حبل الغسيل – لعلياء أرصغلي


 

لا بد من القول بداية إن هذا الفيلم قد أعاد للذاكرة ذكريات اجتياح رام الله صبيحة 29/3/2002، حيث كانت البناية التي تواجدت فيها من أوائل البنايات التي اقتحمها الاحتلال مفجراً أبوابها صبيحة الاجتياح الهمجي، آسراً إياي وزميلاً لي، حيث وضعونا في قبو بارد أضاف إلى برودة الجو برداً آخر، ونحن مقيدي الأيدي وعيوننا مغطّاة بأشرطة سوداء، وقد حولوا البناية إلى موقع عسكري وحصن يتحصّنون فيه ونقطة للسيطرة على قلب المدينة، منتظرين في كل لحظة إطلاق النار علينا، ومعزولين عن العالم بلا أي نوع من الاتصال، ولا نسمع إلا صراخ الجنود، ولا نشعر إلا بحركتهم وصوت السلاح وصوت إطلاق النار وصوت القذائف في الخارج.

لذا كان للأفلام التي تتحدث عن تلك المرحلة أثر خاص في النفس والروح، ومن هنا كانت متابعتي لعرض هذا الفيلم لما له من أهمية نفسية بالنسبة لي خصوصاً ولمن عاش تلك المرحلة عموماً، فهي تعيد للإنسان الذي ينسى كمَّ الذكريات المؤلمة ومواجهة الموت في كل لحظة، وتبعث من جديد إحساساً جميلاً بالحياة شعرناه بعد أن نجونا من الموت.

تقول المخرجة عن فيلمها وسبب تسميته:” يشكل حبل الغسيل رحلة في نفسية امرأة، فبينما يتهاوى عالمها بفعل عزلتها وحيدة في شقة تشرف على المقاطعة خلال اجتياح رام الله في آذار 2002، حيث تعيش يومياً القصف والخوف والذعر في شقة انقطع عنها الماء، وتحولت البناية المجاورة إلى مركز قناصة ودبابات، تبدأ ذكريات طمستها المخرجة منذ سنوات في العيش مرة أخرى، في هذا العالم المعزول والعاري من أي سند اجتماعي، في شقة ذات أباجورات مغلقة اختلط فيها الليل والنهار، والنوم واليقظة، والواقع والخيال، في جو رعد وقصف وبرق مستمر.

يبقى الغسيل الذي غسلته المرأة قبل الاجتياح شاهداً على ما يجري في الخارج، بينما ليس في قدرتها إلا التخيل، من خلال الأصوات والأضواء عن ماذا يجري هناك، في خارج الشقة، بينما تفرض الذكريات واقعاً في داخل الشقة.

لكن، تعود إلى ذاكرتي حادثة وقعت أثناء الاجتياح، وهي أن هناك امرأة حاولت أن تنشر غسيل طفلها على حبل غسيل في شرفة منـزلها، لكن رصاص القناص لم يمهلها، فوقعت ضحية القناص الإسرائيلي شهيدةً من شهداء الوطن تحت حبل الغسيل الذي كان الشاهد مع قطع ملابس من ملابس طفلها تمكنت من نشرها، وتناثر دمها الزكي على باقي الملابس التي رويت بدمها.

يبدأ الفيلم الذي مدته أربعة عشر دقيقة، بأصوات إطلاق نار كثيفة في خارج بيت المخرجة التي كانت تسكن في منطقة المقاطعة، حيث كانت أخطر منطقة هي ووسط المدينة، فهناك كان مقر الرئيس الشهيد، والذي جرت محاصرته وقصفه وتدمير المباني المحيطة بمقره مباشرة، حيث لم يتبق بين القوات المحتلة ومقر الرئيس إلا بضعة أمتار، وبالتالي كانت المنطقة المحيطة بالمقر من أخطر المناطق على السكان حيث تم اقتحام العديد من البنايات والسيطرة عليها وتحويلها إلى مراكز تحصن للجنود والقوات الغازية ومواقع تمترس للقناصة الذين كانوا يرصدون الطير في السماء..

تنقلنا الكاميرا عبر النافذة للمدينة المجتاحة وصوت زخات الرصاص وانفجارات القنابل، وشمعة يتيمة قريبة من النافذة وبعض من ضوء الشوارع والكآبة التي تخيم على المدينة ناشرة الحزن والخوف في النفوس القابعة خلف الجدران، وصباح آخر من صباحات المدينة، وتسلل بعض من النور من بين الغيوم وبعض من أشعة شمس كأنها تقول: لا بد لليل من آخر ولا بد للصباح من انبلاج مهما طال الليل وسادت العتمة. هدير دبابات نراها تتحرك بقوافل تحرك مدافعها إلى كل الجهات، وناقلات مصفحة للجند تطلق نيران رشاشاتها بشكل آلي، وجرافات عسكرية ترافق القوافل لتزيل أية عقبات وحواجز تعترض طريق آلات الموت والدمار. كثافة نيرانٍ وشوارع تخلوا من البشر، وسماء تخلو من الطير ومن الفرح.

وفي انتقال مفاجئ للكاميرا نرى “تسريحة” غرفة النوم ملقى عليها بعض من أدوات التجميل وزجاجة عطر، ملقاة وحدها حزينة، فمن يمتلك في مواجهة الموت الوقت والرغبة في التجمل والتطيب؟! فالكل ينتظر متأملاً أن ينجو من رصاصة تخترق الجدران أو قذيفة تفجر المنـزل، ويبقى فوق ذلك كيف يمكن تأمين الماء؟ فالماء هو روح الحياة، والعديد من المنازل فقدت الماء إما بسبب تدمير خطوط المياه بحركة الدبابات الثقيلة أو بسبب تفجر الخزانات بالرصاص، فلا تمتلك المخرجة كغيرها ممن عانوا العطش وشح الماء إلا أن تفتح البوابة بحذر واضعة وعاءً في الخارج تحت المطر ليجمع قليلاً من الماء يغطي الحد الأدنى من ضرورات الحياة، فتمسح وجهها به، فلا مجال لترف الاستحمام، في الوقت الذي بقي الغسيل منشوراً في الخارج تحت المطر شاهداً على المأساة والألم، فلا مجال لجمعه وإدخاله للداخل بسبب الخوف من رصاص القناصة، وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدينة بقوة الدبابات والنيران وطائرات الأباتشي في السماء مراقبة النملة كي لا تخرج من بيتها، وفي ظل هذه الأجواء الصعبة والقاتلة للروح قبل الجسد، نرى بعضاً من كتب متناثرة في الزوايا، فالكتاب هو الوسيلة الأجمل لمقاومة الوحدة في انتظار الموت، فنجد الكتب منثورة في الزوايا حيث تنقل المخرجة فِراش نومها إلى أكثر من زاوية في محاولة لاتقاء شر الرصاص الذي يمكن أن يخترق النوافذ والأبواب، فلا مجال للحفاظ على النوم في غرف النوم أمام الخطر.

في ظل هذه الصورة المتعبة والمؤلمة تبرز الروح الإنسانية المقاومة حين تخرج المخرجة وهي بطلة الفيلم، أيضاً، أوراقها لتكتب بالإنكليزية لشخص ما كلمات تترواح ما بين الحزن والصمود والإصرار على البقاء، وحين تلقي نظرة متسللة من النافذة إلى الخارج وترى قوات الاحتلال تشرع بتفتيش المنازل فتسأل نفسها: متى يأتي دوري؟ فقلةّ من المنازل لم تخضع للتفتيش والتخريب، وهنا نرى طبيعة الإنسان في هذه اللحظات، فتسارع لإخفاء بعض قطع الحليّ الذهبية وبعض النقود في حذائها لعلها تنجو من السرقة التي مارسها جنود الاحتلال في كل موقع دخلوه.

ويبقى السؤال: هل تمكنت علياء أرصغلي من إيصال فكرتها ونقل الجانب الإنساني من المعاناة للمشاهد؟ أقول: نعم، قد تمكنت من ذلك وصورت لنا معاناة الإنسان الوحيد في منـزل منتظراً الموت أمام جحافل الغزاة، لكنه في الوقت نقسه يبقى متمسكاً بالحياة، معبرة عن ذلك بالعديد من اللقطات، فنقلت لنا الهمجية والخوف والمطر والعطش والصمت والفوضى والموت والحياة.

تبقى بعض من الملاحظات الصغيرة على الفيلم من وجهة نظري كمشاهد، فالفيلم كانت به بعض المشاهد التي كان يمكن اختصار زمنها ونقل صور أخرى، إضافة إلى خللٍ في وضع الشمعة قرب النافذة، وهذا في المفهوم الأمني يشكل خطراً على ساكن البيت، ونقل مشهد دهمٍ في الخارج على أنه مشهد دهم منـزل، وهو مشهد دهمِ مقر رسمي بدلالة العلم المزروع على السور الخارجي، إضافة إلى خلوّ ثلاجة المنـزل من الغذاء رغم أن الجميع كان يترقب الاجتياح وينتظره واحتاط على مواد تموينية، فقد كانت المدينة محاصرة بالدروع والدبابات، وليلة الاجتياح كان الكل يعرف أن الليلة هي ليلة الاجتياح المنتظر.

رغم هذه الهنّات الصغيرة في بعض المشاهد، إلا أن المخرجة تمكنت بحس إنساني عاليّ من نقل المشاهد الذي عاش الاجتياح إلى ذكريات الماضي، والمشاهد الذي لم يعشها للشعور بحجم المعاناة الإنسانية لشعب تحت الاحتلال.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

شارك
المقال السابقهل تهزم القيم ؟!
المقال التالىالثقافة وارثنا التشكيلي
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات