المؤسسة والانتهاك – ج 2


 

المؤسسة والانتهاك -2-
من التشيء إلى الاعتمال

لا أبالغ إذا قلت بأن القيمين على المتحف يسخرون من ذائقة المتلقي المغربي. سواء عن جهل أو تجاهل. فما معنى أن ينشر عمود كهربائي معوج بحديقة المتحف، متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر؟ أيعتبر ذلك العمود حقا عملا فنيا؟ أيجوز اعتباره منجزا من منجزات الفن المعاصر؟ ماهي قصدية الخطاب المفهومية والدلالية التي ينوي الفنان إيصالها إلى المتلقي؟ بيان توضيحي، احتجاج، استفزاز، استنكار؟ لا أدري مادام ” الفنان “لم يعبر هو نفسه عن نواياه ومقاصده. ربما يمكن القول إنه ينوي فتح مجال لحوار ولردود تكون نابعة من المتلقي كي يساهم بدوره في البناء النظري لمشروعه المفهومي؟ إن العمود الكهربائي يعد نوعا من أنواع “الشيء الجاهز” Ready made، لكنه يفتقد إلى المرجعية الدلالية التي ميزت مثلا، أشياء الفنان الفرنسي مارسيل دوشان الجاهزة. فالعمود ليس معاديا للمؤسسة بل إنه يسعد باحتضانها له ويسعى لإثبات ذاته كنوع من الحضور في مجال الفن التشكيلي الراهن دون أن يصل إلى حد “اتهام نمط التمثل التقليدي السائد…في مجال الرسم الشبكي”. لقد أصبحت تسمية شيء عملا فنيا عادة سائدة ومألوفة في القرن العشرين، كما جاء على قول منظر الفن البلجيكي تيري دو دوف Thierry de Duve (1944…)، “غيرأن مثل هذه العملية “المجازفة” لا يمكن أن تتحقق إلا بموافقة أو تواطؤ “عالم الفن”، أي في إطار توافقي بين أولئك الذين يعرفون”. (مارك جيمنيز)


حينما فتح الفنان الانجليزي جيف كونس Jeff Koons رواقا للعرض بإيطاليا، وتركه فارغا لم يعرض فيه شيئا، أثار فعله زوبعة من انتقادات الذين يتتبعون مساره الفني ويقفون معارضين في وجه فنون ما بعد الحداثة، فبدأت الكتابات المتنوعة الرؤى والمذاهب تتناثر على صفحات المجلات المتخصصة وملحقات الجرائد الثقافية، وبذلك يكون جيف كونس قد حقق هدفه، وصل إلى مبتغاه بخلقه زوبعة من الخطابات Discoursحول فكرته التي لم يكن من ورائها شيء حقيقي وعياني يثير الانتباه والفضول، ومن تم يعتبر عمل جيف كونس عملا مفاهيميا Conceptuelيعتمد بالضرورة على الفكرة التي تستدعي المتلقي للمساهمة في حياكتها. هناك من النقاد الفرنسيين على الخصوص من اعتبر فكرة جيف كونس نسخة لما سبق أن قام به الفنان الفرنسي إيف كلان (1928-1962) Yves Klein في بداية ستينات القرن الماضي، حينما استدعى الجمهور لحضور معرض “الفراغ” برواق فارغ. الفكرة لها دلالة كبيرة في أوساط الفن الراهن، ذلك أن بعض الأعمال ومقاصد الفنانين عبارة عن دعوى موجهة للمتلقي كي يساهم في بناء العمل الفني، نظريا، فيصبح بذلك طرفا فاعلا في إنتاجه. فالفن المعاصر، وحتى الحديث تبقى أعمالهما قابلة للتأويلات المختلفة والمتنوعة، وتنطبق عليها فكرة “الأثر المفتوح” الذي تناوله إمبرتو إيكوUmberto Eco (1932 – 2016) في كتابه. (L’œuvre ouverte) فالمنجز الفني حينما يغيب فيه الموضوع العيني ويبتعد عن التشخيص الواقعي الوصفي يكون عرضة لتفسيرات وتأويلات الذين يستقبلونه كل حسب ثقافته وميولاته الفكرية، ربما يلتقي مع ما يريده صاحب العمل وما يقصده وربما يختلف معه. فالعمل الفني يبقى دائما متعدد المعاني polysémique، إذ النص لا يوجد به معنى حقيقي ووحيد، كما قال الكاتب/الشاعر/الفيلسوف الفرنسي بول فاليري Paul Valéry (1871-1945)، وعنونته تكون بمثابة دليل يستعين به المتلقي أثناء قراءته للنص، توجهه نحو أفكار مسبقة بدل منحه كامل حرية التأويل والتشفير.


يقول الشاعر الفرنسي ستيفان ملارميه Stéphane Mallarmé (1842-1898): “إن تسمية أي موضوع يعني استبعاد ثلاثة أرباع من متعة القصيدة التي هي السعادة المصاحبة للتخمين”. وما يجري على النص الأدبي الشعري أي القصيدة، يجري كذلك على النص التشكيلي. فحينما يصاحب عملا تشكيليا بعنوان فإن صاحب العمل يضيق على المتلقي فرصة المتعة والتلذذ، وبالتالي يوجهه نحو قصديته، فتكون القراءة والتأويل خاضعة لنوايا المبدع، حيث إن العلامات والرموز الحاضرة تشكل “مماثلة النص لمرجعه الواقعي”، وهذا فعل خاص بالفن التشخيصي، البسيط في واقعيته، بينما الأعمال التي ينكتب فيها التشخيص كإيهام بالواقع، فتتعذر قراءتها دون إحالتها على أنساقها الجمالية والفكرية والفلسفية والإيديولوجية، وأتمثل بأعمال عصر النهضة الأوربية. لا أريد أن أفصل في هذا الباب حتى لا أخرج عن الموضوع الذي أنا بصدد الخوض فيه، ولمن يريد المزيد يمكنه قراءة كتاب الناقد Erwin Panofsky (1892-1968)، «L’œuvre d’art et ses significations»، وتبقى أبحاث هذا المؤرخ/الناقد حول ما أسماه “رمزية الأشياء المخفية” أساسية لفهم واستيعاب فنون عصر النهضة.


“لم يعد الأثر الفني موضوعا نستمتع بجماليته القائمة، بل صار سرا يجب أن نقوم باكتشافه” (أمبرتو إيكو)، أكيد أن عمودنا الكهربائي يفتقد إلى “الجمالية القائمة” التي يمكننا الاستمتاع بها، فهو عبارة عن كتلة من حديد أفقدها الزمن وظيفتها الأصلية (الإنارة)، وشكلها لا يدعو للاستلذاذ الجمالي.
هل يخفي العمود الكهربائي سرا جعله يتحول من شيئيته المألوفة إلى عمل فني؟ إن مثل هذا السؤال أصبح من الإشكاليات الأساسية للفن المعاصر، التي تشكل الحيرة والذهول لدى الجمهور العام أمام منجزات هذا الفن، التي تنتهك كل المعايير، مما يدفعه لوصفها بالتهجين والدجل.
إنه لمن المستبعد الاستعانة بنظرية الفلسفة/الجمالية التحليلية لاستكناه رمزية الفعل الإبداعي واستجلاء دلالات المنجز، معتمدين المقولة إن كل شيء عادي يمكنه أن يتحول إلى أثر فني تحت ظروف معينة، وإن كل أثر فني يمكن توظيفه كشيء عادي، خال من أي حمولة إستيتية. فالشطر الأول من هذه المقولة يحيلنا إلى “مبولة” الفنان الفرنسي مارسيل دوشان Marcel Duchamp (1887-1967)، التي تحولت من وظيفتها الأولية إلى عمل فني يسكن أروقة المتاحف العالمية، بينما الشطر الثاني يعود بنا إلى لوحة من لوحات الفنان الهولندي رامبرادنت Rembrandt (1606 – 1669) التي استعملت كسترة لنافدة تقي من الحر والقر. وانطلاقا من هذه المقولة الفلسفية بشطريها، يطفو على السطح التساؤل الأنطولوجي: متى يكون هناك فن؟ (When is art?)، تساؤل أساسي في الجمالية التحليلية L’esthétique analytique، وضعه الفيلسوف الأمريكي نيلسون جودمان Nelson Goodman (1906 – 1998)، مستعيضا به عن السؤال التقليدي الذي تسيَّد لعدة قرون في الجمالية الكلاسيكية: “ما هو الفن؟”


يرى مارك جيمينيز أن السؤال الوجودي “متى يكون ثمة فن؟” لا يمكن الاستعاضة به عن السؤال الماهوي: “ما هو الفن؟”، لأن ذلك يفترض مسبقا وجود مفهوم فن محدد يضم، في مفهومه أو في العمل نفسه، علامات الاعتراف المميزة للشيء الذي يكون قيد النظر”.
كيف يمكن التوفيق بين عمود كهربائي له أعراض ثابتة يعرف بها كشيء عادي، وبين “اعتماله” كأثر فني يسكن دهاليز المتحف؟
يبقى التساؤل قائما، إذا كان المتلقي المحلي مستعدا، لخوض نقاش جمالي من هذا النوع؟ أظن أنه في غياب ثقافة بصرية واسعة يصعب الرد بالإيجاب. إن عين هذا المتلقي ألفت واعتادت على مشاهدة صور مماثلة لأعمدة مهشمة في الشوارع والأزقة وفي كل مكان. ألف المتلقي التعايش مع ثقافة الرداءة والتسيب والإهمال والغش والخداع والتهميش والتهجين والسخرية والاستهزاء…بينما المتلقي الغربي لم تعد عينه ترى مثل تلك الأشياء منذ عهود طويلة، وإذا عرضها فنان ما فهي حاملة لدلالة مملوءة ب “النوستالجيا”، تذكره بزمن انقرض وانتهى. فسيتذوقها كما يتذوق الأشياء التراثية، وربما يقتنيها كما يقتني أواني أثرية.

هوامش:
مارك جيمنيز-الجمالية المعاصرة، الاتجاهات والرهانات، ترجمة وتقديم د. كمال منير، منشورات ضفاف بيروت، 2012.
إمبرتو إيكو – الأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، ط. الثانية 2001، دار الحوار للنشر والتوزيع-اللاذقية، سورية
Erwin Panofsky – l’œuvre d’art et ses significations, Tr. Marthe et Bernard Teyssèdre, Ed. Gallimard, 1969

لا تعليقات

اترك رد