معوقات بناء الدولة المدنية في العراق

 

معوقات بناء الدولة المدنية في العراق
الدولة المدنية واحزاب الاسلام السياسي وتأبيد قبضتها على السلطة
غالبا ما يكون هناك خلط مفاهيمي بين اوساط الجماهير في لحظات تأريخية حاسمة، للتأكيد والتعبير عن شكل النظام الذي يراد ترسيخه بعد الانتقال من نظام الى اخر ورسم شكل سياسة هذا النظام. وما تتطلبه المرحلة الراهنة في الدولة العراقية بعد التحول من نظام دكتاتوري شمولي هو المعرفة والفصل بين تلك المفاهيم، ومن هذه المفاهيم الدولة والدولة الدينية والدولة العلمانية والدولة المدنية. ولعدم الخوض في التفاصيل الكثيرة في تعاريف تلك المفاهيم، سنختصر هذه التعاريف:
_ الدولة : مجموعة من الافراد يمارسون نشاطهم على اقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه يتولى شؤون الدولة.*
اما التعريف السياسي للدولة هي تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة. وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب. *
_الدولة الدينية : هي الدولة التي يكون فيها نظام الحكم ديني، ويحكمها رجال الدين وتستنبط قوانينها من الشرائع والنصوص الدينية، اي تعتبر قوانينها سماوية وغير وضعية، ايران والسعودية مثال على ذلك.*
_الدولة العلمانية: وهو نظام يقوم على اساس فصل الدين عن الدولة، اذ ان الرابط بين الافراد والدولة هي العلاقات الاجتماعية لا الدينية، وعلى هذا الاساس فالعلمانية لا تلغي الدين، بل تعمل على التنظيم الاجتماعي خارج ممارسات المؤسسات الدينية وتشريعاتها، لذا ان العلمانية تحرر الدولة من قيود الدين وتحرر الدين من قيود الدولة.*
_الدولة المدنية وهي محور عنوان هذه الورقة: هي الدولة التي يحكمها بكل امورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية افراد ومؤسسات ذوو اختصاصات علمية، بصرف النظر عن اختلاف هوياتهم الدينية او اصولهم العرقية، وليس رجال وعلماء دين، وتبنى الدولة المدنية على اساس الهوية الوطنية ولا تبنى على الهويات الفرعية، وهي تحترم حرية الاعتقاد لكل مواطنيها ايا كانت عقيدتهم، وتحترم حرية التفكير والتعبير، والاهم من ذلك ان الدولة المدنية تعمل بأحكام القوانين الوضعية وليست التشريعات والنصوص الدينية.*
تأثير الدول الاقليمية في بناء الدولة المدنية في العراق
على المستوى السياسي
في العراق وبعد التغيير والاحتلال عام 2003 والانتقال من نظام حكم دكتاتوري شمولي، الى ديمقراطي كان لابد من اختيار نظام حكم يتلائم مع هذا التحول، ولكن القوى المحتلة المتمثلة بسلطة الاحتلال المدني برئاسة بول بريمر والقوى والاحزاب السياسية (التي عملت على مدى 14 عاما لتأسيس مكونات وهمية وجعلت انتماءاتهم طائفية وقومية) والدول الاقليمية، لعبت دورا مهما في تبني وترسيخ نهج المحاصصة الطائفية، فالدول الاقليمية وخاصة جمهورية ايران الاسلامية والمملكة العربية السعودية وتركيا لها دور كبير في افشال مشروع الدولة المدنية، لانها ترى في هذا المشروع التوجه نحو خطوات متقدمة ومتطورة وخلق منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية قوية داخل العراق، ودولة مدنية تعمل على تحييد الدين وابعاده عن الحياة السياسية، مما ينعكس سلبا على اوضاع تلك الدول الداخلية التي تعاني شعوبها من سيطرة رجالات الدين على مقاليد الحكم، وقد يكون ذلك دافع لاحزاب المعارضة والقوى المدنية داخل تلك البلدان لتغيير تلك الانظمة الثيوقراطية، وتبني نظم ومفاهيم خارج الاطر الدينية، وخاصة ان تلك الدول تعاني ازمات داخلية متفاقمة ويصعب وجود حل لها في ظل ضغوطات دولية كبيرة، فالولايات المتحدة واسرائيل والدول الاوربية تضغط على ايران للتراجع عن مشروعها النووي، وكذلك الاتهامات الموجهة من قبل تلك الدول لتركيا والسعودية وقطر في دعم الارهاب، مما يدفع هذه الدول الى تصدير ازماتها الى الداخل العراقي، واعاقة وتعطيل اي مشروع لاقامة الدولة المدنية، من خلال احزاب الاسلام السياسي التي عملت على تغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، لارتباطها وولائها لدول الجوار ايران، السعودية، تركيا ومحاولة تبنيها نظام الدولة الدينية والتي من خلاله تحاول تزييف وعي الشعب وتأبيد قبضتها للسلطة والمال.
على المستوى الاقتصادي
من تحديات بناء الدولة المدنية الديمقراطية في العراق هو اقتصادها الريعي، باعتماد النفط المصدر الوحيد للاقتصاد، وهذا ما يجعل الاقتصاد العراقي مرتبط عالميا باقتصاد الدول الرأسمالية بل وتابع لها من خلال قدرة تلك الدول من التحكم بهذا الاقتصاد، والعمل على تعطيل الصناعة والزراعة في القطاعين العام والخاص وتحويل البلد الى مستهلك، واغراقه بالبضائع والسلع المنتجة لشركات تلك الدول.
وبما ان الاقتصاد هو مرتبط بالسياسة وباحزاب السلطة الحاكمة من احزاب الاسلام السياسي وبعض القوى الليبرالية، والمرتبطة بدول الجوار التي من مصلحتها بقاء الاقتصاد العراقي مشلول، هذا يحتم على نظام الدولة المدنية تحرير الاقتصاد من قبضة تلك الكتل والتي اسست لمنظومة فساد تعدت الحدود، وارتبطت بمافيات عالمية مرتبطة من جانبها بحكومات دول، والتي تسعى الى السيطرة على اقتصاد البلد وبالتالي التحكم بنظامه السياسي، من خلال التدخل بمجمل القرارات والتشريعات المهمة، كقانون الاحزاب وقانون المفوضية والانتخابات وما اختيار قانون سانت ليغو المعدل 1.7 الا لبقاء تلك الاحزاب والكتل الطائفية المرتبطة باجندات خارجية وتهميش القوى الوطنية الداعية الى اقامة دولة مدنية.
ومن المعروف ان مفهوم الدولة المدنية مرتبط ارتباطا وثيقا بالتطور الصناعي، ومن هنا يتحتم لبناء دولة مدنية لابد من اعلاء دور الفرد في ادارة مفاصل تلك الدولة ومؤسساتها والابتعاد عن المحاصصة الطائفية، وان تتصدر الطبقة العلمية والاكاديمية التي تعتبر موارد بشرية مهمة لبناء الدولة المدنية. وكذلك تنويع الاقتصاد العراقي باعادة القطاع العام ودعم القطاع الخاص، وبالتالي الخروج من تبعية الاقتصاد الاحادي الجانب الذي يعتمد على النفط والتي تتحكم به الدول الرأسمالية. اما التحدي الاخر لبناء الدولة المدنية دولة المؤسسات، هو الفساد المالي والاداري الذي اصبح مؤسسة تدار من قبل متنفذين في الحكم وهم ادوات لحماية الفاسدين ومنع ملاحقتهم مما سبب خرقا للتمرد على القوانين والالتفاف عليه، ولبناء دولة مدنية لابد من محاربة الفساد والمفسدين واعتماد قضاء نزيه بعيدا عن المحاصصة.
على المستوى الاجتماعي والثقافي:
ومن معوقات بناء الدولة المدنية الديمقراطية التغيرات الاجتماعية والثقافية، والتي تتمحور حول القيم الاجتماعية التي سادت وبشكل جلي بعد عام 2003، وانهيار البنى التحتية للمجتمع العراقي من قيم واخلاق وسلوكيات، نتيجة الفقر المدقع وبروز ظاهرة الحواسم بشقين قسم منهم وهم الاغلب من الفقراء والمعوزين والقسم الاخر من المجرمين الذين سرقوا المال والسلاح، وهذا الاخير عملت الاحزاب الاسلامية الى احتوائه والسيطرة عليه، فأنتجت طبقة طفيلية جديدة ثروتها من السرقة والفساد المالي والاداري، وبالنتيجة هذا الجزء من المجتمع استطاع ان يصل الى السلطة اما متنفذا او ميليشياويا، بمساعدة تلك الاحزاب ودول اقليمية. مما ولد الطائفية واعلاء الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، مما انتج جدار صلب يقف امام الداعين الى الدولة المدنية الديمقراطية، وكذلك رسم نمط ثقافي معين يعتمد على المحرمات الفكرية والفنية واستلهام ثقافة دينية تقصي ثقافات المكونات الاخرى، مما ادى الى تهميش الثقافة المدنية وعدم اصلاح بنيتها التحتية، من مسارح وقاعات عرض سينمائي ومعارض للفنون التشكيلية، التي من شأنها زيادة وعي الجماهير المطالبة بدولة مدنية.
على المستوى الاعلامي؛
يلعب الاعلام المؤدلج والموجه من قبل الاحزاب والكتل القابضة على السلطة والدول الاقليمية التابعة لها، دورا كبيرا في التصدي لقيام الدولة المدنية الديمقراطية، وتزييف وعي المواطنين وتشويه مفهوم الدولة المدنية، من خلال المنابر الاعلامية والجيوش الالكترونية، التي تنفق عليها اموالا طائلة من المال العام، وتوظيف العديد من المثقفين والكتاب لجعل مفهوم الدولة المدنية من المفاهيم الدخيلة على الاسلام والملغومة بالمحرمات، واستخدام التهم الجاهزة كتهم ملفقة لتخويف الجماهير من الدولة المدنية، وهذا التخويف والتوظيف المشوه للدولة المدنية هو لسيطرة احزاب الاسلام السياسي على البلاد وثرواتها، بمساعدة الدول المرتبطة بها لتسود الدولة الدينية.
وبما ان للاعلام دور كبير ومهم في تغيير مزاج الجماهير والتحشيد والمساهمة في رسم سياسة الدولة، لابد من استنفار اعلامي وثقافي كبير، للتصدي الى الاعلام الداعي لرفض الدولة المدنية وترسيخ ثقافة دينية، وذلك من خلال تحالف ثقافي اعلامي يستند على اسس وطنية، لتوعية وتثقيف الجماهير بضرورة الدولة المدنية الديمقراطية التي تحرر الدولة من قيود الدين وتحرر الدين من قيود الدولة، واحترام حرية الرأي والتفكير.

لا تعليقات

اترك رد