الفســـاد هو ” أرضة ” في اســـاس الوطن


 

“الارضه” هي النمل الابيض ان تمكن من اسس البناء في المنازل واسس امبراطوريته فانه سيلتهم كل البناء من سمنت وحجاره و اخشاب لا وبل حتى الاثاث. و يسمى اهل بغداد هذا النوع من النمل بـ الارضه. ولكي تفهم سبب تشبيهي الفساد بالارضه ارجوك اقرا المقالة حتى نهايتها كي لا ندع مجالا للارضه ان تلتهم الوطن.
ومن اجل حصر المقال في المفيد يتوجب تحديد مفهوم الفساد. فالفساد هو ( اساءة استخدام السلطة الرسميه للحصول على منفعه او منافع خاصه ). من هذا التوصيف او التعريف فاننا حددنا حدود الفساد ومجال عمله ضمن السلطة الرسميه، اي مؤسسات الدوله. ومن هذا التوصيف ايضا فان الفساد لا يتوقف عند حدود الرشوة الماليه فقد يمتد الى تقديم منصب في الحكومه لا يستحقه المتعامل بالفساد. ومن الجلي ايضا ان الفساد يمتلك النزعة الريعيه من الناحية الماليه واحيانا في مجتمعنا يمتلك ايضا عمقا ثقافيا، سنتناوله لاحقا.

اشكال الفساد
1-الرشوه او الكومشن
2-محاباة الاقارب
3-السرقة الرسميه
4-التزوير
5-المحسوبيه
6-الابتزاز
وقد لا نجد احد هذه الاشكال يعمل منفردا، بل في الغالب تتداخل هذه الاشكال مع بعضها. ومن تعداد تلك الاشكال نجد ان بعضها يعود الى اسباب ثقافيه وليس ماليه. ولكن مهمة تبيان الاساس الثقافي للفساد لا تقع ضمن هذه المقاله.
من البيانات التي تنشرها منظمة الشفافية الدوليه نجد ان هناك ترابط عكسي او سلبي بين دخل الفرد الحقيقي و الفساد، بمعنى اننا نجد كلما انخفض الدخل الحقيقي للفرد في بلد ما نجد اتجاه منحنى الفساد يرتفع نحو الاعلى. وهي ظاهرة تحتاج الى الدراسة بتعمق اكثر. الا انني وكاستنتاج اولي اجد ان الفقر يقود الى الاميه، والامي يقبل الفساد لسبب ساذكره لاحقا ضمن هذه المقاله.
وللامانة و الحيادية فان الفساد في العراق يعود الى فترة حكم صدام حسين، حيث كان المقربين من صدام حسين يحصلون على المناصب و الكومشنات و التعينات. الا انها تنامت الان الى درجة ابتلعت كل مؤسسات الدولة العراقية لا وبل اجزاء من المجتمع ايضا. الا ان الفساد زمن صدام حسين كان اكثر ” شرفا ” ( حسب تعبير د. فرانك كنتر )، اما الان، بعد 2003، فلا شرف له. ففي زمن صدام كان المرتشي ملتزم بوعده، اما الفساد الحالي فهو تعاوني، حيث ينخرط المسؤولين العراقيين في تنافس لانتزاع اكبر كمية من الريع و كذلك قبول الرشوة من المواطنين، واحيانا لا يفون بالتزاماتهم المقدمه مقابل الرشوة. وقد تمدد الفساد الى درجة انه اصبح سمة الاحزاب الحاكمه، فكل حزب يمتلك هيئة اقتصاديه تهيمن على مؤسسات و دوائر الدولة تمتص منه ما تستطيع من موارد ماليه، وتتعامل الاحزاب مع مؤسسات الدولة وكانها ملكيات خاصه، الى درجة تقدم رشاوي للاحزاب تلك مقابل تنصيب احد اعضاء الحزب الاخر على راس مؤسسه حكوميه.
ولا اود هنا اعطاء ارقام عن حجم الفساد في العراق، فذلك متوفر على الانترنت، الا بحدود المحاججه، وهنا اورد مثالا لشيوع الفساد عندما يصل الى افصح
حالات التزوير عندما يصل الى السلطة الاهم في الدولة وهي البرلمان العراقي.حيث اعلن المفتش العام لوزارة التعليم العالي ان من بين الـ 14000 مرشح لانتخابات 2009 هناك 4000 حالة تزوير للشهادات، اي ان ثلث المتقدمين لانتخابات 2010 هم مزورين بالجرم المشهود. ومن الواجب الاشارة الى ان هؤولاء هم اعضاء في الاحزاب المهيمنه، و مما يبعث على الاسى ان المحكمة لم تتدخل لمحاسبه مقدمي شهادات مزوره.
ما يهمني في كتابه و محاججه سيادة الفساد في العراق ليس فقط ارقام الماليه، رغم اهميتها، بل لان الاموال تعوض. الذي يهمني اكثر هو ان الفساد يساهم وبشكل قوي في اضعاف الشعور بالمواطنه. حيث ان الشخص الذي يحصل على منافع و امتيازات معنوية و ماديه دون استحقاق، سيشعر بالاحتقار تجاه جهاز الدولة ولن يتوانى عن اخذ الرشوة مقابل عمل غير قانوني. اما المواطنين الذين لم يحصلوا على استحقاقاتهم فان ذلك سيخلق لديهم الحقد و عدم الانتماء، لا بل ويتراجع الفرد الى الانتماءت االثانويه. كلا المواطنين الراشي والغير القادر على الرشوه سينمو لديهم الشعور بعدم اهميتهم و جدارتهم فينتج عن ذلك مواطنين هزيلي الثقه بالمستقبل و الوطن وكلاهما سيعملان بمنهج Hit-and-run

الامـــــي و المثقف تحت رحى الفساد.
الاميه، بمعناها الشامل وليس فقط القراءة والمتابه، داعم اساسي لتفشي الفساد. فالامي بالمعنى الضيق ضعيف امام موظف الدوله الذي يبتزه لا بل هم غير قادرين على مراقبة اعمال الحكومة، واحيانا نجد لديهم فهم للحومه ترتقي الى درجة القدسيه، وهذا نتاج ثقافي للمجتمع في اطيعوا اولي الامر. اما الامي بالمفهوم العام فهو الذي لا يعرف واجباته و حقوقه التي ضمنها الدستور، فهو ايضا ضعيف امام الموظف الحكومي الذي يبتزه.
المثقف في الدولة الريعيه يمثل حلقة ضعيفه جدا، لان المصدر الوحيد لدخله هو التعين لدى احدى مؤسسات الدوله او عبر ” اكرامياتها” التي لا تمثل سوى رشوة للمثقف كي يوالي السلطه وليس ان يصبح خصما لها، فهو يتطلع دائما الى ” اعطوه الف درهم” و الاف درهم بيد السلطة حصرا فيتبرع البعض كي يصبح شاعر السلطه، تقليدا تراثيا لشاعر القبيله، التي كان شيخ العشيرة فيها يمتلك احتكارا الثروة و يقوم بتوزيها حسب درجة القربه و التفضيل و النسب.
الفساد في العراق يسحق القطاع الخاص
عندما حددت العنوان الفرعي هذا بالعراق، فذلك لا يعني عدم وجود الظاهرة هذه في دول اخرى، لا وبل انها ظاهرة ملاصقة ونتاج اساسي للدولة الريعيه، وانما اردت فقط ان استخدم امثلة من العراق.
يحتاج القطاع الخاص باستمرار الى سيولة نقديه لاداء عمله، وهذه ظاهرة ملاصقة لنمو القطاع الخاص. والبنوك هي المؤسسات التي توفر للقطاع الخاص حاجاته الى الاموال السائلة على شكل قروض وباسعار فائدة معقوله. الا ان المصارف في العراق لا تقدم القروض للقطاع الخاص بل للقطاع العام فقط، وان قدمته للخاص فباسعار مرتفعه، مما لذلك القرض لان اسعار الفائدة المرتفعه ترفع من تكاليف القرض. كما وان القروض المقدمة من قبل المصارف الى القطاع الخاص يذهب ثلثها تقريبا كرشاوي للموظفين .
و يعاني القطاع الخاص في العراق من ضغط الفساد عليه. فاصحاب الاعمال يخشون من جلب انظار المسؤولين الى انشطتهم، وبالتالي يتعرضون الى الابتزاز من قبلهم، فيضطرون الى البقاء خلف الاضواء مما يفقدهم فرص التسويق عبر الاعلان و الدعايه، وكذلك يضطرون لعدم النمو كي لا يطمع باعمالهم احد الفاسدين المسؤولين.

نافــــــذة العملـــــة ابتكـــــــــــار فاســــــد
لا يوجد في العالم، ولا في التاريخ العراقي، تجربة مثل تجربة نافذه العمله، والتي عبرها يتم يوميا بيع الدولارات بمئات الملايين بحجة الاستيراد.
لنفترض ان نافذة العمله باعت في يوم معين 150$ مليون، اي ما يساوي تقريبا 170 مليار دينار عراقي، اول سؤال يطرح نفسه من له هذه الكمية الضخمة من الدينار العراقي؟ بعض من ذلك الدينار يمول حقيقيا والبعض الاخر بما يسمى الصكوك الطياره، اي الصكوك بلا رصيد. حيث يحصل احدهم بالتعاون مع بنك معين على صك بلا رصيد مقابل رشوه او عمولة معينه . يستلم صاحب الصك الدولارات من نافذة العمله و يقوم بتصريف الدولار/دينار في السوق فيحصل على ارباح هائلة عبر المتاجرة باموال لا يمتلكها لا بل ان بعضهم لا يمتلك رؤوس اموال كما اشرنا في الصكوك الطائره، فيصبح بين ليلة وضحاها مليونيراَ.
المعتمد عالميا، وكان العراق ايضا، ان يتم فتح اعتماد للشركة المصدره على ضوء مستندات اصوليه معروفه بالنوع والقيمه ويقوم البنك فاتح الاعتماد بتحويل المبالغ الى الشركات المصدره حسب العقد المتفق عليه و شروط الاعتماد. وهي طريقة مجربه و معتمدة في جميع انحاء العالم الا طبعا في العراق، ولك عزيزي القارء ان تستنتج لماذا ؟

خاتمـــــــــه بدل الخلاصــــــــــه
لا يكمن خطر الفساد في الاثار الاقتصاديه والماليه فقط، بل يمتد الى بناء الوطن نفسه و وجوده و مستقبله، فالانسان اثمن راس مال، وتجربة اليابان و كوريا الجنوبيه و سنغافوره اكبر الامثله على دور الانسان . والفساد يخلق مواطنا مهزوزا غير واثق لا بنفسه ولا بالمؤسسة الرسميه يفهم الوطن كعكة يتوجب اقتسامها، وبالاخص عندما يجد ان كبار السياسيون هم الاكثر فسادا ويلتهمون كريمة الكعكة بنهم شديد.
ان شعور المواطن بان الدوله توكله وتلبسه وتسكنه، اي انها متفضلة عليه، كناتج اساسي للدولة الريعيه، يخلق منه مواطنا سلبيا فهو لا دور اقتصادي له بل هو احد منتفعي تقاسم الثروة وليس تكوينها او انتاجها.

1 تعليقك

اترك رد