدماء والحرمات ، وكان ذلك من دواعي السياسة اكثر منه الدين ، ويمكن ملاحظةذلك من خلال دراسة تطور فكر محمد بن عبدالوهاب ذاته ثم برنامجه الساعيلفرض معتقداته عبر تحالفاته السياسية اللاحقة التي أناطت باسرة تسعى للنفوذوالهيمنة على الجزيرة العربية لنشر رسالته الدينية .

جاءت الاحداث تتوالى على المنطقة والعالم اثر حرب الخليج وتدمير جزء كبير منقدرات العراق العسكرية ووضعه خارج سياق توازنات المنطقة ، ثم انهيار الاتحادالسوڤيتي وانتهاء الحرب الباردة ومن تداعيات ذلك الانسحاب السوفيتي منأفغانستان ليجد جيش كامل من المجاهدين الافغان – الأجانب انفسهم يبحثون عناهداف جديدة بدل العطالة التي وجدوا انفسهم فيها وأغلبهم قد احترف ” الجهاد ” .

هذا الوضع الجديد بمعطياته القديمة والجديدة انعكس على المنطقة بشكل فراغ فيالقوة ادى الى سباق إقليمي لملئه مع فارق في الاهداف . كانت الحرب الباردةاطاراً حدد مسار انقسام المنطقة الى كتلتين ، محافظة مهتمة بإدامة الوضعStatus Quo انذاك ، وتقدمية كانت تسعى لإقامة مجتمعات تحقق كأولوية اولىالاستقلال الاقتصادي الذي يكسب الاستقلال السياسي معناه الحقيقي ، ومناجل ذلك تم الاستغناء عن الديمقراطية باعتبارها معوقات للتنمية السريعة الشاملةووقعت هذه الأنظمة ، رغم نجاحات أولية ، ضحية دوغما ” احلال البديل الوطني عنالمستوردات ” الامر الذي دفعها لتبني خيار التخطيط المركزي للاقتصاد واختارتالتأميم الشامل لراس المال الأجنبي والوطني وفي النهاية وجدت هيئات الدولةنفسها لاعباً وحيداً على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية فأنتجتدكتاتوريات ” تقدمية ” تجاهلت اولى دروس الاقتصاد السياسي وهو مبداً “استحالة تحقيق الاكتفاء الذاتي ” كما تغاضت عن حقيقة ان أقوى الاقتصادياتواكبر القوى العالمية لم تستغنِ يوماً عن الاستيراد تبعاً لحقيقة تفاوت الكلف وقضيةالجدوى الاقتصادية ؛ على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي تم انشاء طبقةوسطى طفيلية تعيش على ماتتفضل به الدولة من معاشات او اعمال حرة معظمهامن دكاكين تجارة المفرد الصغيرة او المقاولات الثانوية لصالح المقاول الرئيسي وهيالدولة . على مستوى الادارة السياسية وفي ظل غياب التنوع الاجتماعي -السياسي والهيئات المؤسسية انتهى الامر بهذه الأنظمة الى فوضى ” القراراتالستراتيجيةالمستعجلة ” والتي كانت من ثمارها الانصراف عن التنمية المدنيةوالبشرية نحو تصنيع السلاح ، رغم انه متاح في السوق العالمية وماتجاوز حدهالمسموح من التطور التقني لم يكن ممكناً تصنيعه او استيراده ؛ بذلك ظلتالجيوش تعاني من تخلف تقني لاعلاج له الاّ في اطار تنمية شاملة تبدأ بالمدنيوتجد طريقها بعد ذلك الى العسكري في اطار النهضة الشاملة ؛ لم يقتنع العسكرالثوريون بهذا المنطق لانهم جميعاً أرادوا تحرير القدس خلال أعمارهم فوجدواانفسهم في النهاية اسرى أمنهم الشخصي وأمن النظام الشاذ عن منطق الأشياءالذي انشأوه ليتهاوى بعد ذلك تحت ثقل أوزاره ، اما بعجزه الشامل او بحماقاتالغرور وسوء التقدير التي قادت الى مغامرات عسكرية انتهت بكوارث ( كارثة١٩٦٧ في مصر وسورية وكارثة الكويت في العراق عام ١٩٩٠ .. الخ ) افقدتالناس إيمانهم بالمشاريع القومية ودفعت بهم الى الانكفاء نحو الخيارات الدينيةالقديمة او ثورات الشارع المفتوحة على كل الاحتمالات لخلوها من الهدف والقيادةوتحركها مشاعر الغضب الشامل من تردي الحال بدءا من لقمة العيش الى الحريات، لكن اكبر خطايا هذه الأنظمة الثورية ، عدا الفوضى التي نجمت عن اخطائهاوحماقاتها ، انها كانت صريعة اللغة الشعبوية وتحولت الى اول ضحايا شعاراتها ،فوفرت لاسرائيل الذخيرة المناسبة لاستخدام لوبياتها وإعلامها في الغرب كما امنتلها فرصة تخريب العلاقات الغربية – العربية ثم احباط آية فرصة لتحسين هذهالعلاقات رغم انه لايمكن مقارنة حجم مصالح الغربية مع العالم العربي بمصالحهمع اسرائيل لو تعلم هؤلاء الثوريون كيفية اللعب بأوراق اللعبة في حينها ، لكنهمكانوا كما قلت ضحية لغتهم .

كانت الارض ممهدة بعد ذلك ، وفي ظل الوضع الجديد وسقوط المشاريع القوميةالعربية مع انهيار المعسكر الاشتراكي الداعم للحراك القومي اضافة لرفع شعاراتالثورة الطائفية على أسنة الرماح في ايران ، لاجتياح طائفي واثني يعم المنطقة فيموجات متتالية من الصراعات الطائفية التي وضعت شرعية الدول الهشة القائمةموضع التساؤل على أسس دينية وعرقية . جاء احتلال العراق والتورط الامريكيمع ماصاحبه من افلاس الخزينة الامريكية جراء تكاليف الحرب واضطرارهاللانكفاء في المنطقة الى تفشٍ غير مسبوق لظاهرة السلاح السياسي الذي يوصفعادة بالارهاب جراء السياسات الدولية الجائرة وخاصة في القضية الفلسطينيةالتي كانت تعاني من نكسة مزدوجة تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي الداعمللحقوق الفلسطينية على اساس المرجعيات الدولية اضافة الى فشل تجاربالانقلابات ” او الثورات ” القومية العربية بدءاً من التجربة الناصرية وانتهاءاً بتجربةالبعث في العراق وسوريا . ارتفع رصيد الاسلام السياسي السني في ظل هذاالتراجع لمشروع الدولة والمشروع القومي في المنطقة واصبحت السياسة الخارجيةالايرانية مثلاً ذو وجهين ، احدهما يشكل تحدٍ للاوضاع القائمة مع مايثيره ذلك منمخاوف وفي وجهه الاخر نموذجاً يحتذى ولكن بمضمون سني .

لو أردنا اعادة شريط الاحداث فانه من الواضح ان قيام الثورة الايرانية وإسقاطنظام الشاه ( بتوافقاته مع العراق وانهاءه حالة التوتر في الاقليم بتوجهه نحوالمحيط الهندي ، وسياساته في اطار اوپك ) كان هدية ستراتيجية كبرى لاسرائيلثم للولايات المتحدة الامريكية ، أعقبتها الهدية الثانية التي قدمتها القيادة العراقيةبدخول الكويت مستَدْرجةً الى فخ عميق الغور ، اما الهدية الثالثة فقد كان القرارالذي اتخذته السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي بانهاء نظام صدامحسين من خلال تدمير العراق ذاته . هذه الاحداث الثلاثة امنت لاسرائيل بيئةمناسبة لوضع ستراتيجية جديدة بعد ان أزيحت اهم العقبات امام الحلم الصهيونيالذي بدا في أوقات سابقة حلم يقظة بعيد المنال . وصف سيلڤان شالوم القائمبأعمال رئيس الوزراء الاسرائيلي انذاك احتلال العراق ، وهو ثمرة نهائية لهذهالاحداث الثلاثة ، بانه اهم منعطف ستراتيجي منذ تأسيس اسرائيل .

اذا ماراجعنا نشاطات اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة واتجاهاته التيكانت تصب كلها في التحريض على العراق واذا ماراجعنا ارتباطات المخابراتالاسرائيلية بالمخابرات الايرانية والتنسيق معها حول ادارةٍ اوضاع العراق بعدالاحتلال فيما عرف بايران كونترا ٢ واشارة ممثل المخابرات الايرانية منوجهرقربانفر الى ان ماتحقق في العراق تم وفق ماخطط له كلمة بكلمة . اذا ماراجعناوقائع نزع السلاح الكيمياوي السوري على يد ادارةٍ اوباما ونكتشف وفق مذكراتالسفير الاسرائيلي في الولايات المتحدة انها كانت ترتيباً اسرائيلياًً منسقاً معالروس ثم الامريكيين … اذا ماوضعنا كل هذه الحقائق أمامنا على الطاولة فهليمكن ان يتبقى اي شك في انها مؤامرة اطرافها اسرائيل وايران والسعودية باتجاهاهداف مشتركة وتتطابق مع طموحات محددة مشتركة بين هذه الاطراف الثلاثة ،مباشرة بعلم ونية او عن طريق الاستدراج عبر أطراف ثالثة ، وأنهم جميعاً علىاتصال وتنسيق مع القوى الكبرى بدرجات متفاوتة ولكنها قائمة ومنسقة .

لقد جرت مياه كثيرة في نهر الاحداث منذ احتلال العراق ودخول المنطقة في أزمةفراغ القوة وماترتب عنه من مساعٍ حثيثة بذلتها دول الاقليم المختلفة لتمديد نفوذهاوتوسيع دائرة تأثيرها ومصالحها الاقليمية مع تناقضات عديدة وتوافقات اقل فيالاهداف فقد سارت الأمور ، وللغرابة ، في اطار تصورات محددة لخصها موشيهيعلون في مقالة نشرها مؤخراً في مجلة فورن افيرز الامريكية تصور الوضع العامفي الاقليم وكيف تطور وماهي بواعث حراكه .. كُتب المقال من قبل هذا الوزيرالصهيوني وهو يتطابق الى حد كبير مع الوقائع على الارض وكأن القوى الاقليميةتتصرف وفق سيناريو يريده طرف محدد في الاقليم وهي اسرائيل ؛ سيقال انهاعودة الى نظرية المؤامرة التي ناقشنا بعض اطرافها في القسم الاول واعرضماذكره الوزير الصهيوني واترك للقارئ ان يحكم ان كنّا نعيش مؤامرة اطرافها دولرئيسية في الاقليم ؛ قد يشتطُّ الوزير الاسرائيلي في بعض التفسيرات ولكنالاتجاه العام لحديثه لايفترق كثيراً عن الواقع ، علماً ان الرجل يتحدث الان بلسانالواثق من ان المهمة قد شارفت على الإنجاز وان اسرائيل في طور جني الثمار اوحصاد الحاصل ولذلك لايجد حرجاً في الحديث عند هذه المرحلة . حديث يعلون هوصيغة مستحدثة من الترويج الاسرائيلي الذي بدأ الجهر به على نطاق واسع اثرانتصار الثورة المضادة التي أحبطت اكثر الاحداث أهمية في تاريخ العرب الحديثواعني به الربيع العربي . روّج الحديث الاسرائيلي للفوضى التي فرضتها الثورةالمضادة التي نفذتها قوى محلية مموّلة خليجياً ومنها الاٍرهاب او للانظمة العسكريةتحت ذريعة المحافظة على مؤسساتها العسكرية التي لم تقاتل الا في ساحاتعربية ووقفت حارساً لأمن اسرائيل .

قد يبدو ان هنالك تناقضاً في سياق الحديث حيث تعلن الأنظمة العسكرية حربهاعلى الاٍرهاب ويعلن الاٍرهاب حربه عليها ، ولكننا نعلم جميعاً عن يقين ان كلاهمامن مشكاة واحدة .

يتبع

لا تعليقات

اترك رد