الصراع عبر البنادق بدل صناديق الاقتراع


 

بعدما وضعت الحرب أوزارها مع داعش وضعت الفصائل المسلحة التي حاربت داعش في العراق سلاحها جانبا استعدادا للانتخابات التشريعية والمحلية المزدوجة، يطرح عدد من التساؤلات حول ديناميكية الانتخابات التي تعد الأهم في تحديد مسار العراق، خصوصا وأن 11 يناير 2018 يشير إلى التباس جديد لعلاقة السلاح بالسياسة في العراق الجديد، بعدما شكل الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري تحالف الفتح مع فصائل الحشد الشعبي، بالإضافة على 15 حزبا معلنا بداية مرحلة جديدة مع تنامي نفوذ مليشيات الحشد الشعبي الشيعية في العراق.
لقد استطاع الحرس الثوري الإيراني ربط الكثير من هذه المليشيات المدرجة في قائمة الحشد الشعبي وكذا جماعة أنصار الله باليمن والمليشيات الشيعية في سوريا، والفرق المقاتلة الأفغانية والباكستانية بولاية الفقيه ومنظورها الديني والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط، مع تشبيك لمصالح جيوستراتيجية، وخلق معادلات إقليمية جديدة، وستتحول بهدوء لتنظيم وستكون في المستقبل القريب يد إيران الطويلة بالشرق الأوسط خصوصا وأن هناك مؤشرات تدل على أن هناك نوع من التشابك العملي مع حزب الله اللبناني وهذا يفسر التدريبات المشتركة للتنظيمين في الشهر الأخيرة من عام 2017، لأن تلك المليشيات مستعدة للدفاع عن المصالح الاستراتيجية الإيرانية وهو ما أطلق عليه أكرم الكعبي زعيم النجباء بمحور المقاومة.
أعلنت مجموعة مقاتلي فرقة العباس القتالية وهي إحدى الفصائل المسلحة التابعة للسيستاني برفض المشاركة في الانتخابات بشكل قاطع، لكن هناك أكثر من عشرين فصيلا مسلحا آخر قررت المشاركة في الانتخابات واندمجت في تحالفات انتخابية.
المعارك وحدت الفصائل المسلحة في الجبهات، لكن فرقتهم السياسة ودخلوا في تحالفات سياسية متناقضة، وأكثر المخاوف اليوم من أن تستخدم نفوذها للتأثير على الانتخابات، لأنها أحزاب سياسية لمليشيات عسكرية رغم أن قانون الأحزاب العراقي الذي أقره البرلمان في العام 2015 لا يجوز ارتباط الحزب بأي قوة مسلحة.
فشلت الحكومة في دمج هذه المليشيات في الجيش والشرطة لرغبة قادة الفصائل البقاء قوة مستقلة، لكن طموحها السياسي بالمشاركة في الانتخابات أثار جدلا بين العراقيين، وهناك شخصيات تعتبرها قوة ثالثة بعد الجيش والشرطة، لكن القانون الذي أقره البرلمان في اعتبار الحشد الشعبي مؤسسة رسمية لم يوضح تفاصيل مهمة حول تطبيق ذلك، وطالب البعض بإخراجها خارج المدن ولكن مثل ذلك لم يحصل.
في نوفمبر 2017 أعلنت عشر فصائل مسلحة تشكيل تحالف سياسي باسم المجاهدين للمشاركة في الانتخابات، لكنها فوجئت بمعارضة من السيستاني في 15 من ديسمبر 2017 بعدم مشاركة الفصائل في الانتخابات، ما جعل هادي العامري زعيم منظمة بدر وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق الالتفاف على معارضة السيستاني، وأعلنت وضع مقاتليها تحت تصرف الحكومة، ولكن في الحقيقة ليس جميع المقاتلين.
لم يعلن أي فصيل تسليم سلاحه إلى الدولة، وبعد يومين من إعلان الخزعلي وضع مقاتليه تحت تصرف الحكومة العراقية ظهر في مقطع فيديو بالزي العسكري عند الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل بعد إعلان ترمب القدس عاصمة لإسرائيل وظهوره بالزي العسكري معلنا أن فصائل المقاومة تعلن عن جاهزيتها للوقوف مع الشعب اللبناني والفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي للبحث عن شعبية عربية وتعزيز محور المقاومة التي تحاربه السعودية بعد خسارة شعبيته نتيجة مشاركته في قتل الشعب السوري.
اختفى تحالف المجاهدين الذي عارضه السيستاني وظهر باسم آخر الفتح بقيادة هادي العامري وحصل كذلك مع بقية الفصائل وجميعها تتنافس من أجل الانتخابات، تدخل هذه المرة النواب السنة واقترحوا بتضمين قانون الانتخابات فقرة جديدة تلزم الحكومة بأن لا تكون للأحزاب التي تخوض الانتخابات أجنحة مسلحة، ومنع السلاح خلال فترة الدعاية الانتخابية وحتى يوم الاقتراع، ولكن أحزابا شيعية تحفظت على ذلك.
تنقسم الفصائل الشيعية المسلحة إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول التابع للسيستاني الذي رفض المشاركة في الانتخابات، والقسم الثاني مقربة من إيران وتدين بالولاء لخامنئ ولها مقاتلون في سوريا، والقسم الثالث حركات شيعية بعيدة عن الولاء لإيران.
انضوت الفصائل التابعة لإيران في تحالف الفتح بزعامة هادي العامري ويضم 18 تشكيلا سياسيا بأسماء جديدة مغايرة التي استخدمت أثناء قتال داعش، وتعتبر هذه الفصائل العراق وسوريا جبهة واحدة، وتضع نفسها ضمن محور المقاومة في الشرق الأوسط، وترفض التقارب مع الجوار العربي وخصوصا مع دول الخليج وبشكل خاص السعودية ولها أفكار سياسية حادة تجاه الأكراد، حاولت التحالف مع العبادي سرعان ما انفض هذا التحالف بعد ردود أفعال شعبية.
هناك تحالف بين الحركة الصدرية سرايا السلام وعمار الحكيم باسم سائرون بعيدا عن الحركات الشيعية الأخرى وهما تحالفا عام 2014 لمنع المالكي من الحصول على ولاية ثالثة، وهما أخذا منهجا سياسيا وطنيا بعيدا عن النفوذ الإيراني، لكن تشكيل داعش أجبرهما على المشاركة في الحشد الشعبي، ودخل العراق نفقا مظلما جديدا استمر حتى الآن بعدما استطاع التحالف بين الصدر وعمار الحكيم من إفشال ولاية ثالثة للمالكي التابع لإيران، لكن بدخول داعش استمر العراق في فوضى خلاقة تسرح وتمرح المليشيات التابعة لإيران.
وفي 16 يناير أعلنت كتائب حزب الله عن خطة مشتركة مع الجيش السوري لتنفيذ عملية عسكرية على الحدود مع العراق لمنع التواجد الأميركي، كل ذلك يثير مخاوف من أن يفرز التنافس للحصول على أصوات الناخبين إلى صدامات مسلحة أو التأثير على الناخبين عبر مكاتبها المنتشرة داخل الأحياء المأهولة بالسكان، ما يعني أن أمام الحكومة تحد كبير في أن يتحول الصراع السياسي عبر البنادق لا صناديق الاقتراع، أي أن العراق يستمر في أزمته.
على المستوى الداخل العراقي تأتي عملية الدمج بين السلاح والسياسة عبر ائتلاف الفتح للتأكيد على أن المليشيات المسلحة قوة مركزية لا يمكن تجاوزها لأنها واعية أن السياق الإقليمي والدولي يساعدها على التموقع بقوة داخل الحقل السياسي العراقي الهش مثلما ساعدها سلاحها على الهيمنة على الفل العسكري منذ 2014 إلى اليوم مع سيطرة تامة على جغرافية سنية كبيرة وممارسة التطهير العرقي فيها.
يمكن أن تربح بالانتخابات وتبدأ المليشيات بالدفاع عن مكاسبها الجغرافية والاقتصادية مما ستغير الجغرافية السكانية للعراق، وسيتم تشكيل البرلمان لا يعطي الشرعية القانونية والسياسية لفصائل الحشد الشعبي المسلحة بل سيجعل منها قوة سياسية مشرعة لحالة هيمنة التيارات المسلحة على الحق السياسي الجديد للعراق قد تنتج أجيال جديدة من التنظيمات الإرهابية وسيبقي المنطقة تحت رحمة السياسة الاستراتيجية لإيران ومصالحها العليا.
وفي الوقت الذي يسعى الحشد الشعبي اندماجه السياسي نجد أن التيار الموالي لخامنئ من الأحزاب الشيعية التقليدية وتنظيم بدر بقيادة هادي العامري وأبو يحي المهندس والتيار الذي يقوده المالكي يعملون بشكل جماعي على تشكيل مزدوج وقانوني لجهاز الأمن باستدعاء النموذج الإيراني الخاص بالفصل بين الحرس الثوري والجيش النظامي الإيراني.
رغم أن القانون يمنع على الحشد الشعبي أن يكون حزبا سياسيا أو ينخرط في أي عمل سياسي، لكن القيادات العسكرية استطاعت فرض أمر واقع وتحولت لكتلة سياسية سميت ائتلاف الفتح وهي رؤية لعراق ما بعد داعش تساهم إيران والحشد في بناء مؤسسات الدولة خصوصا إذا لم يستطع العبادي من الحسم فعليا وبشكل نهائي في وضع الحشد الشعبي وموقعة من الناحية الأمنية والعسكرية.
نجحت إيران على المستوى السياسي الخارجي أن جعلت من المليشيات فاعل جديد وفعال في صناعة التحالفات الإقليمية والأممية، كما أن هذا الفاعل أدخل الدول العربية في عصر الطوائف والمليشيات العابرة للحدود والقارات، مع تراجع توحش داعش، لكن يصاحبه استمرار توحش النظام السوري في مواجهة المعارضة التي هي يمكن أن تتحول إلى مليشيات أيضا وهي فاعلا يتجاوز الدولة.
ولكنها تخدم تغير التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط نتيجة غياب عربي في الفترة الماضية، في الوقت الذي تعاني منه السياسة الدولية من تقلبات ناتجة أساسا عن تغيرات سريعة أدت إلى ظهور محاور وتحالفات جديدة على مستوى الشرق الأوسط انعكست على منظومة التحالفات الدولية الشئ الذي عقد من الوضع الراهن وصراعاته المرتبطة أساسا بالمصالح الروسية والأميركية والإيرانية والتركية مما جعل السعودية وحلفائها في موقف ضعيف أمام تزايد النفوذ الإيراني خصوصا بعد التوترات بين التحالف السعودي التركي بسبب ورقة الإخوان.

لا تعليقات

اترك رد