الديمقراطية وثقافة الرمز في المجتمع العراقي


 

رغم ان الديمقراطية أعظم منجز يحققه العقل السياسي إلا أنها لا تبدو كـ أولوية أو خيار حقيقي بالنسبة للمجتمع العراقي ، فهي في واد والمجتمع في وادٍ اخر ، ربما لكونها لم تختمر بعد كممارسة حياتية أو ضرورة لنظام سياسي لمجتمع متعدد الأعراق والديانات ، أو أنها تتقاطع أو تقوض دور الرموز ، اذ لا يمكن لأي ديمقراطية ان تنمو في ظل وجود رموز طائفية وعشائرية وقومية وقيادات وراثية وعائلية ، فمن البديهي في المفهوم الديمقراطي عدم وجود فكرة القائد الرمز لانها تتقاطع مع مرتكز أساسي من مرتكزات الديمقراطية وهو السيادة الشعبية أي حكم الأغلبية وكذلك تتقاطع مع المرتكز الاخر وهو التداول السلمي للسلطة ، فالدكتاتور لا يمكن ان يسلِّم منصبه طواعيةً ، وبالضرورة كل الزعامات وبكل أنواعها السالفة الذكر تحمل نزعات الدكتاتورية ولو بنسب متفاوتة .
ربما تمارس الاحزاب السياسية الانتخابات بين قواعدها لكنها تستثني الرئيس ، فالرئيس او الزعيم يبقى زعيما من المهد الى اللحد وربما يورِّث أولاده لزعامة الحزب ، وعندها يتحول الى الحزب الى كيان عائلي وملك صرف لرئيسه وهذا ما نراه بوضوح في أحزابنا وتياراتنا السياسية، ومن هنا تكون الديمقراطية في مهب الريح
الديمقراطية تعني الممارسة الحرة والمتساوية لجميع أفراد الشعب ، فلا يجوز التمييز بين فرد وأخر ، وهي ثقافة اجتماعية كما يعرفها الفيلسوف الانگليزي كارل ريموند پوپر بأنها النقيض للدكتاتورية والاستبداد ، التي توفر الفرص للناس للسيطرة على قادتهم والاطاحة بهم دون الحاجة الى ثورة او دماء. ولعل هذا التعريف هوالاقرب والأكثر وضوحاً لرفض الزعامات او الرموز .
الديمقراطيةُ النقية هي الديمقراطية التي تطبق كنظام حكم متكامل تحكمها قوانين وتشريعات يتوافق عليها الأكثرية مع حماية حقوق الأقلية ، والتي تتطور بالممارسة ، فليس هناك صلاحيات مطلقة للرئيس ولا يحق له ان يبقى مدى الحياة أو ان يوصي لمن بعده .
ولعل من اهم معوقات نمو الديمقراطية في العراق وجود ثقافة (القائد أو الزعيم) الذي يمتلك المال والسطوة و القطيع الذي لا يعترض في الصح والخطأ.
لذا لا يمكن ان تنتج لنا العملية السياسية الجارية اليوم سوى ديمقراطية شوهاء فيما اذا بقي الزعماء يتحكمون في الاحزاب وسير العملية ، وبقي المتحزبون ملتزمون بمفهوم الزعيم التاريخي .
فالأحزاب ليست إقطاعيات عائلية بل هي مظهر من مظاهر الديمقراطية وهي وعاء يحمل هموم وتطلعات شريحة مجتمعية همها الاول والأخير الحياة الحرة الكريمة، وهي ملك الجماهير ولا يمكن ان يمتلكها أو يسيطر عليها شخص مهما كانت قدراته .
ان ثقافة الرمز هي ثقافة العبيد التي تتنافى مع حرية الانسان وحقوقه المدنية ، وهذا القول لا يعني إلغاء دور المثال او النموذج بشكل تام بل هو إعتراض الى تكريس دور الزعيم وتحويله الى إله مفترض الطاعة .
فما دام الشعب هو من يمنح الشرعية للسياسيين فليس هناك قائد متفضل على شعبه وليس هناك قائد فوق القانون ، وما دامت الديمقراطية. هي التي تفرز القادة بارادة شعبية ، فانها في الوقت ذاته هي نفسها تستطيع ان تسحب الثقة منهم .
واذا أردنا ان نؤسس الى دولة متحضرة ومجتمع راقي علينا ان نرسخ ثقافة المساوات في الحقوق والواجبات ، ولا فرق بين مواطن. ومواطن إلا بما يقدم من إنجاز ، وكما ان لا تزر وازرة وزر أخرى فأن زعامات الآباء لا علاقة لها بالابناء.
فلا يجوز ان ننادي بالديمقراطية ونحن نكرس التوريث في الحكم والعمل السياسي ، ولا يجوز الإيمان بالانتخابات و نستثني منها قيادات الاحزاب والكتل والتيارات .
فالديمقراطية سلة واحدة لا يجوز التبعيض فيها ، فلو اخترت الانتخابات عليك ان تختار حرية الرأي وحقوق الانسان والتعددية الحزبية و تداول السلطة والقيادة الخ .
فما من شك ان الديمقراطية لها بريقها الآخاذ لكنها تحتاج الى ممارسة ووعي ، فهي لا تجتمع مع العشائرية ولا الزعامة الدينية او الطائفية او القومية بل هي ارادة شعبية محضة تتنافى وثقافة الرمز، وليس من أدبياتها علي وياك علي أو بالروح بالدم نفديك يا …… ولا تعترف بالشعارات ولا تستخدم الدين او القومية وسيلة للإقناع انها حكم الشعب لنفسه .

لا تعليقات

اترك رد