محاولات إعادة إنتاج نظام الطائفية و رد البديل

 

ليس بخافٍ على أبسط متابعي الوضع السياسي العراقي، حالات تكرار إنتاج نظام الطائفية والإمعان بتكريس منهجه وإفرازاته، سواء منها االتوجه نحو دولة ثيوقراطية استبدادية، أم تفشي نظام كليبتوقراطي يستند لاصطناع طبقة كربتوقراط مفسدة تتحكم مافيوياً بمجمل المسارات العامة والخاصة في البلاد. ولطالما وجدنا حالات التجهيل وإشاعة خطاب الخرافة وآليات تفشيها واشتغالها؛ الأمر الذي ساعد ويساعد على تمرير أو تكريس منظومة الدجل المتسترة (تقيةً) بخطاب يُنسب إلى الدين مما لم تقله النصوص الدينية المقدسة قطعاً.

وهكذا وجدنا حالات تكرار انتخاب وجوه (مختلفة) ولكنها تبقى بعائديتها إلى نفس العملة والتوجه والنهج.. فلطالما غيرت قوى الطائفية الوجوه التي تمثلها وتنفذ مآربها، كما غيرت واجهاتها ومسمياتها؛ فهي لا يهمها ما تتخفى به، وما يعني بقدر ما يهمها سطوتها على الكرسي والسلطة لإدامة وجودها ونظامٍ خدم مقاصد مرضية انتفعت به ومنه طوال 14 سنةً عجافاً من حكمها.

حال التلون الحربائي لا يضير قوى الطائفية والفساد بل يكرس إعادة إنتاجها وتمكينها واستفحال وجودها بتفاقم غرس مخالبها في جسد الوطن والناس…

هنا يظهر ردّ فعل الشعب بحراك احتجاجي قد يبدأ عفويا مثلما انطلق في 25 شباط فبراير 2011 وفي 31 تموز 2015 وهو الأمر الذي يتطلب تعميد ذياك الحراك الشعبي بقيادة وطنية تمتلك البرنامج البديل والقراءة الموضوعية التي يمكنها معالجة ما أوقعه نظام الطائفية من خراب في الوجود المادي للوطن وجرائم إبادة وتصفيات تراجيدية في الشعب وطبقاته وفئاته العريضة وبمكوناته المتنوعة…

إنّ ترك الحراك عفوياً بلا تنظيم وقيادة مجرّبة، خبيرة ومكينة وفرض ما يُسمى استقلالية الحراك الشعبي، ساهم ويساهم في استمرار و\أو إدامة الفصل بين القوى الوطنية الديموقراطية وقياداتها وبين جمهورها الواسع العريض، والمحصلة هنا، ليست سوى إضعاف الحراك وتمزيقه وإن لم يكن من فرصة لركوبه فعلى أقل تقدير منعه من اللقاء مع قوى اختبرتها الأيام والتجاريب في وطنيتها ونهجها الديموقراطي بوصفه المنهج البديل…

وبمقابل توطد وعي الحراك الاحتجاجي وفتحه جسور علاقة إيجابية مع الشخصيات الناشطة الفاعلة التي تحمل مشروع بناء الدولة العلمانية الديموقراطية سعت قوى الطائفية ونهجها المافيوي لتكريس نهجها المتجه نحو بناء دولة ثيوقراطية كليبتوقراطية.. ومن أجل ذلك لا يمكن لعاقل أن ينفي دفع القوى المرضية لعناصر منها كي تدخل في الحراك وتنسيقياته من جهة ومن جهة أخرى وحيثما انفلتت سطوة قادة الطائفية على جمهور الفقراء الذين يحيون ظروفاً معاشية مزرية وحيثما لم تعد تستطيع منعه من المشاركة الفعلية بالحراك الاحتجاجي نقول من جهة أخرى دفعت بثقلها المباشر عبر قيادة أحد أجنحتها لمنع عبور ذياك الجمهور العريض نحو قيادة قوى البديل العلماني الديموقراطي…

وهذا ما جرى عندما وجدنا القيادة الصدرية التي تمعلا السلطتين الروحية الدينية والسياسية بخطاب هيراركي بطرياركي ممثل بمرجعية تتكئ على تراث سلالي وليس على وجود كارزمي وزعامة حقيقية، وهو استناد يستغل الظروف العامة وآليات سطو على أذهان البسطاء بمنطق الخرافة بوجه للعملة والاتكاء على تاريخ بعينه لم يقرأ منه جيل بعينه سوى عنوان لا علاقة له بما يجري اليوم سوى بمزيد سطوة عليه وابتزاز واستغلال…

وغذ يلزمنا هنا أن نشير بوضوح إلى واحدة من أخطر وسائل إعادة إنتاج (نظام الطائفية) وليس الاكتفاء بالإيحاء نؤكد أن لعبة الظهور بمسميات (مدنية) لم تعد تكفي فدفعوا بإضافة تفصيلية من قبيل حزب عماده (تكنوقراط)..

فهل هناك منهج (مدني) و (وطني) قوى الطائفية عدا الاسم وتزويقات بلا مضمون؟ كيف يمكن لأعضاء ميليشيات أن يديروا مؤسسات دولة مدنية؟ وكيف يمكن لممثلي حيتان الفساد ومافياته ومن نهب البلاد وسبى العباد أن يحررهم من منظومته التي سجلت أعلى النسب العالمية في ارتكاب جرائم الفساد؟ القضية ليست بالاسم ولا بالشعارات التي يطلقونها تستراً ولكنها في المنهج والفسلفة أو الفكر السياسي والمشروع البديل…

وهل تسمية حزب بأنه حزب (التكنوقراط) يحوله إلى هذه الحقيقة النوعية التي لا يمتلكها من يعتمد نشر منطق الخرافة؟ هل بالفعل هناك تكنوقراط لمجرد أن الشخص حمل شهادة جامعية؟ وهل الوجود النوعي للتكنوقراط يعني حصراً حاملي شهادات بلا مضمون؟

وهل من التكنوقراط من لا تمثل شهادته سلامةً، بالإشارة إلى صدورها في جامعات خارج التصنيف الدولي وإلى نظام تعليم مُفرَّغ من محتواه وغير معترف بمخرجاته حيث يعاني من خلل هيكلي بنيوي وبالإشارة إلى أن أولئك الذين يسمونهم تكنوقراط لا خبرة ولا كفاءة ولا انشغال جوهري بالبحث العلمي وتطبيقاته الميدانية كما ينبغي أن يتسم به المشار غليهم كيما يكونوا تكنوقراط… والوضع يسوء وينحدر ويتهاوى عندما نشير غلى التزوير والتدليس وإلى مخرجات مدارس وجامعات ليست سوى حوزات لها تخصصاتها البعيدة عن ميادين التكنوقراط والحياة المدنية برمتها والمتركزة في شؤونها التي يعرفها جمهور العامة مثلما النخبة…

وهل صحيح أن التكنوقراط لوحده يكفي للتغيير والانتقال من نظام (اقتصاسياسي) إلى آخر .. أي هل يحرر التكنوقراط الوطن والشعب من نظام الفساد المافيوي الريعي؟

فإذا كان من يسمونهم تكنوقراط ليسوا أكثر من شخوص تحمل الشهادات التي مر توصيفها معنا وبلا خبرة بناء وبحث أكاديمي علمي ميداني، وإذا كانوا ينتمون أو يتبعون برامج ذات (المرجعية السياسية) بمنطقها الطائفي ونهجها المفسد، فماذا سيحققون من خطى التغيير؟ هل بالفعل يمكنهم تحقيقه حتى لو حسنت النيات؟ أم أنهم سيكونوا مثلما من سبقهم أداة غعادة إنتاج الطائفية نظاماً؟

الكارثة الأنكى، أن هؤلاء إذ يشكلون حزباً يستجيب لشكليات قوانين مفصلة على مقاس قوى الطائفية نفسها كما يدرك جمهور الفقراء ونخب الثقافة التنويرية، فإنهم لا يستمدون تضليلهم فقط من إعلان تسمية وادعاء تمسك بمنهج يعادي الطائفية بمصطلح مزيف بجوهره وبمظهره هو مصطلح (عابر للطائفية) إنهم يستمدون شرعنة وجودهم ووصولهم إلى جمهور الفقراء من تزكية يمنحها لهم حزب أو أحزاب على اقل تقدير بعضها مشهود له بالنزاهة ونظافة اليد وبتاريخه المجيد!!!

إن المرونة السياسية ليس بالتنازل لقوة طائفية فيما يرافق هذا تصلبا وتشددا تجاه قوى علمانية ديموقراطية، على طريق التشدد مع تحالف قوى الديموقراطية في (تقدم) بل تفكيكه والانتقال إلى حيث قوة (طائفية) تراوغ بتشكيل حزب بمسمى يدعي المدنية أو الوطنية وبأنه (عابر للطائفية) وهي ذاتها التي تصر على مشروع بناء دولة ولاية الفقيه الدينية…

أما اعتراضنا على (عابر للطائفية) فباختزال هنا هذا المصطلح يمثل لقاء طائفيين من أكثر من خندق وبمتاريس متعددة في بوتقة واحدة بينما الشعب يبحث عن إنهاء الطائفية ونهجها وعن بديل وطني يلغي الطائفية وبه وبمنهجه الديموقراطي لا يحتاج لتجميع ميكانيكي بين طوائف فرضوها بتحليلات نهج فكري يتعارض وبنى الدولة الحديثة وما فيها من طبقات وفئات غير ذاك الفصل العنصري بين اتباع مذاهب وديانات لمجرد اختلاق التخندقات…

إن إعادة إنتاج الطائفية اليوم قد حصد أوليات تحقيق وهمه بعد حراك شعبي كان يبشر بانتقال نوعي وصعود مد قوى بناء دولة علمانية ديموقراطية بديلا عن نظام الطائفية المافيوي المفسد.. فلقد شكّل تحالفات عديدة وأنشأ كمّاً من الأحزاب بأغلبها بمسميات (مدنية) وبشعارات (مدنية) وحتى ببرامج (وطنية مدنية) وهو بهذا يدرك كيفية حصد الأغلبية في مجلس نواب لا يشكل البرلمان أو الهيأة التشريعية ومرة أخرى البرلمان يتشكل بنصف ونصفه الآخر (مجلس الاتحاد) معطل ومرة أخرى الأغلبية تعود بعد حصاد الأصوات والمقاعد بالدجل والتضليل وبإعادة التحالف بين ما فككه عامدا نظام الطائفية ليعود بحصاد أبعد وأوسع…

ما نأسف له أن البديل الذي تطلع غليه الحراك الشعبي تفكك بتفكيك (تقدم) بدل توسيعه المنشود وتوحيد (جميع) قوى الديموقراطية ونهجها ونظامها.. والأعقد والأدخل في خدمة مشروع أحزاب الطائفية أن يتحالف (طرف علماني او أكثر) مع قوة ظلامية تظاهرت بأنها ضد الطائفية وهي لا تختلف بهذا التظاهر عن كل القوى والأجنحة الطائفية الأخرى كما أن تبرير اختلافها بأن جمهورها من الفقراء هو تبرير معيب أولا لوصم قطاع من جمهورنا بأنه ملك طابو لذاك الجناح بوقت ينبغي للديموقراطي ألا يقع بهذه الخطيئة الفادحة فلكل مواطن الحق باختيار يتحدد في ضوء البرامج وليس حتى في ضوء انتماء لحزب وكأنه قيد واستعباد وفرض وقسر… كما أن نسبة الفقر والفقراء من الاتساع بما يشمل كل أجنحة الطائفية في (أسرها) لقطاع أو آخر من الفقراء ونسبة منهم بحسب اللعبة الطائفية وتمترساتها..

وللرد المؤمل فإنّ علينا أن نراجع قراراتنا باستمرار والعلمانيون الديموقراطيون لا يخشون تلك المراجعة بل هي من صميم مصداقيتهم وسلامة نهجهم وآلية اشتغالهم..

مطلوب ألا نخدم لعبة خلط الأوراق وتضليل الجمهور.. والا نقع بفخاخ أسر الجمهور لقوى الطائفية وما يعيد إنتاج نظامها… لنكن مرنين مع القوى النظيرة العلمانية الديموقراطية

وما يخص قبول رجال دين وشخصيات متدينة تؤمن بدولة علمانية ديموقراطية يختلف نوعيا عن حركات (دينية) فهي أحزاب إسلام سياسي برامجها تقوم على مشروع بناء دولة دينية سواء بنظام الخلافة لجناح أو ولاية الفقيه لجناح آخر والاختلاف بين المتدين والحركة التي تدعي تمسكها (بالدين) هو أن الأول يمتلك نوعيا فرصة اختيار مشروع الدولة العلمانية الديموقراطية فيما الحركات الدينية هي حركات سياسية طائفية بالحتم والضرورة ومشروعها نقيض مشروع التنويريين…

فلا تحالف مع حركات دينية كما أنه لا يستقيم أن يكون لحزب علماني الفلفسة السياسية ديموقاطي المنهج أن يتحالف مع مرجعية دينية لا بوجودها الشخصي ولا بوجودها المؤسسي لأن وجود تلك المرجعية يندرج بحرية الاعتقاد الديني بما لا يُقبل خلطه بالسياسي وفرض سلطته فوق سلطة الشعب وممثليه ..

لقد قرأت هذه المعالجة بضع أعذار وذرائع لتبرير قبول خلط الأوراق والتحالف مع قوة طائفية يزكيها بعض علمانيين بتحالفهم ذاك معها وينزهها عما ارتكبت وعما سيؤدي التحالف معها من إعادة إنتاج نظامها على حساب المشروع البديل..

وأتطلع لمن يتفاعل ويجيب مباشرة عما ورد هنا

هذا متاح اليوم لكنه في الغد القريب لن ينطبق عليه سوى. لات ساعة مندم والشعب فيه من الجراح الفاغرة التي لا تقبل أن ينكأها أحد وترفض أن تكون فئران تجارب لمشروعات سياسية لا يقرها تنظير ولا خبرة…

أفلا تمعنا عميقاً قبل مزيد من تمرير خلط الأوراق والتضليل وبجهد من أصدقاء الشعب وبعض ممثليه وليس من أعدائه!؟؟؟

أؤشر هنا ثقافة حوار بين قوى الديموقراطية هي جوهر من جواهر وجودهم وفلسفتهم وىليات اشتغالهم. كما أنها لا تعني تجريحا بقدر ما تعني مزيد تمسك بوحدة هذه القوة بالاستناد إلى أعمق ثقة بين جميع أطرافها بلا استثناء وايضا التمسك باستقلالية عن قوى الطائفية حتى بجزئية الأنشطة الانتخابية بالاستناد إلى نقاء صفحتها ورفضها تبييض صفحة الآخرين المشبوهة. وأجدد التحية لجميع أطراف الحراك الوطني الديموقراطي وأؤكد تفاؤلي بتحقيق وحدتهم الأوسع واستقلاليتهم الأعمق ومنجزهم الأبهى.

لا تعليقات

اترك رد